وظيفة السالك – عمل اليوم والليلة

الحمد لله والصلاة والسلام على نبيه وآله وأصحابه وسلم، أما بعد:
فبالرغم من كثرة المؤلفات في باب الأذكار، وإسهامات علمائنا الأفاضل من المتقدمين والمتأخرين في هذا الباب، إلا أن هذا الموضوع بحاجة إلى مزيد عناية، وهي عناية تنشأ من وعي المسلم بالجانب العلمي في موضوع الأذكار، ثم يتبع هذا الوعي عمل على أساس منهجي مستديم.
ويرجع الاعوجاج في التزام الأوراد والأذكار إلى أحد أمرين: إما جنوح إلى مجرد العلم بها على حساب العمل؛ فيقتني الغالب “حصن المسلم” أو “الدعاء المستجاب” أو “الوابل الصيب” أو غيرها من كتب الأذكار، وربما يقرأ فيها، وربما يحفظ بعضها، ولكنه يعجز عن الالتزام والمداومة على هذا الكم من الأذكار، فتؤول به الحيرة إلى ترك الأمر جملة. وهناك طرف آخر يجنح إلى العمل على حساب العلم؛ فيجتهد في أوراد يبتدع محتواها وأعدادها، تروق لها نفسه أو يتابع فيها شيخه، وليس لذلك أصل في كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ.
والقصد هو في الجمع بين العلم والعمل، كما يقول سعيد حوى رحمه الله في كتابه تربيتنا الروحية: “تجد إنسانا يحفظ الكثير عن صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه بعيد عن الاقتداء به، وتجد إنسانا لا يعرف إلا القليل ولكنه حريص على الاقتداء. تجد إنسانا قد أخذ حظه من وراثة النبوة في صفاتها الضرورية كالأمانة والتبليغ والصدق والفطانة، وتجد إنسانا يتكلم في مثل هذا وهو أبعد الناس عن ذلك. فمجرد العلم شيء، والسير للتحقق في طريق ذلك شيء آخر”. إنها ليست دعوة للتقليل من شأن العلم، بقدر ما هي دعوة للتوازن بين العلم – وإن قل – وبين العمل به.
وهنا يتميز المتابع للسنة على بصيرة من غيره؛ فهو يعلم أن المنطلق لا بد أن يكون من أساس علمي صحيح، ثم هو بحاجة إلى إرادة مع تدرج حتى يُتبع العلمَ العمل. ويظل هذا العمل ينمو ليصير عادة مستديمة تثمر الخير ظاهرا وباطنا. وهذا ما انتهجته هذه الاختيارات من الذكر والعمل كوظيفة للسالك على درب ربه. إنه منهج الجمع بين القصد والمداومة، تطبيقا لما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: سئل النبي ﷺ: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: “أدومها وإن قل”. وقال ﷺ: “اكلفوا من الأعمال ما تطيقون”. فانظر -رحمك الله – إلى دقة سؤال الصحابة رضي الله عنهم عن أكثر شيء يحبه الله من الأعمال، والعجب من أن الوحي النبوي لم يحدد هنا عملا بعينه، بل حدد وصفين للعمل الصالح إن تحلى بهما المؤمن انتقل العمل إلى المنزلة القصوى من محبة الله تعالى؛ إنهما الوصفان اللذان جمعا القصد والمداومة؛ فليست العبرة إذن بأعظم الأعمال أجرا إن لم يداوم عليها المرء.
إن طرائق التعليم المعروفة تتدرج في الارتقاء من مرحلة إلى ما يليها وفقا لما يناسب الفئة العمرية من معارف وغيرها. فليس الغرض هو حشو الأذهان بالمعلومات ولكنه الاستيعاب والتشبع وتحميل العقول ما تطيقه من مكتسبات تؤدي إلى ما بعدها. يقول المقدسي في كتابه مختصر منهاج القاصدين: “والنفس متى وقفت على فن واحد حصل لها ملل، فمن التلطف نقلها من فن إلى فن، وقد قال الله تعالى: {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا * ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا} [الإنسان: 25 – 26]، فهذا ونحوه مما ذكر من الآيات في ذلك يدل على أن الطريق إلى الله تعالى مراقبة الأوقات وعمارتها بالأوراد على الدوام”.
إن المغزى من “وظيفة السالك” هو توطين النفس على إتيان اليسير النافع الدائم من عمل اليوم والليلة كاملا وعلى الدوام، أي كل ورد في كل وقت؛ فلا يحصل التفريط في أحد الأوراد ولا في بعض الأوقات. ولو تأملنا في علاقة “المريد” “بالشيخ” لوجدنا هذه السمة، أعني الالتزام بالأوراد والأعمال التي يضربها الشيخ كاملة تامة بلا نقصان. وهذا هو الفارق بين المواظبة وبين العمل الذي يأتي منه العامل ويدع بحسب الظروف والأحوال.
فلأجل ما بينا كانت هذه الاختيارات طمعا في المداومة اتباعا للمنهج النبوي في بلوغ أحب الأعمال إلى الله. فاجتهدنا لأن ننتقي للسالك باقة مختارة من الأوراد والأذكار التي هي في أعلى درجات الصحة ولا خلاف إن شاء الله في التزامها على الدوام. والهدف منها ليس الحصر ولا المقابلة، ولكنه الالتزام والمداومة من خلال إصابة صحيح السنة بأنجع أدوية القلوب، مع تأخير بعض الأوراد المشابهة التي تقوم الوظيفة مقامها. وقد تضمنت وظيفة السالك المختارة جملة من الأعمال المفروضة والمندوبة وهي: الصلاة على وقتها، وصلاة الليل، وحزب القرآن، والسنن الرواتب، وبعض المختارات من صحيح الأذكار، والإنفاق في سبيل الله.
وقد صممت هذه الوظيفة اليومية للسالك على نحو جديد يتألف من عمودين؛ الأول للورد المختار، والثاني أدلة الكتاب وصحيح السنة لا سيما الصحيحين، كل ذلك تحت شعار من قول الله تعالى: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون} [العنكبوت: 45]، فلعلها الآية الأجمع للوظائف المقصودة.
ولا يتعقبن سائل السبب من وراء اختيار بعينه في الوظيفة وترك آخر، أو اختيار قدر يسير على العظيم المبثوث في السنة، فإنه يجاب عنه – إضافة إلى ما سبق – بالكثير من الأحاديث: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “إن الدين يسر، ولن يشاد الدين إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة” [رواه البخاري]، وفي رواية: “القصد القصد تبلغوا”. وعن أنس رضي الله عنه قال: دخل النبي ﷺ المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: “ما هذا الحبل؟” قالوا: هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلقت به، فقال النبي: “حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد” [متفق عليه]. فهي دعوة ألا تستقل – أخي الكريم – هذه القطوف المنتقاة.
ويعزز ذلك ما رواه عمرو بن العاص رضي الله عنهما: “أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كنته فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشا، ولم يفتش لنا كنفا منذ أتيناه. فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي ﷺ فقال: “القني به”، فلقيته بعد، فقال: “كيف تصوم؟”، قال: كل يوم، قال: “وكيف تختم؟”، قال: “كل ليلة”، قال: “صم في كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كل شهر”، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: صم ثلاثة أيام في الجمعة”، قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: “أفطر يومين وصم يوما”، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: “صم أفضل الصوم صوم داود، صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرة”، فليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ، وذاك أني كبرت وضعفت، فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار، والذي يقرؤه يعرضه من النهار، ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياما، وأحصى، وصام مثلهن؛ كراهية أن يترك شيئا فارق النبي ﷺ عليه” [رواه البخاري].
ومما تجدر الإشارة إليه عدم تعميم هذه الوظيفة إلا لمن يغلب الظن بأنه يواظب عليها قدرا من الزمان، فهكذا كان سلفنا الصالح يفعلون، تطبيقا لمنهجية إتباع العلم العمل. يقول الغزالي في إحياء علوم الدين: “ولهذا الخطر العظيم والخطب الهائل شمر الموفقون عن ساق الجد، ودعوا بالكلية ملاذ النفس، واغتنموا بقايا العمر، ورتبوا بحسب تكرر الأوقات وظائف الأوراد؛ حرصا على إحياء الليل والنهار في طلب القرب من الملك الجبار، والسعي إلى دار القرار، فصار من مهمات علم طريق الآخرة تفصيل القول في كيفية قسمة الأوراد وتوزيع العبادات”.

