قوانين البيت المسلم: 1-النظافة والطهارة

قال رسول الله ﷺ: “الطهور شطر الإيمان” [مسلم]. من أولى ميزات المسلم في نفسه وفي بيته وفي دائرة بيته نظافته، وقد يشترك غير المسلم مع المسلم بالنظافة ولكن المسلم يتميز بالطهارة، والطهارة حكم شرعي مرتبط بأسبابه قد يتلازم مع النظافة وقد لا يتلازم؛ فالكحول مثلاً منظف ولكنه غير مطهر، إلا أن ارتباط الطهارة بالماء في الغالب يجعل هناك تلازمًا إلى حدٍ كبير بين الطهارة والنظافة، فالمسلم يعني بالطهارة والنظافة بآن واحد، وهذا ما يجعله متميزًا عن أصناف الناس، فهو يتحاشى الأوساخ والنجاسات، ويزيلها حسية ومعنوية.
ولتحقيق النظافة والطهارة في النفس يلاحظ المسلم أن يكون على طهارة البدن دائمًا ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. ومع المحافظة على طهارة البدن فإن المسلم يحرص على طهارة الثياب.
ومع الحرص على طهارة الثوب والبدن ونظافتهما فإن المسلم يحرص على الطهارة والنظافة في بيته، ومن ثَمَّ فإنه يلاحظ طهارة البيت وطهارة أدواته وطهارة أثاثه ما أمكن، ويتعين عليه تخصيص مكان الصلاة بمزيد عناية في الطهارة، ويراعى أن تكون سلال المهملات كافية حتى لا تبعثر الأوساخ في البيت، ويخص الحمام والمرحاض بمزيد عناية، ويلاحظ تراكم الغبار على كل شيء في البيت فينظَّف، ومع ملاحظته النظافة داخل بيته فهو يحرص على النظافة في ما يحيط بالبيت، فيلاحظ أن يبقى فناء البيت نظيفًا من الأوساخ والأقذار والغبار، وكل ما يؤذي النظر من مناظر.
وليلحظ المسلم لتحقيق النظافة ما يلي:
أولاً: أن يُعوِّدَ المسلم نفسه وأهل بيته ألا يلقوا شيئًا من الأوراق أو المستعملات إلا في سلات المهملات وخاصة الأوراق التي يستعملها للطهارة، فلا يلقيها داخل الحمام إلا في سلة المهملات. ومما يحسن أن يلاحظ بألا تلقى أوساخ المطبخ إلا في المكان المخصص لها وضمن صندوق خاص ذي غطاء بعيدًا عن متناول أيدي الأطفال، وأن ينظف الصندوق ومكانه دائمًا ويعقَّمان. ومن المناسب ألا تلقى أوساخ الأواني المستعملة في مصارف المياه مثلاً لئلا تؤدي إلى انسدادها، ويستحسن أن تتلقى بمصفاة توضع تحت صنابير المياه عند التنظيف، ثم تلقى بقايا الطعام وغيرها في مكان آخر مناسب لها.
ثانيًا: أن تنظم المرأة أوقات غسيل الثياب وغسيل أدوات الطعام وكل ما يتَّسخ في البيت في مواعيد محددة.
ثالثًا: يلاحظ أهل البيت الأشياء التي يتجمع فيها الغبار فيخصوها بالنظافة.
رابعًا: أن تكون هناك مواعيد محددة لكنس البيت بما يتفق مع وضع أهل البيت.
خامسًا: أن ينظم أهل البيت غسل أجسامهم حيث لا يمر أسبوع بدون اغتسال، ومن السنة الاغتسال كل يوم جمعة، واستعمال السواك لتنظيف الأسنان وتقوية اللثة فإن لم يكن فاستعمال الفرشاة مع المعجون، وهذا يحافظ على الأسنان من التسوس والتلف ويساعد على بقاء رائحة الفم طيبة، واستعمال السواك سنة يستحسن اتباعها والمحافظة عليها.
سادسًا: أن ينظم أهل البيت أمر التخلص من النفايات بحيث لا تؤذيهم ولا تؤذي غيرهم. وأهم ما يلاحظ في النظافة: المطبخ والحمام والعقوبات التي تصيب البيت بسبب إهمال تهويته.
سابعًا: وقد يصاب أحد من أفراد البيت المسلم بالوسوسة بنظافة أو الطهارة فيغلو في ذلك، وقد يصاب بالتساهل فيفرط وكل منهما يحتاج إلى علاج، والعلاج في العلم، ولكن علاج الوسوسة يختلف عن علاج التساهل، فالموسوس يُعرّف على رخص المذاهب في الطهارة، والمتساهل يعرف على ما ورد في السنة في التشديد في الطهارة، والوسوسة تضييع للمال والجهد والوقت، فهي تدخل أصحابها في دائرة الإسراف لذلك كان علاجها ضرورياً وذلك من خلال التعرف برخص المذاهب.
فمن رخص المالكية:
– أن الطهارة من النجاسة الحسية في الثوب والجسم والمكان سنة وليست فريضة.
– أن الماء ولو كان قليلاً إذا أصابته نجاسة فلم تغير لونه أو طعمه أو ريحه يبقى طاهرًا.
ومن رخص الحنفية:
– أن حبل الغسيل ولو كان نجسًا إذا كان جافّا ونشر عليه الغسيل فإن الغسيل لا يتنجس.
– أن سجاد (الموكيت) إذا كان ملصقًا بالأرض فله حكم الأرض، فجفاف النجاسة وزوال أثرها مطهر له.
– أنه إذا أصيب ثوب أو مكان بنجاسة ولم يعرف مكانها، فأي مكان غلب على الظن أنه هو وغسل طهر به الشيء.
– أن السجاد أو الحصير إذا كان نجساً وجفّ وداس عليه المتوضئ برجله المبلولة ولم يظهر أثر النجاسة على رجله، فإن ذلك لا ينجسها.
ومن رخص الشافعية:
– أن ورود الماء على النجاسة الحكمية كالبول الناشف يطهر النجاسة ويبقى الماء طاهراً، وفروع هذه المسألة كثيرة، فإذا أصيب حصير أو سجاد ببول مثلاً، ونشف فإنه يكفي أن يصب عليه الماء، فيطهر المكان ويبقى الماء طاهراً، فإذا ترك المكان للجفاف يطهر تلقائياً، ولو أن ثوباً أصيب بنجاسة حكمية فصب على المكان ماء فالمكان طهر والماء طاهر، فما تناثر منه على بقية الجسد أو الثوب فهو طاهر، ولو أن امرأة وضعت ثياب طفلها في الغسالة الخالية ثم صبت عليها ماءً، فالثياب تطهر والماء طاهر، فما أصابها منه طاهر لا يُنجِّس، وإذا فاض الماء في إناءٍ فيه ثياب نجسة بحيث صبّ من جوانب الإناء طهر الإناء وما فيه عند الحنفية. إن معرفة رخص المذاهب نوع علاج للوسوسة.
ومن رخص المذاهب أن الكحول أو الخمرة أو ما ينتج عن الكحول من عطور وأدوية ليست نجسة نجاسة حسية، فالخمر نفسها عند هؤلاء نجسة نجاسة معنوية.
لكن مثل هذه المسائل نعرف عليها من أصيب بالوسوسة ليشفى منها، أما المتساهل فندربه على المحافظة العملية على طهارته ونظافته.

التمثيل ونظرية البديل الإسلامي – 2

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه وسلم. أما بعد،

فقد عرضنا في المقالة السابقة لحكم التمثيل عند من يمنعونه، ونستكمل بيان هذا الموضوع – حكم التمثيل – في السطور التالية.

