الخليل بن أحمد وعلم العروض

هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد الفراهيدي البصري (100 – 170 هـ – 718 – 786م) عربي من الأزد ولد في عُمان وتوفي في البصرة. والخليل بن أحمد هو مؤسس علم العروض وواضع أول معجم للعربية وأسماه العين.


كان الخليل زاهدا ورعا، قال عنه تلميذه النضر بن شميل: أقام الخليل في خص له بالبصرة، لا يقدر على فلسين، وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال. وقال عنه سفيان بن عيينة: من أحب أن ينظر إلى رجلٍ خلق من الذهب والمسك فلينظر إلى الخليل بن أحمد.
أخذ النحو عنه سيبويه والنضر بن شميل وهارون بن موسى النحوي ووهب بن جرير والأصمعي والكسائي وعلي بن نصر الجهضمي. وأخذ هو عن أبي عمرو بن العلاء.

(المزيد…)

الطريق إلى علم اليقين

وهذا حال أئمة المسلمين وسلف الأمة وحملة الحجة فإنهم يخبرون بما عندهم من اليقين والطمأنينة والعلم الضروري.

كما في الحكاية المحفوظة عن “نجم الدين العكبري” لما دخل عليه متكلمان، أحدهما أبو عبد الله الرازي، والآخر: من متكلمي المعتزلة، وقالا: يا شيخ، بلغنا أنك تعلم علم اليقين.

فقال: نعم أنا أعلم علم اليقين.

فقالا: كيف يمكن ذلك ونحن من أول النهار إلى الساعة نتناظر فلم يقدر أحدنا أن يقيم على الآخر دليلا؟ – وأظن الحكاية في تثبيت الإسلام –

فقال: ما أدري ما تقولان، ولكن أنا أعلم علم اليقين.

فقالا: صف لنا علم اليقين؟

فقال: علم اليقين عندنا وارداتٌ ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها.

فجعلا يقولان: واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها، ويستحسنان هذا الجواب.

وذلك لأن طريق أهل الكلام تقسيم العلوم إلى ضروري وكسبي أو بديهي ونظري. فالنظري الكسبي: لا بد أن يرد إلى مقدمات ضرورية أو بديهية فتلك لا تحتاج إلى دليل وإلا لزم الدور أو التسلسل. والعلم الضروري: هو الذي يلزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه الانفكاك عنه فالمرجع في كونه ضروريا إلى أنه يعجز عن دفعه عن نفسه. فأخبر الشيخ: أن علومهم ضرورية وأنها ترد على النفوس على وجه تعجز عن دفعه.

فقالا له: ما الطريق إلى ذلك؟

فقال: تتركان ما أنتما فيه وتسلكان ما أمركما الله به من الذكر والعبادة.

فقال الرازي: أنا مشغول عن هذا.

وقال المعتزلي: أنا قد احترق قلبي بالشبهات وأحب هذه الواردات. فلزم الشيخ مدة ثم خرج من محل عبادته وهو يقوله: والله يا سيدي ما الحق إلا فيما يقوله هؤلاء المشبهة – يعني: المثبتين للصفات؛ فإن المعتزلة يسمون الصفاتية مشبهة – وذلك أنه علم علما ضروريا لا يمكنه دفعه عن قلبه أن رب العالم لا بد أن يتميز عن العالم وأن يكون بائنا منه له صفات تختص به وأن هذا الرب الذي تصفه الجهمية إنما هو عدم محض.

وهذا موضع الحكاية المشهورة عن الشيخ العارف أبي جعفر الهمداني لأبي المعالي الجويني لما أخذ يقول على المنبر: كان الله ولا عرش.

فقال: يا أستاذ دعنا من ذكر العرش – يعني: لأن ذلك إنما جاء في السمع – أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا فإنه ما قال عارف قط “يا الله” إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو لا تلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟

قال: فلطم أبو المعالي على رأسه وقال: حيرني الهمداني.. حيرني الهمداني.. ونزل.