وظيفة السالك هي مجموعة منتقاة من أصول عمل المسلم في اليوم والليلة؛ من صلاة وذكر وإنفاق، نوصي أنفسنا بأخذها بقوة والمواظبة عليها بكل أفرادها في كل وقت، توطينا للنفس على الالتزام بالصالحات وتربية للعبد على البقاء في طوق خدمة الملك على الدوام، فإن هذا من أحب أعماله إليه.

واجعلنا للمتقين إماما

من معاني إقامة الدين في الأرض الدعوة إليه، والجهاد في سبيل إعلائه، والحكم به. قال ابن العربي في تفسير قوله تعالى: {أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه} [الشورى: ١٣]: “أي اجعلوه قائما، يعني دائما مستمرا، محفوظا مستقرا، من غير خلاف فيه واضطراب عليه”. وإقامةُ الدين على هذا المعنى واجبٌ متعدٍّ لتحقيق أعلى المقاصد وهو حفظ الدين. وبه كلَّف الله تعالى أفراد الأمة الخاتمة بقوله: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله} [آل عمران: ١١٠]، يقول الطبري: “كنتم بمعنى التمام، كأن تأويله خلقتم خير أمة، أو وجدتم خير أمة”. فعِلَّةُ خيرية هذه الأمة في الدعوة إلى الله.
فالممتثلون ممن ساروا في سبيل إعلاء كلمة الله في أرضه لم يكتفوا بصلاحهم في أنفسهم -وهو الأساس الذي منه انطلقوا-، ولكنهم سلكوا درب الأنبياء بدورهم المزدوج: صلاح في النفس إضافةً إلى إصلاحٍ للغير. فلم يكتفوا بصلاحهم في أنفسهم عن إصلاح غيرهم، كما أن إصلاحهم لغيرهم لم يشغلهم عن صلاح أنفسهم. وهذا ما سجَّله القرآن عن نبي الله شعيب عليه السلام: {إنْ أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب} [هود: ٨٨]. ومع بذلهم الوسعَ لإقامة الدين، وتحمُّلِهم المشاقَّ في سبيله، تولَّد عندهم الحرص على إقامته في الأرض، فضلا عن امتثالهم لأمر الله فيه. وارتقت هذه الولادة لتنمو في الصدر ويتسع أثرها في الواقع، حتى تحصل الغاية: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليُظهره على الدين كله ولو كره المشركون} [التوبة: ٣٣]. فكيف الوصول بنصرة الدين إلى الإمامة فيه؟
جاءت الإجابة عن هذا السؤال في عدة نصوص، نبدؤها بقوله تعالى عن نبيه إبراهيم عليه السلام: {وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما} [البقرة: ١٢٤]، يقول ابن عباس رضي الله عنهما فيما ينقله القرطبي: “ما ابتلى الله أحدا بهن فقام بها كلها إلا إبراهيم عليه السلام، ابتُلي بالإسلام فأتمه فكتب الله له البراءة فقال: {وإبراهيم الذي وفَّى} [النجم: ٣٧]، وقال بعضهم: بالأمر والنهي، وقال بعضهم: بذبح ابنه، وقال بعضهم: بأداء الرسالة، والمعنى متقارب”. يقول ابن كثير: “كما قام بالأوامر وترك الزواجر، جعله الله للناس قدوة وإماما يُقتدى به، ويُحتذى حذوه”. ويصف السعدي هذا المقام الجليل بقوله: “وهذه -لعمر الله- أفضل درجة تنافس فيها المتنافسون، وأعلى مقام شمَّر إليه العاملون، وأكملُ حالة حصَّلها أولو العزم من المرسلين وأتباعهم من كل صديق متبع لهم، داعٍ إلى الله وإلى سبيله”.
إنها مراحل إذن من العمل لنصرة دين الله تعالى؛ مبدؤها -مع إصلاح النفس- العملُ على إصلاح الغير بثغوره الكثيرة من دعوة وتربية وأمر بمعروف ونهي عن منكر… ومنتهاها إمامةٌ للمتقين تقودهم إلى درب حمل أمانة هذا الدين بين الأنام. قال تعالى في حديثه عن دعاء عباد الرحمن: {واجعلنا للمتقين إماما} [الفرقان: ٧٤]. ولننتبه أن الإمامة ليست موجهة للناس؛ بل هي إمامة للمتقين. وفي هذا لفتة لطيفة في الحرص على انتخاب المتقين الذين سيقودون المسيرة من جديد، فهؤلاء هم الأجدر بتَلَقّي العطاء والنفع؛ كونهم أينع الناس للتَّربية، فبمجرد أن يحصلوا على إمام لا يحتاجون لكبير معاناة تُبذل فيهم لكونهم يقتدون بالأئمة تلقائيا، فيحصل عند ذلك إنتاجُ الثمار المرجوَّة منهم، بحيث يتضاعف محصولُهم التربوي والتعليمي بسرعة هائلة مقارنة بمن دونهم.
ولا تنسينا هذه السلسلة المباركة من البذل أن بذرتها هي تقوى العبد بامتثاله أمرَ الله تعالى؛ فمن باب الأولى أن يكون إمام المتقين سبَّاقا إلى التقوى وسائرِ أعمال البر. وهذا ما ذكره الله تعالى سبيلا إلى الإمامة في قوله: {وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة: ٢٤]، قال عنها ابن كثير: “أي: لما كانوا صابرين على أوامر الله وترك نواهيه وزواجره وتصديق رسله واتباعهم فيما جاؤوهم به، كان منهم أئمة يهدون إلى الحق بأمر الله، ويدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر . ثم لمَّا بدلوا وحرَّفوا وأوَّلوا، سُلبوا ذلك المقام”. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: “بالصبر واليقين تُنال الإمامة”. وقال ابن القيم: “فإن الداعي إلى الله تعالى لا يَتِمُّ له أمره إلا بيقينه للحق الذي يدعو إليه، وبصيرته به، وصبره على تنفيذ الدعوة إلى الله، باحتمال مشاقِّ الدعوة، وكفِّ النفس عما يوهِن عزمه ويُضعف إرادته، فمَن كان بهذه المثابة كان من الأئمة الذين يهدون بأمره تعالى”.
ومع الأوصاف المذكورة على طريق الإمامة في الدين من إتمامِ أمرِ الله في ابتلاءاته والتقوى والصبر واليقين، تأتي إقامة العبادات في قوله تعالى: “وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين} [الأنبياء: ٧٣]، يقول الطبري: “وجعلنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أئمة يؤتمّ بهم في الخير في طاعة الله في اتباع أمره ونهيه، ويُقتدى بهم، ويُتَّبَعون عليه”، ويقول السعدي: “يفعلونها ويدعون الناس إليها… مديمين على العبادات القلبية والقولية والبدنية في أكثر أوقاتهم، فاستحقوا أن تكون العبادة وصفهم، فاتصفوا بما أمر الله به الخلق، وخلقهم لأجله”. فانضم إلى الأوصاف الأولى ما ورد هنا من فعلٍ للخيرات وإقامةٍ للعبادات.
وبين جميع الأوصاف الواردة في إقامة الدين قاسمٌ مشترك لابد من الوقوف عليه والتنبيه إليه: إنه الصلاح ظاهرا وباطنا. فرغم أننا في مقام الإمامة في الدين إلا أن التوصية لبلوغ هذا المقام والثبات عليه جاء مُلِحّا على معاني الامتثال والتقوى والصبر واليقين وفعل الخير وإقامة العبادات. بل إن الوصف الشامل بالربانية جمع بين الصلاح في النفس والإصلاح للغير في قوله تعالى: {ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تُعلِّمون الكتاب وبما كنتم تدرسون} [آل عمران: ٧٩]، فهم يُعلِّمون الناس بصغار العلم قبل كباره، ومع تعليمهم لا ينسون أنهم أنفسهم يَدْرسون. ومن رحم هذه الأوصاف الجليلة تولد صفات الداعية من حكمة وموعظة حسنة كما قال تعالى: {ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} [النحل: ١٢٥].
يتضح بذلك أن الإمامة في الدين ليست عملَ خيرٍ ساميا يُنسي القائم عليه صلاحه في نفسه؛ بل هي ثمرةٌ من ثمار هذا الصلاح الذي يزداد على بصيرة فيُنتِج بذلا لنصرة الدين كما قال تعالى: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} [يوسف: ١٠٨]. ثم هو يصل بصاحبه إلى الإمامة في الدين كما كان حال نبينا صلى الله عليه وسلم فيما يقوله تعالى: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا} [الأحزاب: ٢١]. فتعبيد الناس لربهم الحق يحتاج ولابد إلى التحلِّي بالحق الذي يسعى العبد في إقامته.
فلئن كان الناس يحتاجون إلى إمام في الدين يقودهم إلى سبيل ربهم، فإنه الأسوة الذي يعمل في نفسه أولا بما يُرَبِّي عليه غيره؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إنما الناس كالإبل المائة، لا تكاد تجد فيها راحلة” [متفق عليه]، يقول الخطابي: “أكثر الناس أهل نقص، وأهلُ الفضل عددهم قليل، بمنزلة الراحلة في الإبل المحمولة”. أما عن صفة الراحلة فهي ما يوضحه ابن قتيبة في قوله: “الراحلة: النجيبة، المختارة من الإبل للركوب وغيره، فهي كاملة الأوصاف، فإذا كانت في إبل عُرفت”.