مذهب المبيحين

من أباح التمثيل رأى أنه لا يعدو أن يكون نوعا من الحكاية للواقع لا أنه إخبار عن الواقع بخلاف ما هو عليه؛ إذ الأصل إباحة الحكاية إذا لم تكن على وجه التنقص والازدراء، للبراءة الأصلية.
وممن أجاز التمثيل بشروط: محمد رشيد رضا، وابن جبرين، وابن حميد، وابن عثيمين، والقرضاوي، وفتوى دار الإفتاء المصرية.
وقد جاءت بعض الأدلة الشرعية المؤكدة لأصل إباحة المحاكاة؛ فمن ذلك ما تقدم عن ذكره ابن مسعود رضي الله عنه حيث قال: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، ففيه حكاية من النبي بفعله وقوله لما جرى من ذلك النبي عليه السلام وهو دال على جواز هذه المحاكاة.
وقد عدوا للتمثيل مصالح كثيرة، فهو أشد أثرا في النفوس وأرسخ في الأذهان إذا ما تعلق بحادثة تاريخية أو دعوة لفضيلة أو نحو ذلك؛ لا سيما مع سعة انتشاره ووصوله لكافة قطاعات المجتمع.
ولأدلة المبيحين التفصيلية نقاش لا يتسع له المقام، كاستدلالهم بتمثل الملائكة للبشر، وبعض أفعال الأنبياء [أحكام فن التمثيل في الفقه الإسلامي، لمحمد الدالي].
لكن القائلين بإباحة التمثيل من أهل العلم – وهم كثر – وضعوا له شروطا وضوابط لا بد من التزامها والانضباط بها، ومتى تخلفت هذه الضوابط والشروط، صار التمثيل محرما وعد مخالفة شرعية [التمثيل.. الحظر والإباحة، لعبد الله صالح العجيري، مجلة البيان].
والإحاطة بهذه الشروط والضوابط والعلم بها متعين على كل من أراد الدخول في عالم التمثيل واقتحام فضاءاته، خصوصا المربين الذين يقومون على تربية الشباب في مختلف المناشط الخيرية، في المراكز الصيفية والمخيمات الشبابية والأنشطة التوعوية، ممن قد يستعملون هذه الوسيلة في التأثير.
وتزداد الحاجة إلى معرفة هذه الضوابط مع اتساع رقعة التمثيل في العمل الإسلامي باتساع رقعة الفضاء الإعلامي، وقيام الدعوات لتقديم البدائل الإسلامية في مجال: الفن، والدراما، والمسلسلات، والأفلام.. وغيرها.
ومن المؤلم دخول كثير من الأخيار هذا المجال مريدين للخير ونشر الدعوة؛ ثم تجد منهم ألوانا من التساهل المذموم في التزام هذه الضوابط مع تعلقهم بأقوال من أباح التمثيل من أهل العلم، وكأن أولئك العلماء ما تكلموا في شروط وضوابط؛ وكأنهم قد أباحوا كافة صور التمثيل.
فالواجب على من أراد التعلق بكلام أهل العلم في هذه المسألة مراعاة ما وضعوه من الضوابط والشروط، لا الأخذ بطرف من كلامهم وبتر أطراف.
أما ضوابط وشروط التمثيل المباح – عند من أباحه – فأهمها ما يلي:

أولا: وجود الحاجة الداعية إليه شرعا، تحقيقا لمصلحة معتبرة أو دفعا لمفسدة معتبرة، وثمة في الواقع حاجة بل حاجات تدعو إلى الاستفادة من التمثيل كوسيلة للدعوة إلى الأخلاق الحميدة والأفكار السليمة ومزاحمة الشر بالترفيه المباح، مع التنبه إلى تأخر رتبة هذه الوسيلة بالمقارنة مع غيرها من وسائل الدعوة القائمة على تبليغ القرآن وتبليغ السنة ونشر فقههما، بالموعظة والتذكير، والمحاورة والتعليم، والاقتداء والتأسي؛ فلا ينبغي التوسع فيه حتى يصير غاية في نفسه، أو يتوهم أنه الوسيلة الأهم في باب الدعوة، أو يتشاغل به عما هو أولى منه… وهكذا.

ثانيا: ألا يقترن به محرم: كوجود آلات اللهو والمعازف، ومثلها الأناشيد المشتملة على الإيقاعات والمؤثرات التي هي في حكم الموسيقى، أو ظهور النساء للرجال ولو بحجاب، أو الاختلاط بين الجنسين وما قد يتبعه من مصافحة وضم وغيره، أو الإسفاف والابتذال، أو نشر الفجور وبث الرذيلة، أو وصل الشعر طلبا للتجمل؛ فإن خلا من قصد التجمل، فمحل تردد والأحوط تركه، أو السخرية والاستهزاء بمعين أو طائفة: كتمثيل أعرج أو أخرس أو أعمى أو جنسية أو لهجة قوم على وجه التنقص؛ فإن لم يكن على وجه التنقص فلا بأس به، وغير ذلك من عموم الذنوب والمعاصي.

ثالثا: عدم تمثيل من يحرم التشبه بهم، أو من يكون في تمثيلهم انتقاص من قدرهم، كالأنبياء والملائكة – قطعا – ومثلهم الصحابة، وكبار العلماء والصالحين على خلاف بين أهل العلم فيهم.
وأما من يحرم تمثيلهم لحرمة التشبه بهم؛ فتمثيل الرجال لأدوار النساء والعكس، وكذا التشبه بالحيوانات في حركاتها أو أصواتها إلا ما كان يسيرا على وجه مداعبة الأطفال خاصة، والأصل حرمة تمثيل أدوار الكفار والعصاة، وقد يستثنى من هذا الأصل ما كان فيه مصلحة راجحة بشرط أن لا يصدر من صاحبه قول أو فعل مكفر أو معصية حقيقية: كسجود لصنم، أو سب الله والدين، أو شرب الدخان، أو حلق اللحية أو غير ذلك، ومثله العاصي فيجوز تمثيله والتظاهر بفعل المعصية لا فعلها حقيقة، طلبا للتنفير منها في حال المصلحة الراجحة، خصوصا فيما شاع من المعاصي، أما ما لم ينتشر منها فالأولى عدم التنبيه إليها، خشية من إذاعتها ونشرها.
والأولى بكل حال اجتناب الخوض في هذا الاستثناء ما أمكن؛ إذ هو على خلاف الأصل، ومحل شبهة؛ ينبغي على من يعالج تربية الشباب الصالح أن يتجنبه ولا يتوسع فيه.

رابعا: عدم تمثيل عوالم الغيب: فلا يجوز تمثيل أدوار الملائكة ونحوهم، أو وقائع يوم القيامة: كالبعث والحشر وعرض صحائف الأعمال ومشهد الحوض والورود على الصراط.. وغير ذلك، وكذا أحوال الجنة والنار وسائر المغيبات؛ فإن في تمثيل هذه المشاهد قولا على الله – تعالى – بغير علم، وتوهينا من قدرها ومنزلتها.

خامسا: ألا يتضمن التمثيل دعوة لمحرم، من عقائد كفرية، أو بدع ردية، أو معاص وذنوب؛ إذ الدعوة للحرام حرام، بل قد يكون صاحبه أشد إثما ووزرا.

سادسا: أن لا يتضمن التمثيل كذبا وتزويرا للواقع والتاريخ، أو الأشخاص والطوائف، أو على الشرع والدين. فلا بد من تحري الصدق والأمانة.

سابعا: ألا يؤدي التمثيل إلى أمر محرم: كالصد عن ذكر الله، أو التشاغل عما هو أوجب منه، أو تضييع للأوقات والطاقات والأموال بما لا يفي بمصلحة التمثيل.

ثامنا: يجب أن يأتي التمثيل كوسيلة للدعوة إلى الله في مرتبة متأخرة عن الوسائل السنية الشريفة وهي الكتاب والسنة وهدي السلف.
ومما نؤكد عليه أن ما علق من الأحكام والضوابط على تحقق المصلحة الراجحة فالمقصود مراعاة المصلحة الشرعية المعتبرة التي يقدرها أهل العلم؛ فإن الفقه الحقيقي في معرفة محال هذه المصالح والمفاسد، وإدراك خير الخيرين وشر الشرين، والموازنة بين منازل المصالح والمفاسد، وهذه خاصية أهل العلم؛ فالأصل الرجوع إليهم في تحقيق هذه المسائل واستشارتهم بتصوير حقيقة النازلة من كافة جهاتها، وبيان ما يمكن أن يترتب عليها من المصالح والمفاسد، ويترك لهم الحكم بعد ذلك فيها، عملا بقول الله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43].
وإذا أخذ من هذا الأسلوب ينبغي الأخذ بقدر؛ فإن في الإكثار من هذه الوسيلة تشاغلا عما هو أولى وأحرى، وهو مظنة الوقوع في شيء من المحظورات والتخفف من بعض الضوابط، والواقع شاهد بهذا.
ومهما قيل عن فوائد التمثيل والإنشاد ونحوهما، فينبغي التأكيد على أنه من الخطأ البالغ أن يبالغ المربون في صرف الشباب الصالح إلى مثل تلك المناشط التي تصدهم – غالبا – عما هو أنفع لهم في أمر دينهم؛ من التزود من العلم النافع، والعمل الصالح، وحفظ كتاب الله، والتفقه فيه، وتربية النفوس على التقوى والخشية والخوف من الله.
وأما عامة الناس ومخاطبتهم بلغة التمثيل فقد يكون لهم في هذا الباب فقه أوسع وأرحب من فقه من تقدم.
والمصالح المعتبرة في حقهم لا تساوي ضرورة المصالح المعتبرة في حق الشباب الصالح، وما يليق بهم وبأحوالهم قد يكون أوسع دائرة من اللائق بأحوال أهل الاستقامة.