وذلك لأن نفس استوائه على العرش بعد أن خلق السموات والأرض في ستة أيام علم بالسمع الذي جاءت به الرسل كما أخبر الله به في القرآن والتوراة. وأما كونه عاليا على مخلوقاته بائنا منهم، فهذا أمر معلوم بالفطرة الضرورية التي يشترك فيها جميع بني آدم. وكل من كان بالله أعرف وله أعبد ودعاؤه له أكثر وقلبه له أذكر؛ كان علمه الضروري بذلك أقوى وأكمل. فالفطرة مكملة بالفطرة المنزلة فإن الفطرة تعلم الأمر مجملا والشريعة تفصله وتبينه وتشهد بما لا تستقل الفطرة به. فهذا هذا. والله أعلم.


مجموع الفتاوى | ج٤ ص ٤٣-٤٥

إن الطريق إلى معرفة الله والإيمان الحق يكون بالإخبات والإنابة إلى الله، وليس بالجدل الفلسفي والتنقيب عن الشبهات وردها، وذلك لأن الله تعالى خلق الفطرة السوية عارفة به منقادة له، واعتبر كيف أفحم علماء أهل السنة أهل الكلام بالردود البينة الواضحة.

ما يحتاجه الناس في معاشهم

إن الذين لا يحتالون أو يحتالون وقد ظهر لهم فساد هذه الحيلة هم بين أمرين: إما أن يفعلوا ذلك للحاجة ويعتقدوا أنهم فاعلون للمحرم كما رأينا عليه أكثر الناس. وإما أن يتركوا ذلك ويتركوا تناول الثمار الداخلة في هذه المعاملة فيدخل عليهم من الضرر والاضطرار ما لا يعلمه إلا الله. وإن أمكن أن يلتزم ذلك واحد أو اثنان فما يمكن المسلمين التزام ذلك إلا بفساد الأموال التي لا تأتي به شريعة قط فضلا عن شريعة قال الله فيها: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} وقال تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} وقال تعالى: {يريد الله أن يخفف عنكم} وفي الصحيحين ” {إنما بعثتم ميسرين} ” {يسروا ولا تعسروا} ” {ليعلم اليهود أن في ديننا سعة}”.

فكل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج، وهو منتف شرعا. والغرض من هذا: أن تحريم مثل هذا مما لا يمكن الأمة التزامه قط؛ لما فيه من الفساد الذي لا يطاق. فعلم أنه ليس بحرام؛ بل هو أشد من الأغلال والآصار التي كانت على بني إسرائيل ووضعها الله عنا على لسان محمد صلى الله عليه وسلم. ومن استقرأ الشريعة في مواردها ومصادرها وجدها مبنية على قوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه} وقوله: {فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم} فكل ما احتاج الناس إليه في معاشهم ولم يكن سببه معصية – هي ترك واجب أو فعل محرم – لم يحرم عليهم؛ لأنهم في معنى المضطر الذي ليس بباغ ولا عاد. وإن كان سببه معصية كالمسافر سفر معصية اضطر فيه إلى الميتة والمنفق للمال في المعاصي حتى لزمته الديون، فإنه يؤمر بالتوبة ويباح له ما يزيل ضرورته، فتباح له الميتة ويقضى عنه دينه من الزكاة، وإن لم يتب فهو الظالم لنفسه المحتال وحاله كحال الذين قال الله فيهم: {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} وقوله {فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم} الآية. وهذه قاعدة عظيمة.

مجموع الفتاوى | ج٤ ص ٤٣-٤٥


إن ما قرره بعض الفقهاء في كتبهم وفتاواهم من بعض الأحكام التي يحصل للناس بسبب التزامها مشقة عظيمة، كمن يقول مثلا بحرمة دخول أسواق المسلمين لأن فيها بعض المنكرات، أو حرمة ذهاب المرأة إلى الطبيب لما قد تتعرض له من كشف العورة؛ فإن هذه الأقوال منافية للشريعة الإسلامية السمحة، وكل ما احتاج إليه الناس من ضرورات وحاجيات معيشتهم فإنه لا يمكن تحريمه.