الحسنى وزيادة

مما يعين المؤمن على حسن القيام بتكاليف دينه، وعلى تحمل ما يلقاه من مشقات في دنياه، قوةُ استحضاره لما أعده الله من حسن الجزاء لأهل طاعته في الجنة. والاستحضار عمل للقلب يختلف عن مجرد العلم؛ فالعلم هو البوابة، ويتجدد بالتذكر عند النسيان. أما الاستحضار فإنه إحياء معاني ما تعلمه، أي أن يكون لهذه المعاني تأثير واضح متجدد على القلب ثم على الجوارح. فإن كان الحديث عن الجنة ونعيمها فيتجدد الاشتياق، والرجاء، والحب، والرغبة، والتطلع، والإقبال.. إن الإرادة تستنفر لنيل المحبوب والحصول عليه. ولكن السؤال: هذا هو العلم قد حصلناه من مظانه مسموعا أو مقروءا.. فمن أين نتحلى بالاستحضار لما نؤمن به بالغيب من نعيم لأهل الطاعة؟
ليس للعبد إلا قلب واحد {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} [الأحزاب: ٤]، فإما أن يملأه بزاد الإيمان حتى يصير قلبه سليما، أو أن يُنقِص منه فيمرض قلبه على قدر ما فرَّط. وليس الكلام لمن يملأ قلبَه بالباطل فيصير في غُلف عياذا بالله، بل ليس الكلام عما يصيب القلب المريض من الآثار السيئة جميعها من ظلمة ووهن ووحشة وذل ونكد وقلق وضنك وغير ذلك… إنما الحديث مخصوص عما يصيب القلبَ المريضَ من ضعف في استحضارٍ لموعود الله للمؤمن في الجنة. فقوة الاستحضار بحسب سلامة القلب. وعليه فإن القلب المريض يُحرَم من الاستحضار بحسب مرضه؛ ذلك لأن فيه قدرا من يَبَسٍ جامد جثا على صفحته بسبب صخرتين:

  • فأما الصخرة الأولى: فإنها الذنوب.. تلك النكات السوداء التي إذا تراكمت على القلب بلا توبة نسجت حوله غشاءً يتكاثف شيئا فشيئا، فيمنع بلوغ المعاني للقلب {بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين: ١٤]. وليس هذا بحالٍ ثابت لمن يرجو ثواب الله وجنته؛ فإنه لا يترك نفسه لاجتماع الذنوب على قلبه بلا توبة، وإنما يجتهد في المراغمة والمجاهدة. فبقدر ما يستجلب استحضار نعيم ربه فإنه يتحرر من أَسْر المعصية، وبقدر ما يتحرر من أَسْر المعصية يزداد استحضاره لنعيم ربه، ويَقْصُر عن اقترافِ مزيدٍ من الذنوب، ويتدارك ما بَدَرَ منه من تفريط.. وهكذا يؤثر كلٌّ من الباطن والظاهر في الآخر. والمجاهدةُ مرحلةٌ ليست بالهَيِّنة، ولكنها قنطرةٌ لابد منها للعبد المفَرِّط بُغية الوصول إلى لذة الإيمان، فيعيش شيئا من نعيم الجنة وهو يحيا في الدنيا.
  • وأما الصخرة الثانية: فإنها الغفلة.. تلك التي تنشأ عن الانشغال بالمباحات -كالنوم والأكل والشرب والنظر والكلام والمسكن والزينة والدابة واللباس والنكاح والأشغال…- بلا نية قربى إلى الله تعالى؛ وذلك كالأكل بلا نية التقَوِّي على طاعة الله تعالى، والنوم للاستراحة دون نية القيام النشيط إلى العبادة، والاستمتاع بزوجته حال الذهول عن نية كفِّ نفسه وبصره عن الحرام، ولا لقضاء حقها، ولا لتحصيل ولد صالح. فكلما انشغل القلب بأحداث دنياه سواء المتعة المباحة منها أو الهموم المنغصة دون أن يُرجع ذلك إلى موازينه الإيمانية بالشكر عند النعمة، والصبر عند النقمة، والاتعاظ عند التذكرة.. فإن ذلك يؤثر بالتشويش على استحضار القلب للنعيم الغيبي الذي أعده الله لأهل كرامته. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إنْ أُعطي رضي، وإنْ لم يُعطَ لم يرض” [البخاري].
    فبقدر ما تنجلي هذه المعوقات عن صفحة القلب فإن الله تعالى يُرِي العبدَ بما رزقه من علم يقيني ما يجعله يعيش ومضاتٍ من الدار الآخرة وهو يمشي على قدميه في الدنيا.. تلك الومضات هي البديل الدنيوي عما طلبه موسى عليه السلام وقد دفعه الشوق: {رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: ١٤٣]، فلا طاقة لعبدٍ برؤية ربه تعالى في الدنيا مهما ارتقى في مراتب العبودية والتجرد؛ بل إن الجبل على ثباته ورسوخه دكَّه ربه عند تَجَلِّيه له، فخرَّ موسى صعقا مهابةً ورهبةً وإجلالا لهذا المشهد، ثم سبَّح ربه وتاب إليه وجدد إيمانه لَمَّا أفاق من صعقته. واحتجب سبحانه بالنور عن نبيه صلى الله عليه وسلم في المعراج كما رواه أبو ذر رضي الله عنه قال: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيتَ ربك؟ قال: “نور.. أنى أراه؟” وفي رواية: “رأيتُ نورا” [متفق عليه].