نظرية “البديل الإسلامي”

لقد ظهرت قنوات فضائية ومؤسسات إعلامية تهدف إلى تقديم البديل الإسلامي، ومن ذلك الأعمال التمثيلية الإسلامية، هدفها بيان جوانب الإسلام من خلال هذا الفن سواء من الناحية العقدية أو الخلقية أو غيرها.
ومن تأمل الدور الذي يؤديه الممثل يتبين له أنه بات وسيلة مؤثرة في نشر الأفكار والمفاهيم والدعوة إليها حقا كانت أم باطلا. فهل من خلال هذا الدور يمكن النظر في إمكانية استخدام التمثيل كوسيلة في الدعوة إلى الله وبيان الحق ودحض الباطل الذي انتشر؟ وفي حال كان الجواب بالإيجاب، فما ضوابط ذلك؟ لا شك أننا أجبنا عن هذا فيما سبق بوجه.
لكن المتحمسين لفكرة البديل الإسلامي يدعمون توجها قويا في هذا العصر لإيجاد البدائل المرئية الهادفة، المشتملة على عناصر النجاح، القادرة على المنافسة في عالم أصبحت فيه الأسر والأطفال متابعين بشدة لشاشات التلفاز وأفلام الفيديو وصفحات الإنترنت.. بناء على أن إعداد مثل هذه المواد حاجة ماسة، ومصلحة راجحة، يغتفر في سبيلها ما دونها مما يصنف في خانة المخالفات الشرعية بالنظر الجزئي، وذلك لأمور، منها:

أولا: عموم البلوى بالنظر إلى الأفلام بأنواعها، ومن عامة طبقات المجتمع، ومعلوم أن أغلب ما يشاهد – إن لم يكن كله – مما لا يتفق وآداب الإسلام، بل هو خارج عن هديه خروجا كليا أو جزئيا. وليس من الحكمة ولا من النظر السديد أن يترك هؤلاء فريسة لهذه الأفلام الهدامة بحجة أن التصوير مثلا أو التمثيل حرام، في حين أنه تم استثناء بعض الأحوال كالتصوير للتوثيق، والتمثيل للتعليم.. ونحو ذلك. وما نحن بصدده أعظم خطرا في أثره وأولى بالاستثناء والاعتبار.

ثانيا: لا وجه لترك الناس ـ على جهة المعاقبة لهم على إدخال التلفاز أو الأطباق الفضائية ـ والتخلية بينهم وبين شياطين الإنس والجن، يعبثون بعقائدهم وأخلاقهم وأعراضهم، ونقف مكتوفي الأيدي، سلبيين، نكتفي بالنقد واللوم والتهديد بالعقاب وبالآثار السيئة، جزاء ما فعل الناس بأنفسهم. وهذا وإن كان ضروريا، فإنه غير كاف في حجز الناس عن الباطل.. بل لا بد من العمل الإيجابي ومواجهة الباطل بمثل سلاحه، وإيجاد البديل المقنع، جنبا إلى جنب مع الدعوة والبيان والتحذير، وإلا فإننا لم نستفرغ الوسع في النصح، ولم نتماش مع ما تمليه قواعد الشريعة ومقاصدها ؛ يبين ذلك الوجه الثالث.

ثالثا: مع التسليم بوجود بعض المحاذير الشرعية التي لا ينفك عنها مثل هذا النوع من العمل الإعلامي، فهو عامل مهم في تخفيف الشر ومزاحمته، وتخفيف الشر ما أمكن أمر اعتبره الشارع، إذ هو معنى ما تقرر من أن ارتكاب أخف الضررين، ودفع كبرى المفسدتين مصلحة شرعية. وقد جاء الشرع بتحصيل المصالح وتكميلها، ودفع المفاسد وتقليلها. ولو أمكن – عمليا – دفع مفاسد الأفلام بمجرد التحذير منها لم يجز عمل البديل لمجرد التسلية والمتعة، ولكن الواقع ينطق بغير ذلك.

رابعا: أن الأفلام الخالية من صور النساء المتبرجات ومن الموسيقى، ذات الأهداف الخيرة في مضامينها وإخراجها؛ كالتعليم وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وذكر وقائع التاريخ والإشادة بأعلام الإسلام.. وما شابه ذلك من المعاني والمقاصد الصحيحة، هذه الأفلام تترك أثرا طيبا على النشء وعلى المشاهد عموما، في زمن اختفت فيه القدوة الصالحة من وسائل الإعلام إلا ما ندر فيه، وأصبح المهرجون والمغنون واللاعبون – ذكورا وإناثا – هم وجوه الناس ومثلهم العليا!

خامسا: أن إيجاد البديل المناسب جزء من إقامة الحجة على القائمين على القنوات الفضائية وأجهزة التلفاز، وأصحاب محلات الفيديو، من جهة، وعلى المشاهد والمستهلك من جهة أخرى.. الذين يجلبون إلى الناس وإلى بيوتهم الأفلام الماجنة، وإذا قيل لهم في ذلك، قالوا: هذا هو الموجود! ومع التسليم بخطأ هذا المنطق، إلا أنه – ومرة أخرى – لا يكفي أن يكون منطقهم هذا نقطة مفاصلة بيننا وبينهم، فالدمار والعقوبات الإلهية والفوضى والانحلال سوف يكتوي بنارها الجميع، كما أننا يجب أن نقف من الناس موقف الأطباء من المرضى، فنعمل على حجب أسباب المرض، ونؤخر ما أمكن أسباب الهلاك وموجبات العقوبة.

سادسا: أن واجب حماية المجتمعات الإسلامية من أسباب الانحلال والفساد هو واجب الحكام والحكومات بالدرجة الأولى، لأن بيدهم قرار المنع، وإليهم يرجع تشجيع البديل الأفضل وإحلاله. يلي ذلك العلماء وأهل الإصلاح في الدعوة وإقامة الحجة، والاجتهاد في حث الناس على مقاومة الفساد وأسبابه بالوسائل المناسبة، ومنها تشجيع القادرين من أهل المال والاختصاص بالتعاون والتفكير في إيجاد البدائل، وتذليل العقبات لهم، وفي مقدمتها: دراسة الأمر من وجوهه المختلفة، والنظر في المصالح العامة والمقاصد الشرعية، وتنزيل النصوص منازلها منها، وتشجيعهم وضبط مسيرتهم.
وإذا قصر هؤلاء وأولئك في أماناتهم وتخلوا عن مسؤولياتهم، فأي مصير مجهول ينتظر هذه المجتمعات المغلوبة على أمرها، التي فقدت النصح والتوجيه على كل المستويات؟
إن من غير المقبول أن نعجز عن حماية المجتمع الإسلامي من أسباب الرذيلة وطرق الانحراف، ثم يضيق أفقنا أو نتقاعس عن تيسير المخارج الأقل خطرا، من باب رفع الحرج عن الناس والتدرج في استصلاحهم.

سابعا: إن تغير وسائل التخاطب وأنماط الحياة وأساليب التأثير حقيقة ماثلة لا يمكن تجاهلها بعدم التعامل معها، أو تجاوزها واختزالها، ومطلوب منا نحن المسلمين أن نعيش عصرنا بالإسلام، وأن نجتهد لكل نازلة بما يتناسب وطبيعتها وظروفها، وأن نقر بشدةِ وطأة أعداء الإسلام الإعلامية والثقافية على بلاد المسلمين، وأن وسائل المسلمين في مقاومة هذا الغزو ضعيفة جدا، وأنها حرب غير متكافئة، وإذا كنا نسلم بجواز مصالحة العدو مرحليا في حال الضعف، حتى نتمكن من أسباب القوة والمقاومة، فإننا أمام حرب لا تجدي معها المهادنة، بل المطلوب هو التسليم المطلق وبدون شروط.
أفلا يكون إفساح المجال أمام الأفلام الهادفة ـ والحالة هذه ـ ضمن قيود تراعي خصوصيتنا الإسلامية، لتحقيق الكفاية أو مقاربتها، ألصق بالحكمة ومقاصد الشريعة من إغلاق الباب في وجوه أصحاب النوايا الحسنة الراغبين في سد هذا الثغر، لنصبح عيالا على البديل الأسوأ، بحجة أن هؤلاء كفار، دينهم ما تهواه نفوسهم، ونحن مسلمون، لنا موازيننا في القبول والرفض، فكيف سمحنا لهذه الموازين أن تختل في تلقي زبالة أفكارهم وقمامة رذائلهم! ولم نجتهد – وفق موازيننا – في إبداع الوسائل المقاومة لهم!
وإذا كنا نعذر أنفسنا في الأول بالعجز عن منع المنكر، فلا عذر لنا في الثاني بمقاومته بكل وسيلة هي أقل ضررا منه. هذا مقتضى العقل وعين مقاصد الشرع.
ولا بد أن نفرق بين من يدعو إلى التنازل عن الثوابت، واقتحام المحرمات لذاتها، مجاراة لأعداء الإسلام وتزينا أمامهم.. وبين من أفزعه الواقع المؤلم، ونهض لإيجاد البديل، مرتكبا أخف الضررين، دون توسع، مجتنبا الوقوع في المحرم لذاته، متذرعا بما وسع بعض المجتهدين من أهل العلم المعتبرين في التجوز فيه، فيما يتعلق بالمحرم لغيره، إذا دعت مصلحة راجحة لاستخدامه.
كما لا بد أن نفرق في الأمر المنكر الذي يشيع في الناس:
بين ما تكون الحكمة في الردع عنه تغليظ العقوبة فيه، كما فعل عمر رضي الله عنه في حد شارب الخمر، لما فشا في الناس شربها؛ حيث جعل الحد ثمانين جلدة، ووافقه الصحابة رضي الله عنهم في ذلك.
وبين ما تكون الحكمة حجز الناس عنه بالرفق واللين، وإعطاءهم بعض ما يحبون حتى ينكفوا عما وراءه مما هو أعظم منه، كما فعل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في حمل الناس على الأمر الأول، وقد بعدوا عنه بعض الشيء! فكان يعطيهم الحلوة من الدنيا رجاء أن يقبلوا معها ما يريده رضي الله عنه منهم من أمر الدين.
ولا شك أن ما نحن بصدده هو من جنس الأمر الثاني.

