إن الذين لا يحتالون أو يحتالون وقد ظهر لهم فساد هذه الحيلة هم بين أمرين: إما أن يفعلوا ذلك للحاجة ويعتقدوا أنهم فاعلون للمحرم كما رأينا عليه أكثر الناس. وإما أن يتركوا ذلك ويتركوا تناول الثمار الداخلة في هذه المعاملة فيدخل عليهم من الضرر والاضطرار ما لا يعلمه إلا الله. وإن أمكن أن يلتزم ذلك واحد أو اثنان فما يمكن المسلمين التزام ذلك إلا بفساد الأموال التي لا تأتي به شريعة قط فضلا عن شريعة قال الله فيها: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} وقال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقال تعالى: {يريد الله أن يخفف عنكم} وفي الصحيحين ” {إنما بعثتم ميسرين} ” {يسروا ولا تعسروا} ” {ليعلم اليهود أن في ديننا سعة}”.
فكل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج، وهو منتف شرعا. والغرض من هذا: أن تحريم مثل هذا مما لا يمكن الأمة التزامه قط؛ لما فيه من الفساد الذي لا يطاق. فعلم أنه ليس بحرام؛ بل هو أشد من الأغلال والآصار التي كانت على بني إسرائيل ووضعها الله عنا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. ومن استقرأ الشريعة في مواردها ومصادرها وجدها مبنية على قوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} وقوله: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} فكل ما احتاج الناس إليه في معاشهم ولم يكن سببه معصية – هي ترك واجب أو فعل محرم – لم يحرم عليهم؛ لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغ ولا عاد. وإن كان سببه معصية كالمسافر سفر معصية اضطر فيه إلى الميتة والمنفق للمال في المعاصي حتى لزمته الديون، فإنه يؤمر بالتوبة ويباح له ما يزيل ضرورته، فتباح له الميتة ويقضى عنه دينه من الزكاة، وإن لم يتب فهو الظالم لنفسه المحتال وحاله كحال الذين قال الله فيهم: {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} وقوله {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم} الآية. وهذه قاعدة عظيمة.
مجموع الفتاوى | ج٤ ص ٤٣-٤٥
إن ما قرره بعض الفقهاء في كتبهم وفتاواهم من بعض الأحكام التي يحصل للناس بسبب التزامها مشقة عظيمة، كمن يقول مثلا بحرمة دخول أسواق المسلمين لأن فيها بعض المنكرات، أو حرمة ذهاب المرأة إلى الطبيب لما قد تتعرض له من كشف العورة؛ فإن هذه الأقوال منافية للشريعة الإسلامية السمحة، وكل ما احتاج إليه الناس من ضرورات وحاجيات معيشتهم فإنه لا يمكن تحريمه.