    فعندما يتلو العبد قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} [القيامة: ٢٢، ٢٣]، يتساءل متأثرا وقد استوقفته الآية: هل سينعم يوما بأن يصبح وجهه -الذي لطالما ينظر إليه في المرآة- على هذه الحال من السرور والنعيم والغبطة والحسن والجمال والبهاء حين يرى خالقه في الجنة؟! وقد جاء عن الحَسَن: “وحُقَّ لها أن تَنْضُر وهي تنظر إلى الخالق”. إنَّ هذه القيمة الجليلة لن يستشعرها العبد إلا ببذلٍ طويلٍ كبيرٍ في سبيل ربه الذي يعبده بالغيب، فتطمع نفسه لرؤية معبوده حقيقةً، فعندما يعلم أنها ليست إلا في الجنة يَحِلّ الشوق إليها على نحو يدفعه للإحسان في الطاعات واجتناب الموبقات.
    ومثلما اشتاق إلى رؤية ربه تعالى، فإنه يخاف أن يُحجب عنه؛ فيستوقفه قوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: ١٥]، يقول الطبري وابن كثير: “محجوبون عن رؤية ربهم”. يقول الشافعي: “لَمَّا أنْ حجب هؤلاء في السخط، كان في هذا دليلٌ على أن أولياءه يرونه في الرضى”، ويقول أيضا: “في هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذ”. وما أحسن ما استدل به الحسين بن الفضل بقوله: “لما حجبهم في الدنيا عن نور توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته”. عندئذ يخاف العبد أن يُحرَم تحقيق التوحيد بإخلاص عبادة ربه في الدنيا، فتكون العاقبة مثل هذا الحرمان في الآخرة.
    ويتفكر في حاله: هل سيكون ممن يُسألون في الجنة كما روى صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيُكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل” وفي رواية: “ثم تلا هذه الآية: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: ٢٦]” [مسلم]. فالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم.
    وقد ورد الحجاب فيما رواه أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه” [متفق عليه]، وهو الذي يقول عنه رب العالمين في الحديث القدسي: “العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعني في واحد منهما عذَّبته” [مسلم]. قال عياض: “استعار لعظيم سلطان الله وكبريائه وعظمته وهيبته وجلاله -لمانع إدراك أبصار البشر مع ضعفها- استعار لذلك رداء الكبرياء”. وكما صحَّ ذكر حجاب الكبرياء فقد صحَّ ذكر حجاب النور وحجاب النار، قال أبو موسى رضي الله عنه: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، جاء فيها عن الله تعالى: “حجابه النور -وفي رواية أبي بكر: النار- لو كشفه لأحرقت سبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه” [مسلم]. ولكنه تعالى في الدار الآخرة يكمل خلق المؤمنين، ويقويهم على النظر إليه تعالى فينعمون بذلك، بل هو أعلى نعيمهم في الجنة.
    واترك زمام عقلك لينصت إلى ما قاله جرير بن عبد الله رضي الله عنه: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال: “إنكم سترون ربكم، كما ترون هذا القمر، لا تضامُّون في رؤيته…” [متفق عليه]، أي لا تتعبون أو لا تختلفون فسل نفسك أخي: كم مرة رأيتَ فيها البدر، واستحضرتَ هذا المشهد؟ إن استحضاره -على وضوحه- فضلٌ من ربك، يرزقه لمن تحرر قلبه من المعوقات من ذنب وغفلة، واشتاق لليوم الذي تقر فيه عينه بالرؤية الحقة الواضحة لربه.
    يبقى أن تعلم أن استحضار هذه المشاهد الجليلة يتجدد بتجدد تفاصيل أحداث يومك؛ أي أن الحدث يقع، فتزاحمه بقلب نقي من الذنب والغفلة، وتُذَكِّره مثل هذه المشاهد سواء بمجالسة الصالحين، أو بمراجعة العلم، أو بالتدبر، أو مجالس الذكر، فكأن هذه المشاهد تكتسب جلالتها للمرة الأولى. وتقع التذكرة فيحيا العبد في دنياه وقلبه معلق بآخرته، وصدق الله تعالى: {جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى} [طه: ٧٦].