فلهذه الأسباب ونحوها فإن إنتاج وتصوير المسرحيات الهادفة، المنضبطة بالضوابط المذكورة سابقا أشبه بالصواب، تيسيرا على الناس، واستصلاحا لما أمكن، وتخفيفا للشر ومزاحمة له، وإقامة للحجة في ترك ما هو أعظم شرا منها، ومراعاة لاختلاف أحوال الناس في طرائق التعلم والتلقي، ومخاطبة الناس باللغة التي هي أكثر تأثيرا من غيرها، وأن ما يرتكب في سبيل ذلك مما لا بد منه من مخالفات، لا تبلغ ما ذكرنا من المحاذير التي لا يتأول في تجاوزها، فإنه مغتفر مغمور بالمصلحة الكبرى المرجوة، على أن يجتهد أهل العلم والمختصون بالبحث الدائم عن الوسائل التي تؤدي الغرض، وتكون أسلم وأبعد من المخالفات الشرعية حسب الإمكان. والله تعالى أعلم [الشبكة الإسلامية].

بين الارتجال والاحتراف

وهذا الإمام الشاطبي رحمه الله يعُد الإنشاد على وجه الصناعة والاحتراف ضربا من البدع، بالرغم من أن الصحابة (ربما أنشدوا الشعر في الأسفار الجهادية؛ تنشيطا لكِلالِ النفوس، وتنبيها للرواحل أن تنهض بأثقالها. وهذا حسن. لكن العرب لم يكن لها من تحسين النغمات، ما يجري مجرى ما الناس عليه اليوم؛ بل كانوا ينشدون الشعر مطلقا، من غير أن يتعلموا هذه الترجيعات التي حدثت بعدهم. بل كانوا يُرقِّقون الصوت ويُمططونه على وجه يليق بأمية العرب الذين لم يعرفوا صنائع الموسيقى – وذكر آثارا إلى أن قال – هذا وما أشبهه كان فعل القوم. وهم مع ذلك: لم يقتصروا في التنشيط للنفوس ولا الوعظ على مجرد الشعر؛ بل وعظوا أنفسهم بكل موعظة. ولا كانوا يستحضرون لذكر الأشعار المُغنين؛ إذ لم يكن ذلك من طَلِباتهم. ولا كان عندهم من الغناء المستعمل في أزماننا شيء. وإنما دخل في الإسلام بعدهم، حين خالط العجمُ المسلمين. – ثم نقل قول القرافي – : (إن الماضين من الصدر الأول، حجةٌ على مَن بعدهم. ولم يكونوا يُلحِّنون الأشعارَ، ولا ينغمونها بأحسن ما يكون من النغَم؛ إلا من وجه إرسالِ الشعر، واتصال القوافي. فإن كان صوتُ أحدهم أشجى من صاحبه؛ كان ذلك مردودا إلى أصل الخِلقة، لا يتصنعون ولا يتكلفون) – ثم أسهب الشاطبي في ذكر ذم السلف لذلك -) [الاعتصام، للشاطبي].

ولكل ما سبق فإننا نختم المقالة بالخلاصة الآتية.

إن التمثيل في الأصل وافد غريب على الهوية الإسلامية من تيارات اليونان وعباد الأوثان قديما، ونفثات الحضارة الغربية حديثا. وهو مجافٍ لآداب الإسلام وسمت أبنائه وهديهم، لا يمتهنه أصحاب المروءات والمعروفين بالشرف والفضل في مجتمعهم.
وإن حكاية النبي ﷺ لفعل أو قول مرة من المرات، أو إتيان ملك من الملائكة في صورة رجل، أو إنشاد الصحابة على وجه عارض، لا يصح أن تؤصل هذه الوقائع لانتهاج ألوان من صور اللهو أو الترفيه – ولو كان هادفا – هي غريبة ودخيلة على نسيج الأمة الإسلامية. ومن الجهة الأصولية فإن اعتياد بعض المباحات ينقلها – كما بين الشاطبي – من جهة الإباحة إلى جهة الكراهة أو التحريم، كما عد علماؤنا من عرف بالغناء والإنشاد أو المحاكاة ونحو هذه الأمور ساقط المروءة مردود الشهادة.
ولا ننكر أن من أهل العلم المعتبرين من جوز التمثيل بل وعده من وسائل الدعوة إلى الخير والفضيلة. لكن إذا نظرنا إلى الضوابط فسنجدها أشبه بالقيد الثقيل الذي وضعه الله تعالى في أول مرحلة لتحريم الخمر: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى}، لأنه من الجهة العملية كلما هم المرء بالفعل الجائز ظاهرا – كشرب الخمر – وجد نفسه مقبلا على صلاة من الصلوات!
فمن ذا الذي يلتزم بتلك الضوابط على الوجه المذكور؟ وما أسهل أن نقول “يجوز بشرطه”! كما ذكر ابن القيم في آفات الإفتاء والمفتين.
ولسنا ننكر أثر التمثيل في عقول الناس وأخلاقهم، وأهمية الاستفادة منه في تبليغ الخير ومزاحمة الشر خصوصا في هذا الزمان، الذي كثرت فيه وسائل الشر وطرائقه، وأعيد تشكيل عقول الناس ووعيهم.
كما لا ننكر أن بعض الأعمال الفنية اليوم هي مشروعات كبرى تدعمها دول تريد أن تنفض عنها غبار العلمانية والتغريب وتعيد أمجاد الإسلام ليتذكرها أجيال استحوذت عليهم الغفلة.
لكن التساهل في الحرام طلبا لتحصيل الخير لا شك في حرمته؛ إذ الغاية لا تبرر الوسيلة، وإرادة الخير لا تبرر الخطأ، وكم من مريد للخير لم يصبه، بل الواجب تحصيل المقاصد الحسنة بالوسائل الحسنة، وسلوك طريق الخير لتحصيل الخير. أما الحرام فليس طريقا للخير، ولم يجعل الله شفاء أمته فيما حرم عليها.
وقديما كان باب الفن والتمثيل مقصورا على أهل الفساد والنفاق فكان المسلمون في عافية لوضوح الوسيلة والغاية الخبيثتين الدخيليتين لا سيما عند كل ملتزم متمسك بدينه أو مثقف سوي الفطرة متمسك بأصوله وأخلاقه السوية. فلِم نفتح بابا للتخليط يكون حجة لمبتغي الفتنة لكي يأتيها متذرعا بواقع جديد سنرسخه وهو أن التمثيل كالشعر وكالغناء حسنه حسن وقبيحه قبيح!
ثم إن في ذلك إماتة تدريجية لأصول العلم الصالح والعمل النافع والدعوة إلى الله ومبدؤها {اقرأ}! ويكفي للاعتبار أن المثقفين لا يعدلون بقراءة القصص – سواء التاريخية أو الروائية – بديلا تمثيليا، نظرا لما يفقدونه كثيرا إذا ما شاهدوا المحاكاة المرئية للمكتوب.
إن ما ذكرناه من ضوابط وشروط ليست هي محل اتفاق بين أهل العلم – وإن كان جلها كذلك – بل منها ما يتسع فيه الخلاف ويسع فيه الاجتهاد. كما أنه لا يجوز الاتكاء على مجرد وجود الخلاف في المسألة لإباحة فعلها، أو الاستدلال باختلاف أهل العلم في ضابط للتفلت منه، بل الواجب النظر في دلالات الشريعة ومقتضيات الأدلة طلبا لحكم الله في المسائل؛ فمن وفق إلى بذل الجهد طلبا لمراد الله، فهو الموفق للأجر وإن أخطأ، وإلا كان مخطئا في فعله أصاب الحق في المسألة أو أخطأه.
وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما كثيرا

التمثيل ونظرية البديل الإسلامي – 1

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه أجمعين،
أما بعد،
فقد انتشر التمثيل في عصرنا فأصبح “فنا” و”صناعة” لا يكاد يخلو بيت من بيوت المسلمين من أحد ألوانه، إذ تنوعت ألوانه تنوعا شديدا بتنوع أذواق الناس، وتنوعت كذلك بتنوع أجهزة العرض الإلكترونية المختلفة، فصار الأمر الآن أشد مما كان في العقود الماضية، وصار وصف النازلة – الذي وصفه به الباحثون حينها – يضيق عن الموصوف به وهو التمثيل في صورته المعاصرة.
وفي هذه المقالة بيان مختصر لمسألة محددة وهي حكم الاستفادة من التمثيل الديني في الدعوة إلى الله، من خلال استعراض لبعض الفتاوى والأبحاث التي تناولت مسألة التمثيل بعامة أو على وجه التفصيل، من غير إكثار من المقدمات والتفريعات – من قبيل حقيقة التمثيل وتاريخه وأنواعه ونحو ذلك -.