في صدرك معجزة

أيها الحافظ العامل، قطعتَ -بحفظك لكتاب الله- شوطا في رحلة ثباتك على صراط الله، فلن تعدم ومضاتِ تذكيرٍ تَزيدُك رسوخا في مُضِيِّك. أحسب أنك تراعي بعض الأمور كونك حاملا للقرآن؛ فترطبَ لسانَك بتلاوته، وتتعاهدَ مراجعته، وتستشهدَ في المواقف المتعددة بآياتِه، وتعظَ به من احتاج الموعظة ممن حولَك، وتفتحَ على من أخطأ فيه ممن أَمَّك في صلاتك.
فدونك بعض الكلمات تربط ظاهرك الحسَن بحقيقة باطنك؛ فثمة سؤال: كيف يتمكَّن القرآن من تغييرك؟ أقصد بالتغيير هنا ما يتعلق بقلبك. تلك المضغة شديدة التقلب والتأثر بما تواجهه من أحداث، فتراك تارة ساكنا مطمئنا صالح البال، وتارة ضائقا متململا مضطرب الحال. ما من البشر أحد يخلو من مثل هذا التقلب، ولكن للقرآن أثر معجز في ضبط هذه الأحوال، كونه وحيا من كلام رب العالمين {إنْ هو إلا وحي يوحى} [النجم: ٤]، فما أثر هذا الوحي الذي تحمله على قلبك؟ دعنا نستطرد قليلا في مقدماتٍ لهذا الأثر.
إنك لا تستطيع أن ترى قلبك الذي هو في صدرك، ولا أن تدرك كيفية عمله؛ فهو خفي عنك. حسبك أن ترى آثار تقلبه في انفعالاتك. ولكن يمكنك أن تتلقى هذه الحقائق من الوحي؛ فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، يقول إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إنَّ قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء” [مسلم]. ومن ثم فإنك لا تستطيع أن تغير في انفعالات قلبك شيئا بإرادتك، فالذي يملك ذلك هو ربك. فإن أردتَ السكون والطمأنينة وصلاح البال فلن يكون ذلك إلا من عند الله تعالى، ومبدأ ذلك أن تُعَرِّض قلبك لكلام الله عز وجل.. انتبه! أن تُعَرِّض قلبك وليس جوارحك فحسب، علما بأن الجوارح هي بوابات القلب، ولكن الشاهد ألا تقف الآيات على عتبات جوارحك، وإنما تتعدَّاها لتصل إلى الباطن. ويظل السؤال: كيف ذلك؟
إنَّ كل ما تتلقاه بحواسك في العالم الملموس يؤثر على قلبك في عالم الغيب، ثم إنَّ لقلبك إرادة خلقها الله تعالى فيه؛ فإما أن يترك سبيلا لتلك المؤثرات أو أن يغلق بابه دونها. وقد تعمدتُ لفظة (المؤثرات) لتحمل بين طياتها الإيجابيات والسلبيات، أو ما يُزَكِّي القلب وما يُدَسِّيه. فتحصل لدينا حالات أربعة لا يخرج المرء عنها:

  • فإما أن يتواجد في بيئة خير، فيتقبَّل قلبه مؤثراتها الطيبة، فيزكو.
  • أو أن يتواجد في بيئة شر، فيرد قلبه مؤثراتها الخبيثة، فيزكو.
  • أو أن يتواجد في بيئة خير، فيرد قلبه مؤثراتها الطيبة، فيدسو.
  • أو أن يتواجد في بيئة شر، فيتقبل قلبه مؤثراتها الخبيثة، فيدسو.
    أي أن معوَّل صلاح القلب أمران: البيئة الخارجية، والإرادة الداخلية. ولن أستفيض كثيرا في اختيار البيئة فإنه يعترضها حتميات أو أدوار دعوية لازمة، تجعل من المشقة في كثير من الأحيان أن يلزم المرء بيئة الخير وأن يترك بيئة الشر فيُنَفّذ الوصية التي وجهها أهل العلم لقاتل المائة نفس كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه فيما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإنَّ بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء” [مسلم]. وحسبنا في أمر هذه البيئة ما رواه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير، فأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، وأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، حتى تصير القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفا لا يضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربد كالكوز مُجَخِّيا -وأمال كفه- لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه” [مسلم].
    إلا أنَّ في كلا البيئتين قد يزكو القلب أو يدسو، هنا يأتي دور الزاد القلبي الذي يضبط ما يدخل القلب وما يلفظه. فيأتي ذكر الله على كل حال، والتفكر في آياته وآلائه، ومجالسة الصالحين، وطلب العلم، وفعل الخير.. كل ذلك وغيره يضبط ما يدخل القلب وما يُرَدُّ.
    وعلى رأس الزاد يا صاحب القرآن يأتي ما تحمله في صدرك، حال قيامك به الليل، {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا * إنَّ ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا} [المزمل: ٥، ٦]. إذن فقد أمسكتَ بطرف مهمة جليلة ستجعل للقرآن أثرا ملموسا على باطنك. ولعلك ذقتَ مثل هذا الأثر من قبل في مرحلة صفاء الابتداء، يقول تعالى عنها: {ما كنتَ تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} [الشورى: ٥٢]. ثم ما لبث أن طال عليك الأمد فقسا قلبك، واعتراك من الفتور والاعتياد ما أفقدك بعض طاقتك على مواصلة المسير، وتسلَّل بعضٌ من الضعف والوهن والاستكانة إلى قلبك، فما عاد للقرآن وهجه الأول الذي كان يردعك عن المذامّ ويدفعك للمحابّ. فماذا عليك أن تفعل حينئذ كي تعيد سيرتك الأولى؟
    أنت تحمل العلاج في صدرك {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} [العنكبوت: ٤٩]، ولكنك في غفلة عن كيفية اغتنامه. إن في القرآن سرا معجزا يستطيع أن يقيلك من عثراتك في كل مراحل حياتك، كما استطاع أن ينقلك إلى حقل الالتزام من قبل. إن المجاهدة بالقرآن قائمة في كل المراحل، يقول سبحانه: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإنَّ الله لمع المحسنين} [العنكبوت: ٦٩]. والمجاهدة مرحلة من المشقة تطول وتقصر، وتُقبل وتدبر، وتنجح وتفشل.. إنها مزاحمة الغيب للشهادة. فعليك بأمور لابد من أن تستصحبها في رحلة مجاهدتك للقيام بكتاب الله؛ منها:
  • الأولوية: فكلما حاز القيام بكتاب الله عندك حيزا كبيرا من الهم والعزم والحرص في طيات انشغالات يومك، كان التوفيق من الله حليفك.
  • الدعاء: فالانكسار إلى الله بـ”لا حول ولا قوة إلا بالله” هو مفتاح العون والإذن على الطاعة؛ فهي شرف لا ينيله الله لأي أحد من عباده.
  • العلم: فكلما ازددت معرفة بالمقصود من كلام ربك كان أرجى لأن يتجدد تأثير كلامه عليك، فيحدث الأثر المطلوب في القلب ثم الجوارح، {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به} [البقرة: ١٢١].
  • المداومة: فالصبر على الطاعة وتكرارها على كل حال، حَرِيٌّ بأن يزيل ما تغشى القلب، وحال بينه وبين صفائه.
    ولرحلة المجاهدة في القيام بالقرآن أعمال أخرى لا تقل أهمية عما سبق؛ كالابتعاد عن الذنوب، والإكثار من الطاعات لا سيما الصدقات، والإعراض عن فضول الدنيا، وضبط أوقات النوم واليقظة… وقد يثقل على المرء بعض تلك الأعمال في وقت دون وقت، إلا أن تلك الأعمال وغيرها بينها وبين القيام بالقرآن تأثير متبادل؛ أي أنها تؤدي إلى التوفيق للقيام بالقرآن، كما أنها من ثماره الطيبة أيضا. فكلٌّ من الأعمال الصالحة والقيام بالقرآن يؤثر في الآخر، فلنحرص أن يكون لنا نصيب من كلٍّ إلى أن يستقيم المسير.
    وبين متاعب المجاهدة تولد لذة الإيمان من جديد، وتظل تنمو مع استمرار المجاهدة حتى تتمكن من القلب. هنالك يحلِّق القلب في مشاهد من القرآن تنقله بعيدا عما يخالطه في عالم الشهادة، فتراه يسافر بقلبه في عوالم أخرى.. عوالم يتقلب فيها بين التذكير بنعم الله كما قال تعالى: {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا} [الفرقان: ٤٥]، ويعود إلى الأزمنة الساحقة فيرى فيها بدء الخليقة، وأصل الصراع بين آدم وإبليس، وقصص الأنبياء مع أقوامهم، والسنن الربانية، ومصارع الغابرين {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} [آل عمران: ١٣٧]، ثم يُحَوِّل دفة الزمان إلى المستقبل فكأنه يرى القيامة وعلاماتها، ثم أهل الجنة وهم فيها يتنعمون، وأهل النار وهم فيها يتضاغَون {ولو ترى إذ وُقفوا على النار} [الأنعام: ٢٧]، {ولو ترى إذ وُقفوا على ربهم} [الأنعام: ٣٠]، {ويستنبئونك أحق هو؟ قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين} [يونس: ٥٣]، ويتدبر في أسماء الله وصفاته وأفعاله {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير * ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض} [البقرة: ١٠٦-١٠٧]، ويتلقى حدود الله من أوامر ونواه.. إنه من الإعجاز في القرآن أن هداياته لا تنتهي، ومعانيه لا تنضب، كيف وهو كلام الله تعالى وصفة من صفاته جل وعلا؟
    إذن ليس المقام -أخي- هو تصنيف الأعمال إلى فرائض ونوافل، بل هو سلوك محابِّ الله والمجاهدةُ على لزوم ذلك. والغاية هي أن يذوق القلب من لذة الإيمان ما يجعله يشتاق إلى إتيان الطاعات والمداومة عليها بل والإطالة فيها لخِفَّتها عليه وتعلقه بها، وما يعينه على اجتناب الموبقات، ويطرد عنه المعصية بل هواجسها، ويدفعه لتدارك ما فاته من تفريط أو ذنب بصدق وعزم، ويحرره بصدر منشرح من أسر الذنب الذي كان يضيق صدره، وما يزهده في متاع الدنيا الفاني، ويرغبه في نعيم الآخرة الباقي، ويخيفه من عذاب الجبار، ويعلقه بجنة الرحمن، ويهون عليه كربات الدنيا، ويوفقه في معاملات المخلوقين، ويعيد ضبط موازين القوة عنده بين قدرة الله وقَدْر الأسباب، ويشعره بالخشوع بلا مشتتات، ويسيل التأثر عليه من الموعظة والتذكير…
    مثل هذه الثمرات المعنوية هي التي تطيب بها حياة المؤمن في الدنيا، قال تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} [النحل: ٦٧]، وهي التي جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما روى أبو هريرة رضي الله عنه: “والذي نفسي بيده وددت أني أقاتل في سبيل الله فأُقتل، ثم أُحيا فأُقتل، ثم أُحيا فأُقتل” [البخاري]. وهي ما قال عنه إبراهيم بن أدهم: “لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف”، وهي ما عناه شيخ الإسلام بقوله: “ما يفعل أعدائي بي؟ إن جنتي وبستاني في صدري؛ إنَّ قتلي شهادة، وسجني خلوة، ونفيي سياحة”، وهي المقصود من كلام ابن القيم: “إنَّ في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة”، وهي ما روي عن أحد السلف: “مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها”، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: “محبة الله تعالى ومعرفته وذكره والأنس به”.