هل عرف المتقدمون من علمائنا التمثيل؟

إن التمثيل ليس نازلة مستجدة من كل الوجوه؛ لتقادم العهد بوجود وقائع لها، ومقابلتها من العلماء بالإنكار منذ القرن الثالث الهجري.
والجدير بالذكر أنه رغم اتصال العرب والمسلمين بالأمم والحضارات إبان الفتوحات الإسلامية، إلا إنهم لم يحفلوا بما وجدوه عندهم من فنون التمثيل المسرحي، لمباينة هذه الألوان الفنية للهوية الإسلامية من أوجه عدة.
وهذا الإمام النووي رحمه الله تعالى (ت 676هـ) يذكر تمثيل الوعاظ وتمثيل المعلمين في كتابه “الروضة”. قال ابن حجر الهيثمي (ت 974هـ): (ومنها – أي المكفرات -: لو حضر جماعة وجلس أحدهم على مكان رفيع تشبيها بالمذكرين فسألوا المسائل وهم يضحكون ثم يضربونه بالمجراف، أو تشبيها بالمعلمين فأخذ خشبة وجلس القوم حوله كالصبيان فضحكوا واستهزؤوا، أو قال: قصعة من ثريد خير من العلم، كفر. زاد في الروضة – أي النووي -: (قلت: الصواب أنه لا يكفر في مسألتي التشبيه) انتهى كلام النووي. ولا يغتر بذلك وإن فعله أكثر الناس حتى من له نسبة إلى العلم، فإنه يصير مرتدا على قول جماعة، وكفى بهذا خسارة وتفريطا) [الإعلام بقواطع الإسلام، لابن حجر الهيثمي].
وفي “العقد الفريد” لابن عبد ربه، وعنه بدون عزو في “الوفاقات” للبكري، كما في حاشية “صهاريج اللؤلؤ” له، ذكر قصة طويلة لبعض الوعاظ، حيث كان يقف على تل مرتفع فيقول: قم يا أبا بكر، فيقوم شخص بمثابة أبي بكر رضي الله عنه وهكذا.
ومن الذين اشتهروا بذلك ابن دانيال الموصلي، شمس الدين محمد بن دانيال بن يوسف الخزاعي ثم المصري المولود (ت 711هـ)، والذي عاش على أنقاض العدوان الهولاكي التتري، وفي حياته الانتقالية إلى مصر احترف الطب وامتهن الكحالة. وكانت له مواقف وأشعار وحكايات وقصص ماجنة، وحياته مملوءة بهذا. ثم ترقت به الحال إلى “خيال الظل” وقد ألف كتابه “طيف الخيال”.
و”خيال الظل” ضرب من ضروب التمثيل، وإلى ابن الجوزي رحمه الله تعالى ينسب البيتان المشهوران:
رأيت خـيـال الظــل أكــبر عـبـرة لمن هو في علم الحقـيـقة راقي
شخـوص وأشباح تمر وتنقضي وتفـنى جميــعـا والمحــرك باقـي
وخيال الظل: (هو الأصل الأول للسينماء المعاصرة، إذ تتحرك الأشخاص والأشكال خلف ستر، وقد سلط عليها الضوء، فتبدو صورها متحركة من خلف الستر.. ومن أقدم النصوص التي سجلت فيها هذه الظاهرة، قول ابن الجوزي، المتوفى سنة 597 هـ أي منذ ثمانية قرون، فذكرهما عن “النجوم الزاهرة 6/176”) [كناشة النوادر، لعبد السلام هارون].
وقد ذكر أن صلاح الدين الأيوبي حضر عرضا لخيال الظل مع وزيره القاضي الفاضل من صناعة الفاطميين في مصر عام 567هـ.
أما المؤسس الأول لفن التمثيل المسرحي في العصر الحديث فهو مارون النقاش (*) حيث ألف أول مسرحية عربية 1848م [التمثيل، لزكي طليمات].
وما تقدم هو أقرب شيء للتمثيل على صورته الحديثة.
وبالرغم من أن لفظ التمثيل وبعض تصريفاته ورد في الكتاب والسنة وأقوال المتقدمين، إلا أن مدلوله يختلف عما نحن فيه. وأقرب الألفاظ التي وردت في السنة للتمثيل المعاصر هي “الحكاية” أو “المحاكاة”:
فعن عبد الله بن مسعود قال: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» [متفق عليه].
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: حكيت للنبي ﷺ رجلا، فقال: «ما يسرني أني حكيت رجلا، وأن لي كذا وكذا»، فقلت: يا رسول الله إن صفية امرأة – وقالت بيدها هكذا كأنها تعني قصيرة – فقال: «لقد مزجت بكلمة لو مزجت بها ماء البحر لمزج» [أبو داود والترمذي].
وهو اللفظ الفصيح لغة، كما قال الشاعر:
مما يزهـدنـي في أرض أندلــس أســمـاء معتضــد فيـها ومعتـمــد
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد
[وفيات الأعيان، لابن خلكان. والأبيات مما قاله أبو بكر بن عمار في ذم المعتمد بن عباد وأبيه].

حكم التمثيل بين المانعين والمجيزين

لقد اتفق أهل العلم على حرمة التمثيل المقترن بالمحرمات، المتحلل من القيود الشرعية، المتضمن لبث الفجور والمجون، والانحرافات الفكرية والخلقية بين الناس، وهو – وللأسف – أكثر ما يعرض في القنوات الفضائية والبرامج التلفزيونية.
لكنهم اختلفوا في حكم التمثيل من حيث هو، بغض النظر عن محتواه وما اتصل به، ما بين محرم ومبيح. وفيما يلي بيان لمذهب المانعين ثم المبيحين.

مذهب المانعين

ذهب جمع من العلماء لمنع التمثيل، ومنهم ابن باز، والألباني، وعبد الله الغماري، وأحمد الغماري، وبكر أبو زيد، وصالح الفوزان، وحمود التويجري، وغيرهم، بناء على التوجيه الآتي بيانه (انظر: التمثيل، لبكر أبو زيد).
إذا علمنا أن التمثيل منقطع الصلة بتاريخ المسلمين في خير القرون، وأن وفادته إليهم كانت طارئة في فترات، وأنه في القرن الرابع عشر الهجري استقبلته دور اللهو وردهات المسارح، ثم تسلل من معابد النصارى إلى فريق التمثيل الديني في المدارس، وبعض الجماعات الإسلامية. فلنعلم أن قواعد الشريعة وأصولها، وترقيها بأهلها إلى مدارج الشرف والكمال تقضي برفضه، ورده من حيث أتى. ولهذا فما نراه في بعض المدارس والجامعات من فرق للتمثيل الديني، فإن في حقيقته التمثيل البدعي لما علمت من أصله، وحدوثه لدى المسلمين خارجا عن دائرة المنصوص عليه بدليل شرعي، وأنه من سبيل التعبد لدى أهل الأوثان من اليونان ومبتدعة النصارى، فلا أصل له في الإسلام بإطلاق، فهو إذًا محدث، وكل أمر محدث في الدين فهو بدعة، تضاهي الشريعة، فصدق عليه حسب أصول الشرع المطهر اسم التمثيل البدعي.
وإن هذا النوع من التمثيل الديني إنما وجد في أمم الكفر، لأنهم خواء ليس لهم شرع قائم يرجعون إليه، أما أهل الإسلام فلديهم الشرع المعصوم من التبديل (الكتاب، والسنة) فهم في غناء عن هذه الواردات، قال الله تعالى: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} [الفرقان: 33].
ثم إنه يحصل العدول عن هدي الكتاب والسنة إلى أمثال هذه الوفادات، إذا ضعف أهل الإسلام عن تحمل العلم الشرعي، وأعياهم تحمله، والفقه فيه، فيذهب بهم العجز والخواء كل مذهب، وحينئذ تصادف هذه الواردات قلبا خاليا من نور العلم الشرعي الموروث عن النبي ﷺ فيتشرب هذه المحدثات.
وقد بلغ الحال بالمسلمين من التمثيل لعظماء الإسلام على خشبات المسارح، من رجال القرون المتأخرة إلى القرون المفضلة، إلى أنبياء الله ورسله، إلى عوالم الغيب.
وقد ثبت بالمشاهدة في معقل من معاقل العلم الشرعي، قيام تمثيلية دينية – زعموا – يمثل فيها مسلم دور مشرك بالله، فيسجد لشجرة من دون الله.. لبيان فضل التوحيد.. وهكذا كما هو معلوم ومشاهد.
وإن نشر الفضائل، وإظهار عظمة الإسلام، تلتقي فيها الوسائل مع الغايات، بوقفها على منهاج النبوة، وهذا منابذ لها، أجنبي عنها.
كما أن التمثيل في باب العادات تشبه بأعداء الله الكافرين، وقد نهينا عن التشبه بهم. إذ لم يعرف إلا عن طريقهم، والنهي عن التشبه بهم أمر بمخالفتهم، وقد نهى الله سبحانه عن الخوض فيما يخوضون فيه، فقال تعالى: { كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولـئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون} [التوبة: 69].
والله تعالى قال لنبيه: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} [الأنعام: 59]. فقوله سبحانه: {لست منهم في شيء} يقتضي البراءة منهم في جميع الأشياء. والمتابعة في بعض الأشياء يكون التابع له من المتبوع في ذلك الشيء.
وإذا كان الله قد برأ نبيه ﷺ من جميع أمورهم، فمن كان متبعا لنبيه ﷺ حقيقة كان متبرئا منهم كتبرؤه ﷺ منهم، ومن كان موافقا لهم كان مخالفا لرسول الله بقدر موافقته لهم .