ما السبيل إلى نفس مطمئنة؟

كي نتحلى بها، لا بد أولا أن نعرف حقيقتها. إنها نفس أورثها الله من السكينة واللذة الناشئة عن إيمانها بالغيب ما طوى عنها الاضطراب، فتطوَّعت للتأثر على النحو الذي يرضي ربها {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: ٢٨]. لقد رزقها الله من أدوات الإيمان ما تجاهد به في هذا الواقع على وجه يَزيد إيمانَها قوة وصلابة. مثل هذه الحصيلة الإيمانية ضبطت حملها، وخففت عنها أثقالا كانت تنوء من قبل بحملها. لقد غمرها اليقين والحب والرجاء والخوف والتوكل والإنابة… فسارعت للعمل فيما يرضيه سبحانه، وتنقَّلت بيُسر من طاعة إلى أخرى. لقد وقر عندها من الإيمان ما نقّى سريرتها، وضبط سلوكها، وأغناها عن الركون لغير باريها. يقول ابن كثير: “فأما النفس الزكية المطمئنة، وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق، فيقال لها: {يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي} [الفجر: ٢٧-٣٠]”.

لقد كانت مثل هذه النفس بالأمس متعبة بدفع وساوس الشيطان عنها حين يزيِّن لها معصية ما، فكانت تارة تنتصر، وتارة تسقط. وكانت بالأمس تحاول جلب خشوع وهي في مقام الذكر والخلوة بربها. وكانت بالأمس تَخرج حينا وتَقعد حينا وهي تسعى للقيام بواجبات الأمر والنهي والدعوة والجهاد.. وكانت تتردد لرحلة في طلب علم.. وكانت تتعثر في الانتظام على وردٍ من ذكر.. وكانت تتكلف للاستزادة من عملِ خير.. وكانت توغل في حزنٍ نشأ عن أخبار مؤلمة.. وكانت.. وكانت.. وهي مأجورة بإذن الله على ما تبذل من جهد. ولكن الجهد كان يستنزف طاقتها، ويُقَلِّص عطاءها، ويُقَلِّل بذلها. ورغم ذلك فإن سبيل وصولها إلى النفس المطمئنة لا يكون إلا بمثل هذه المراغمة والمجاهدة.

ولمزيدِ بشرى فإن لأحوال النفس المؤمنة عموما ذكرا في إيراث الكتاب، يقول تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير * جنات عدن يدخلونها} [فاطر: ٣٢، ٣٣]، يقول عنها الشنقيطي رحمه الله: “ولذا قال بعض أهل العلم: “حُقَّ لهذه الواو أن تكتب بماء العينين”. ولم يبق من المسلمين أحد خارج عن الأقسام الثلاثة” أي النفس الأمارة أو اللوامة أو المطمئنة. فالشاهد هنا هو ما يميز السابق بالخيرات من شعور باللذة في نفسه المطمئنة أدى إلى مضاعفة عطائه في مرضات ربه. ومثال آخر في تلاوة القرآن، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران” [مسلم]. فلكلٍّ من الماهر والمجتهد فضل، ولكن الماهر يبلغ من المكانة درجة الملائكة، ولهذه المكانة من السمو ما لها، ودونه المجتهد الذي يحوز أجر القراءة وأجر المشقة.