ثانيا: لا يخلو التمثيل أن يكون أسطورة متخيلة، فهذا كذب، والنفوس واجب ترويضها على الصدق ومنابذة الكذب، والأساطير المختلقة المكذوبة تشرب النفوس الكذب وعدم التحرز منه.
أو أن يكون التمثيل حقيقة بتمثيل معين، فهذا محاكاة، والمحاكاة في الأصل منهي عنها. كما في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «ما أحب أني حكيت إنسانا، وأن لي كذا وكذا»[أحمد وأبو داود والترمذي].
قوله: (حكيت إنسانا) أي: قلدته في حركاته وأقواله، فهي غيـبة فعلية، وهي كالغيبـة القولية في التحريم سواء. قال النووي رحمه الله: (ومن ذلك – أي الغيـبة – المحاكاة، بأن يمشي متعارجا، أو مطأطئا، أو غير ذلك من الهيئات، مريدا حكاية من يتنقصه بذلك. فكل ذلك حرام بلا خلاف) [الأذكار، للنووي].
فظهر أن المحاكاة مبغضة في الإسلام، والمحاكاة فيها إيذاء في جميع الأحوال، إذ إن الطباع تنفـر من مشاهدة من يحاكيها حتى في مواطن المحمدة. وكم في هذا من هضم وإيذاء. وإن عشاق اللهو من العظماء والمترفين لا يمكن التجاسر بمحاكاتهم على ملأ من الناس، ولو في مواطن الشجاعة والكرم، فكيف تهدم حرمات ناس مضوا، وبقي علينا واجب النصرة لهم بالإسلام، فلننتصـر لحفظ حرمتهم، والإبقاء على كرامتهم، و«كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» [متفق عليه]، فكيف إذا كان فيه مواقف من الإيذاء والسخرية والاغتياب، والكذب عليه بقول وما قال، وفعل وما فعل؟
وإن السؤال ليرد على من يعتني بها، وعلى من يستخرجها، ويتلذذ بتمثيل غيره معينا، هل يرضى أن يمثـل في مشاهدته، وهو يتحدث مع زوجته، أو قائم في صلاته، أو في حال تلبسه بخطيئة، أو في أي دور من أدوار حياته؟!
وقد ذكر عن الشاعر دعبل الخزاعي (ت 250هـ) قوله: (وما غلبني إلا مخنـث، قلت له: والله لأهجونك، قال: والله لئـن هجوتني لأخرجن أمك في الخيال) [الديارات، للشايشتي].
فانظر كيف كان وسيلة للنكاية والسخرية والتشفي من أي شخص يراد الانتقام منه. فهو بالجملة يحوي مجموعة مفاتيح سوء توصل إلى مقصد يراد منها.
فيا لله كم في هذا من وثبات على حرمات أناس مضوا، وكم فيه من جراءة على حرمتهم، وإسقاط لها، وتوهين لمكانتها، والله المستعان.

ثالثا: المروءة من مقاصد الشرع، وخوارمها من مسقطات الشهادة قضاء، والشرع يأمر بمعالي الأخلاق، وينهي عن سفـاسفهـا. فكـم رأى الراؤون الممثل يفعل بنفسه الأفاعيل، في أي عضو من أعضائه، وفي حركاته، وصوته، واختلاج أعضائه، بل يمثل دور مجنون، أو معتوه، أو أبله، وهكذا.
وقد نص الفقهاء في باب الشهادة على سقوط شهادة المضحك والساخر والمستهزئ وكثير الدعابة. وهذا منتشر في كلام الفقهاء من المذاهب الأربعة وغيرهم.
وعليه فلا يمتري عاقل، أن التمثيل من أولى خوارم المروءة، ولذا فهو من مسقطات الشهادة قضاء، وما كان كذلك، فإن الشرع لا يـقره في جملته.
ومن المسلمات أن التمثيل لا يحترفه أهل المروءات، ولا من له صفة تذكر في العقل والدين.

رابعا: الإسلام ينشد لأهله الترقي في مدارج الشرف، والابتعاد بهم عن إيجاد طبقة ساذجة، دأبها اللهو، والتفاهة، ونشر هذا التدني في الأمة.
والتمثيل لا يمكن أن نرى في الإسلام عظيما في خلقه، ودينه، وشرفه، وكرامة أصله يعتمله، ما لم يكن في مقوماته الأصلية أو المكتسبة اختلال.
والإسلام لما أبيح فيه المزاح، والضحك، واللهو، أبيح في قوالب معينة، وحف بضوابط. أما مطلقا فلا.
والتمثيل لا يكون في حبائله إلا نوع من نزع الحياء منه، والحياء من الإيمان، ولا إيمان لمن لا حياء له. وفي الحديث: «إذا لم تستح، فاصنـع ما شئت» [البخاري].
وقد سمي المزاح مزاحا، لأنه مزيح عن الحق، ومزيـح للهيبة عن معتمله. والمزاح المشروع كان يأتي عرضا، وليس حرفة تستهلك الحياة، وأنه محفوف بضوابطه الشرعية، من الصدق، وعدم الاعتداء على عرض وغيره، أو الكذب، أو الغيبة، وهكذا. وبهذا تجتمع النصوص الواردة في مدحة وذمه.

خامسا: الوقت عصب الحياة، يـنفق في تحصيل ما يعود بالفائدة من دين أو دنيا، كمال يـكسب من حله، ويـبذل في غير إسراف ولا مخيلة.
والتمثيل في مسلسلاته ومسرحياته التي تستغرق الساعات الطوال، عدو كاسر على وقت المسلم، وامتصاص للأموال، ولا سيما وقد صار حرفة، بل فنا له رواده ومدارسه ومسارحه.. فكم بذل فيها من جهود، وكم أنفق فيها من مال، والنتيجة هراء في هراء، ورعونات يأنف من مشاهدتها الفضلاء.
وأما التمثيل الديني على حد تعبيرهم الفاسد، فكم فيه من ثـقـل في العرض وسماجة في الأداء. ولهذا فمن المشهور أن أكثر الخلق يعرضون عنها إلى مجالس لغو أخرى، ولا لوم، إذ يسمعون الممثل يقول بصوته التقليدي على خط وهمي (أنا القاضي شريح)، ويرون ماجنا يقول (أنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب)، نعوذ بالله من عقول لا تستهجن ذلك.
وبعض إحصائيات دول الغرب الكافرة في أقل الناس، ومتوسطهم، وأكثرهم مشاهدة للتلفاز أسبوعيا، وجدت أن أكثرهم مشاهدة من شخص أو أسرة في الأسبوع بمعدل ساعتين لبرامج معينة، أما لبني جلدتنا فقد استغرقوا في مشاهدته، أبصار شاخصة وألباب فارغة، تستلهم جميع برامجه فتمتص من دينه ومقومات حياته بقدر ما يبث فيها، ويستلهمه هذا المسكين، فالله المستعان.

سادسا: التمثيل، لا ينفك عن “الكذب” بحال، في الفعال والأقوال، بل كم من يمين غموس، وزواج، وطلاق.. وكله اختلاق.
والكذب أدوى الأدواء، ويطبع المؤمن على كل شيء خلا الخيانة والكذب.
ووجه عدم انفكاكه عن الكذب على ما يلي: إن كان أسطورة، فهذا من أساسه اختلاق، وبئس المطيـة لتوجيه الأمة وترفيهها بما هو كذب عليها، وملاعبة لعقولها. وإن كان يمثل معينا كصلاح الدين الأيوبي، وغيره من العظماء من قبل ومن بعد، فإنهم سيقولون (قال) وما قال، و(فعل) وما فعل، وهكذا في حركات وتصرفات هي محض افتراء، وتقـول عليه.
وإذا حرم الله شيئا مثل الكذب، حرم ما بني عليه، وأوصل إليه، والتمثيل سبيل إليه، فيحوي من الكذب ما تراه، فالله المستعان.