هذه بعضٌ من الأوصاف، فمَن السالِكُ إلى هذه النفس المطمئنة سبيلا؟ليس هو المُعرِض، أو المُتكبِّر، أو المستهتر. إن الخطاب هنا لمُريد الطاعة الذي تضعف نفسه فلا يستطيع أن يعبر القنطرة التي تُبَلِّغه الطمأنينة والسكينة.. إنه ممن قال تعالى فيهم -وهم فريق من المؤمنين-: {اثَّاقلتم إلى الأرض} [التوبة: ٣٨]، وقال عن آخرين تأخروا عن الجهاد: {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} [التوبة: ١٠٢]، وقال عن فريق وقع في الذنوب عموما: {للذين يعملون السوء بجهالة} [النساء: ١٧]. لمثل هؤلاء كلمات مستلهمة من الوحيين تُبِلِّغهم بإذن الله السبيل.. وليست الغاية عنهم ببعيد.

إن النفس المطمئنة لم تبلغ هذه الحال منذ بادئ أمرها، ولكنها سلكت درب المجاهدة، وتدرَّجت في السمو حتى هدأت واستقرت بطاعة ربها. يقول تعالى: {ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها} [الشمس: ٧-١٠]. والتزكية رحلة متدرجة تأخذ العبد من محله الذي هو فيه الآن، وتدفع به إلى الأمام.. فهلمَّ نقف على بعض المعالم التي توضح كيف تزكو نفس المؤمن؟

يبدأ الارتقاء -الذي تختلف بدايته من شخص لآخر- من خطوة واحدة إلى الأمام من حيث يقف العبد. هذه الخطوة يوفَّق العبد إليها بأمرين أساسيين هما (الهم) و(الاستعانة). والمقصود بالهم أن تحتل هذه الخطوة أولوية في اهتمامات العبد.. أن تزاحم انشغالاته بالدنيا.. ولسان الحال: سأقوم بهذه الخطوة مهما تكاثرت الصوارف {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا} [سبأ: ٤٦]، فالمطلوب أولا هو هذه القَوْمَة. والمقصود بالاستعانة افتقارٌ يصاحب العبد ألا توفيق إلى هذه الخطوة إلا بعون الله تعالى وتوفيقه {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} [النساء: ٨٣]، وحقا لا يُوَفَّق العبد إلى الهداية إلا إذا رأى الله من قلبه مَحِلّا قابلا. وعن هذه الخطوة إلى الأمام يروي أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال: “إذا تقرَّب العبد إليَّ شبرا تقربتُ إليه ذراعا، وإذا تقرَّب مني ذراعا تقرَّبتُ منه باعا، وإذا أتاني مشيا أتيته هرولة” [البخاري]. فالعبد إذا تقرب إلى ربه تقربا قليلا تقرب الله منه كثيرا، وإذا تقرب منه كثيرا تقرب الرب منه أكثر. وفي هذا تأكيد على ضرورة الخطوة الأولى الزائدة المستطاعة من العبد، مع الترغيب فيما بعدها.

ثم إن هذه الخطوة الأولى تحتاج إلى المحافظة. ويُوَفَّق العبد لهذه المحافظة بأمرين أساسيين كذلك: (الدوام) و(التجدد). والمقصود بالدوام أن يتعاهد العبد خطوته الأولى بالاستمرار عليها دون انقطاع. والمقصود بالتجدد أن يستحضر العبد علما أو تذكرة تصرف عنه الإلف المذموم للطاعة حتى لا تصير عادة بلا مواطئة للقلب معها. هنا تتفتح مسامُّ القلب تدريجيا، وتتنفس الروح جزءا من الصعداء، ويبدأ الإحساس بالطمأنينة في الازدياد بمحافظة العبد على طاعته.

ثم إنه من ثمار المحافظة تأتي (الزيادة). والمقصود بها الرغبة والشوق والتطلع والهم إلى خطوة أخرى من الطاعة، كما يقول ابن القيم: “… فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها: اعملني أيضا، فإذا عملها قالت الثانية كذلك، وهلُمَّ جرا، فيتضاعف الربح وتتزايد الحسنات. وكذلك كانت السيئات أيضا، حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة”. وتتكرر معالم رحلة تزكية مرة تلو الأخرى: خطوة إلى الأمام، ثم محافظة، ثم زيادة.

ومن شأن رحلة المجاهدة المراوحة بين النجاح والسقوط، ولله هنا رحمة يرويها ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال: “إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإنْ هَمَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإنْ هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإنْ هَمَّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة” [مسلم]. والشاهد هنا هو فضل الله تعالى بكتابة الحسنة لمن هَمَّ بها وحيل بينه وبين عملها، وكذلك لمن هَمَّ بالسيئة فانتهى عنها ولم يعملها، ومضاعفة الحسنات لمن عملها، وقصر السيئة كما هي لمن اقترفها.

والقيام بالحسنة يبدد السيئة {إنَّ الحسنات يذهبن السيئات} [هود: ١١٤]، كما أنَّ ترك السيئة يُدخل في الحسنة.. كل منهما يؤثر في الآخر؛ فالعبد يتأخر عن الطاعة بسبب الذنب يصيبه، ويسقط في الذنب لافتقاد طاعة تردعه. أما البشرى الكبرى في شأن المجاهدة فإنها في قوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: ٦٩]، يقول عنها ابن القيم رحمه الله: “علق سبحانه الهداية بالجهاد، فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادا، وأفرض الجهاد جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا. فمن جاهد هذه الأربعة في الله، هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطَّل من الجهاد. قال الجنيد: والذين جاهدوا أهواءهم فينا بالتوبة، لنهدينهم سبل الإخلاص، ولا يتمكن من جهاد عدوه في الظاهر، إلا من جاهد هذه الأعداء باطنا، فمن نُصر عليها نُصر على عدوه، ومن نُصرت عليه، نُصر عليه عدوه”.