سابعا: التمثيل بنوعيـه: الديني والترفيهي، ردة فعل لدى المنهزمين من المسلمين، لمحاكاة ما لدى الأمم الكافرة من أساطير و”إلياذات” وهمية منسوجة يهرع إليها الناس.
فلدى اليونان: “إلياذة هوميروس” وهي مطبوعة في مجلدين.
ولديهم “التراجيديا اليونانية” التي اختلقها “أيسكولوس” ولدى الرومان أساطيرهم ونسجهم.
ثم يأتي المنهزمون من المسلمين فيلتقطوا من موائد هؤلاء ومن غيرهم، فيهيمون في التمثيل الترفيهي إلى حد بلغ القضاء المبرم على سمة المسلم، ووقته، وقواه، وتفكيره.
وعندئذ يأتي اختلاق “ألف ليلة وليلة” و”سيرة عنترة” و”البطال” و”السيد البطل”
وعلى غرارها في العصر الحاضر: الإستدلال من سيرة الأبطال، ومضاعفتها بالكذب والأوهام، كما في قصة “وضاح” و”عبيد بن الأبرش”، وغيرهما من أحاديث العرب وأخبارها في جاهلية وإسلام.
وفي التمثيل الديني يأتي التسلق إلى تمثيل أنبياء الله ورسله، والصحابة من المهاجرين والأنصار، وإلى عظماء الإسلام كافـة.
وكان من أبشع ما رأى الراؤون ما عمله طه حسين في كتابه “على هامش السيرة”، فهو ليس في حقيقتها، ولكن على هامشها بالاختلاق للتسلية.
إنها محاكاة دينية لإلياذة اليونان، وأساطير الرومان.
فجعل هذا العابث سيرة النبي ﷺ مسرحا للأساطير والكذب، وإدخال الباطل، وسل الصحيح. واختراع ما يسيئ إلى النبي ﷺ وإلى جميع المسلمين.
فانظر إلى هذا العنوان الأثيم “على هامش السيرة”، وإلى ما احتوته من الاختلاق العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.

ثامنا: ولما نشأت ظاهرة “القصص الكاذب” في عهد أمير المؤمنين عمـر رضي الله عنه بغـية الوعظ والتذكير، منع ذلك عمـر رضي الله عنه وشدد النكير على القصاص والمذكرين.
وقد توالت كلمة العلماء على إنكار ذلك، وأنه دجل وتلاعب بالعقول، وكذب مختلق لا يجوز، وتشويه لصورة الإسلام وشيوع للموضوعات والمختلقات.
وإنه وإن ظهر بمظهر الوعظ وإيقاظ النفوس، فهو مرض شهوة حب المال، والجاه، والظهور.
وقد أغنانا الله بقرآن يـتلى، فيه أنواع القصص والعبر، بل فيه أحسن القصص.
وقد ألف العلماء في الإنكار عليهم – أي الوضاعين – تآليف مفردة لشدة خطرهم، وعظيم ضررهم.
واليوم: يعود الكذب بمسلاخ آخر (التمثيل)، فبالأمس “الحديث الموضوع” واليوم “التمثيل المكذوب” كلا أو بعضا، وجعله قربة يحبب الإسلام إلى النفوس؟!

تاسعا: التمثيل “محاكاة)”، والمحاكاة خاصية “القردة” من الحيوانات، والمسلم منهي عن التشبه بالحيوانات، والله تعالى يقول: {ولقد كرمنا بني آدم} [الإسراء: 70]. قال الحافظ ابن حجر: (ومن خصاله – أي القرد -: أنه يضحك، ويطرب، ويحكي ما رآه) [فتح الباري، لابن حجر].

عاشرا: أجمع القائلون بالجواز المقيد على تحريمه في حق أنبياء الله ورسله عليهم والصلاة والسلام وعلى تحريمه في حق أمهات المؤمنين زوجات النبي ﷺ وولده عليهم السلام وفي حق الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم؛ فنسأل المجيز مقيدا والرسول قد قال: «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» [متفق عليه] وهو الذي حرم المحاكاة، وحرم الكذب، فلماذا نهدر هذه الحرمات في حق بقية سلف هذه الأمة وصالحها، وفيهم العشرة المبشرون بالجنة، وأعمام النبي ﷺ، ولحمة قريش وسداها ممن أسلموا هم عشيرته وقراباته، والنبي قد اوصى بعترته أهل بيته، وهكذا في كوكبة الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

حادي عشر: إن التمثيل الديني (البدعي) لا يظن قائل يفتي بمزاولته في بيت من بيوت الله، كصحن المسجد الحرام، وأروقة المسجد النبوي الشريف، وهكذا في سائر المساجد. وهذه حلق التدريس والوعظ تعقد في المساجد كابرا عن كابر إلى يومنا هذا، والتمثيل في نظر المجيز “درس هادف” ومستحب ومرغوب فيه، فهل يقول عاقل سليم الفطرة بعقدها في رحاب المساجد؟
اللهم لا، وإن فطرة المسلمين تأبى هذا، ولا عبرة بمن مالت به الأهواء فتردى.

أما من جهة موضوعه وما يفضي إليه، فإن قاعدة الشريعة: أن الشيء إذا كان في أصله مباح ثم احتوى على محرم أو أفضى إليه أنه يكون حراما.
وهكذا التمثيل، إذا قيل أنه في الأصل يلتحق باللهو المباح ثم خالطه محرم أو أفضى إليه، فإنه يكون حراما: أداء، وعرضا، ومشاهدة، طردا لقاعدة الشريعة المذكورة.
ومن هذه الفعلات المحرمة، والأقوال المنكرة، والنتائج المؤلمة، التي قد يشتمل التمثيل على واحدة منها فأكثر ما يلي:

  1. أن يحوي القيام بفعل أو قول عن الله سبحانه وتعالى وتقدس عن أن يشبهه شيء.
  2. أن يكون فيه القيام بدور عن أحد من أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام.
  3. أو عن أحد من صحابة رسول الله من الخلفاء الراشدين وزوجاته أمهات المؤمنين رضي الله عن الجميع.
  4. أو عن معيـن من المسلمين حي أو ميـت.
  5. أو مسلم يقوم بدور شيطان، أو كافر بالله تعالى.
  6. أو عكسه من كافر يقوم بدور مسلم.
  7. أو مسلم عن حيوان.
  8. أو رجل يمثل امرأة أو عكسه.
  9. أو محاكاة معـين على سبيل الإضحاك، أو السخرية، أو الإيذاء، أو محاكاة مجـردة.
  10. أو تبني غير الرشدة.
  11. أو يكون التمثيل مركبا من رجال ونساء، وما وراء ذلك من خلوة، واختلاط، ومصافحة، وسفر بلا محرم.
  12. عرض دور ولدان شباب مرد حسان.
  13. كشف عورة مغلظة او غير مغلظة من رجل، أو امرأة.
  14. اشتماله على المعازف، والغناء المحرم، والرقص من نساء ورجال.
  15. اشتماله على التصوير المحرم.
  16. التزيي بزي يسخر منه، كاللحى المصطنعة ووصل الشعر.
  17. القيام بأفعال فيها رعونة، وسخرية، وخرم مروءة.
  18. اشتماله على قول محرم من السباب، والشتم، واللغو، والقذف، والغزل.
  19. احتواؤه على الكذب، والاختلاق، أو في فرع منها مثل دعوى الزواج، والهزل بالطلاق.
  20. قيامه على اختلاق أسطورة مكذوبة في مشوار طويل من الكذب والوهم.
  21. اشتماله على تعظيم شعائر الكفر كالمعابد الكنسية والوثنية، وبيوت النار.
  22. اشتماله على مواقف الشعوذة، والدجل، كالوقوع في النار وتحت الأثقال.
  23. نشر أخلاق وعادات الكافرين، والمبتدعة، والفاسقين.
  24. الخوض، واللعب، والاستهزاء، وأي من الهزل في أي من أحكام دين الله وشرعه.
  25. اشتماله على أي ناقض للعبادة من الخوف، والرجاء، والحب، والبغض، والولاء، والبراء.
  26. تمثيل قصص وحكايات عن أشخاص لا تصح عنهم، فهي قلب لحقائق التاريخ وتشويه له.
  27. إفضاؤه إلى نشر رذيلة، أو إشاعة فساد ومنكر.
  28. نشر الرعب، والخوف، والقنوط، واليأس.
  29. إلحاق الأذى بالشخص الممثل عينا، في لباس، أو نطق، أو شعور مصطنعة، أو هيئة معينة، مثل العلماء، والزهاد، والفرسان.
  30. إثارة الشبهات والشهوات

وهكذا في عدد من هتك الحرمات، وما يفضي إليه من المحرمات. وبه يظهر: أن التمثيل قد يجمع أسباب التحريم الثلاثة: لذاته، ولموضوعه، ولما يفضي إليه. وأنه لا تنفك الحرمة عنه، إن حالا أو مآلا.

وفي المقالة التالية، نعرض إن شاء الله تعالى لمذهب المبيحين، وخلاصة ما يتبين في الجمع بين الأقوال. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.


(*) مارون النقاش (1817-1855) هو تاجر بيروتي لبناني كان من الداعمين لفكرة المسرح العربي. قضى سنوات عدة في إيطاليا حيث اكتشف هذا الفن الجديد وشغف به. فلما عاد إلى لبنان ترجم بالتصرف مسرحية موليير الشهيرة L’Avare تحت عنوان “البخيل” سنة 1848، فعرضت المسرحية على خشبة أقامها بمنزله. وكان الممثلون رجالا من أهله (لم تبدأ النساء في التمثيل إلا في وقت لاحق). وحقق بهذه المبادرة بعض النجاح وسمحت له السلطات العثمانية ببناء قاعة مسرح حقيقية. وسنة 1850، أخرج مسرحيته الثانية “أبو الحسن المغفل وهارون الرشيد” واستلهم موضوعها من ألف ليلة وليلة. غير أن النقاش تعرض لاعتراضات المحافظين ورجال الدين وانتابته الشكوك والإحساس بالذنب فحول مسرحه إلى كنيسة قبيل موته وهو في الثامنة والثلاثين.

العقود المباحة وحدها لا يقوم بها إلا دين ضعيف

العقود التي فيها نوع معاوضة – وهي غالب معاملات بني آدم التي لا يقومون إلا بها – سواء كانت مالا بمال كالبيع، أو كانت منفعة بمال كالإجارة والجعالة وقد يدخل في المسألة الإمارة والتجنيد ونحو ذلك من الولايات، أو كانت منفعة بمنفعة كالتعاون والتناصر ونحو ذلك تنقسم أربعة أقسام:

فإنها إما أن تكون مباحة من الجانبين، كالبيع والإجارة والتعاون على البر والتقوى.

وإما أن تكون حراما من الجهتين، كبيع الخمر بالخنزير والاستئجار على الزنا بالخمر وعلى شهادة الزور بشهادة الزور كما كان بعض الحكام يقول عن طائفة من الرؤساء: يتقارضون شهادة الزور وشبهه بمبادلة القروض.

وإما أن يكون مباحا من إحدى الجهتين حراما من الأخرى، وهذا القسم ينبغي لأهل الإسلام أن يعلموه؛ فإن الدين والدنيا لا تقوم إلا به.

وأما القسم الأول وحده فلا يقوم به إلا دين ضعيف.

وأما الثالث [كذا، والظاهر الثاني] فتقوم به الدنيا الفاجرة والدين المبتدع.

وأما الدين المشروع والدنيا السالمة فلا تقوم إلا بالثالث؛ مثل إعطاء المؤلفة قلوبهم لجلب منفعتهم أو دفع مضرتهم، ورشوة الولاة لدفع الظلم أو تخليص الحق لا لمنع الحق، وإعطاء من يتقى شر لسانه أو يده من شاعر أو ظالم أو قاطع طريق أو غير ذلك، وإعطاء من يستعان به على البر والتقوى من أعوان وأنصار وولاة وغير ذلك.

وأصله في الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين أن الله جعل للمؤلفة قلوبهم حقا في الصدقات التي حصر مصارفها في كتابه وتولى قسمها بنفسه، وكان هذا تنبيها على أنهم يعطون من المصالح – ومن الفيء على القول الصحيح – التي هي أوسع مصرفا من الزكاة؛ فإن كل من جاز أن يعطى من الصدقة أعطي من المصالح ولا ينعكس… ولهذا أعطاهم النبي صلى الله عليه وسلم من الفيء والمغانم كما فعله بالذهيبة التي بعث بها علي من اليمن. وكما فعل في مغانم حنين حيث قسمها بين رؤساء قريش وأهل نجد وقال: “إني لأعطي رجالا وأدع من هو أحب إلي منهم؛ أعطي رجالا لما في قلوبهم من الهلع والجزع وأكل رجالا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير”. وقال: “إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا” قالوا: يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: “يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل”. وقال: “والذي نفسي بيده ما من رجل يسألني المسألة فتخرج له المسألة ما لم نكن نريد أن نعطيه إياه فيبارك له فيه” أو كلاما هذا معناه.

وهذا القسم يشتمل على الأقسام الثلاثة:

أما المال بالأعيان فمنه افتكاك الأسرى والأحرار من أيدي الكفار والغاصبين؛ فإن المسلم الحر قد يستولي عليه الكفار وقد يستولي عليه الفجار إما باستعباده ظلما أو بعتقه وجحود عتقه، وإما باستعماله بغير اختياره ولا إذن الشارع مثل من يسخر الصناع كالخياطين والفلاحين بغير حق، وإما بحبسه ظلما وعدوانا. فكل آدمي قهر آدميا بغير حق ومنعه عن التصرف فالقاهر يشبه الآسر والمقهور يشبه الأسير. وكذلك القهر بحق أسير. قال النبي صلى الله عليه وسلم للغريم الذي لزم غريمه: “ما فعل أسيرك؟“.
وإذا كان الاستيلاء على الأموال إذا لم يكن بحق فهو غصب وإن دخل في ذلك الخيانة والسرقة فكذلك الاستيلاء على النفوس بغير حق أسر. وإن دخل فيه استيلاء الظلمة من أهل القبلة. وكذلك افتكاك الأنفس الرقيقة من يد من يتعدى عليها ويظلمها فإن الرق المشروع له حد فالزيادة عليه عدوان. ويدخل في ذلك افتكاك الزوجة من يد الزوج الظالم، فإن النكاح رق كما دل عليه الكتاب والسنة، قال الله تعالى: {وألفيا سيدها لدى الباب}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في النساء: “إنهن عندكم عوان” . وقال عمر: النكاح رق فلينظر أحدكم عند من يرق كريمته. وكذلك افتكاك الغلام والجارية من يد الظالم كالذي يمنعه الواجب ويفعل معه المحرم. ومنه افتكاك الأموال من أيدي الغاصبين لها ظلما أو تأويلا كالمال المغصوب والمسروق وغيرهما إذا دفع للظالم شيء حتى يرده على صاحبه. وسواء كان الدفع في كلا القسمين دفعا للقاهر حتى لا يقهر ولا يستولي كما يهادن أهل الحرب عند الضرورة بمال يدفع إليهم أو استنقاذا من القاهر بعد القهر والاستيلاء.

مجموع الفتاوى | ج٢٩ ص١٨١-١٨٤


إن بعض العقود أو المعاوضات تكون جائزة في حق طرف محرمة على الطرف الآخر، فهذه ينبغي الاعتناء بها ويكون فيها الكثير من المصالح للدنيا والدين، وجماعها دفع الظلم عن المظلوم ببذل شيء للظالم.

ما يحتاجه الناس في معاشهم

إن الذين لا يحتالون أو يحتالون وقد ظهر لهم فساد هذه الحيلة هم بين أمرين: إما أن يفعلوا ذلك للحاجة ويعتقدوا أنهم فاعلون للمحرم كما رأينا عليه أكثر الناس. وإما أن يتركوا ذلك ويتركوا تناول الثمار الداخلة في هذه المعاملة فيدخل عليهم من الضرر والاضطرار ما لا يعلمه إلا الله. وإن أمكن أن يلتزم ذلك واحد أو اثنان فما يمكن المسلمين التزام ذلك إلا بفساد الأموال التي لا تأتي به شريعة قط فضلا عن شريعة قال الله فيها: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} وقال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقال تعالى: {يريد الله أن يخفف عنكم} وفي الصحيحين ” {إنما بعثتم ميسرين} ” {يسروا ولا تعسروا} ” {ليعلم اليهود أن في ديننا سعة}”.

فكل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج، وهو منتف شرعا. والغرض من هذا: أن تحريم مثل هذا مما لا يمكن الأمة التزامه قط؛ لما فيه من الفساد الذي لا يطاق. فعلم أنه ليس بحرام؛ بل هو أشد من الأغلال والآصار التي كانت على بني إسرائيل ووضعها الله عنا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. ومن استقرأ الشريعة في مواردها ومصادرها وجدها مبنية على قوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} وقوله: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} فكل ما احتاج الناس إليه في معاشهم ولم يكن سببه معصية – هي ترك واجب أو فعل محرم – لم يحرم عليهم؛ لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغ ولا عاد. وإن كان سببه معصية كالمسافر سفر معصية اضطر فيه إلى الميتة والمنفق للمال في المعاصي حتى لزمته الديون، فإنه يؤمر بالتوبة ويباح له ما يزيل ضرورته، فتباح له الميتة ويقضى عنه دينه من الزكاة، وإن لم يتب فهو الظالم لنفسه المحتال وحاله كحال الذين قال الله فيهم: {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} وقوله {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم} الآية. وهذه قاعدة عظيمة.

مجموع الفتاوى | ج٤ ص ٤٣-٤٥


إن ما قرره بعض الفقهاء في كتبهم وفتاواهم من بعض الأحكام التي يحصل للناس بسبب التزامها مشقة عظيمة، كمن يقول مثلا بحرمة دخول أسواق المسلمين لأن فيها بعض المنكرات، أو حرمة ذهاب المرأة إلى الطبيب لما قد تتعرض له من كشف العورة؛ فإن هذه الأقوال منافية للشريعة الإسلامية السمحة، وكل ما احتاج إليه الناس من ضرورات وحاجيات معيشتهم فإنه لا يمكن تحريمه.