وظيفة السالك – عمل اليوم والليلة

الحمد لله والصلاة والسلام على نبيه وآله وأصحابه وسلم، أما بعد:
فبالرغم من كثرة المؤلفات في باب الأذكار، وإسهامات علمائنا الأفاضل من المتقدمين والمتأخرين في هذا الباب، إلا أن هذا الموضوع بحاجة إلى مزيد عناية، وهي عناية تنشأ من وعي المسلم بالجانب العلمي في موضوع الأذكار، ثم يتبع هذا الوعي عمل على أساس منهجي مستديم.
ويرجع الاعوجاج في التزام الأوراد والأذكار إلى أحد أمرين: إما جنوح إلى مجرد العلم بها على حساب العمل؛ فيقتني الغالب “حصن المسلم” أو “الدعاء المستجاب” أو “الوابل الصيب” أو غيرها من كتب الأذكار، وربما يقرأ فيها، وربما يحفظ بعضها، ولكنه يعجز عن الالتزام والمداومة على هذا الكم من الأذكار، فتؤول به الحيرة إلى ترك الأمر جملة. وهناك طرف آخر يجنح إلى العمل على حساب العلم؛ فيجتهد في أوراد يبتدع محتواها وأعدادها، تروق لها نفسه أو يتابع فيها شيخه، وليس لذلك أصل في كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ.
والقصد هو في الجمع بين العلم والعمل، كما يقول سعيد حوى رحمه الله في كتابه تربيتنا الروحية: “تجد إنسانا يحفظ الكثير عن صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه بعيد عن الاقتداء به، وتجد إنسانا لا يعرف إلا القليل ولكنه حريص على الاقتداء. تجد إنسانا قد أخذ حظه من وراثة النبوة في صفاتها الضرورية كالأمانة والتبليغ والصدق والفطانة، وتجد إنسانا يتكلم في مثل هذا وهو أبعد الناس عن ذلك. فمجرد العلم شيء، والسير للتحقق في طريق ذلك شيء آخر”. إنها ليست دعوة للتقليل من شأن العلم، بقدر ما هي دعوة للتوازن بين العلم – وإن قل – وبين العمل به.
وهنا يتميز المتابع للسنة على بصيرة من غيره؛ فهو يعلم أن المنطلق لا بد أن يكون من أساس علمي صحيح، ثم هو بحاجة إلى إرادة مع تدرج حتى يُتبع العلمَ العمل. ويظل هذا العمل ينمو ليصير عادة مستديمة تثمر الخير ظاهرا وباطنا. وهذا ما انتهجته هذه الاختيارات من الذكر والعمل كوظيفة للسالك على درب ربه. إنه منهج الجمع بين القصد والمداومة، تطبيقا لما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: سئل النبي ﷺ: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: “أدومها وإن قل”. وقال ﷺ: “اكلفوا من الأعمال ما تطيقون”. فانظر -رحمك الله – إلى دقة سؤال الصحابة رضي الله عنهم عن أكثر شيء يحبه الله من الأعمال، والعجب من أن الوحي النبوي لم يحدد هنا عملا بعينه، بل حدد وصفين للعمل الصالح إن تحلى بهما المؤمن انتقل العمل إلى المنزلة القصوى من محبة الله تعالى؛ إنهما الوصفان اللذان جمعا القصد والمداومة؛ فليست العبرة إذن بأعظم الأعمال أجرا إن لم يداوم عليها المرء.
إن طرائق التعليم المعروفة تتدرج في الارتقاء من مرحلة إلى ما يليها وفقا لما يناسب الفئة العمرية من معارف وغيرها. فليس الغرض هو حشو الأذهان بالمعلومات ولكنه الاستيعاب والتشبع وتحميل العقول ما تطيقه من مكتسبات تؤدي إلى ما بعدها. يقول المقدسي في كتابه مختصر منهاج القاصدين: “والنفس متى وقفت على فن واحد حصل لها ملل، فمن التلطف نقلها من فن إلى فن، وقد قال الله تعالى: {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا * ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا} [الإنسان: 25 – 26]، فهذا ونحوه مما ذكر من الآيات في ذلك يدل على أن الطريق إلى الله تعالى مراقبة الأوقات وعمارتها بالأوراد على الدوام”.
إن المغزى من “وظيفة السالك” هو توطين النفس على إتيان اليسير النافع الدائم من عمل اليوم والليلة كاملا وعلى الدوام، أي كل ورد في كل وقت؛ فلا يحصل التفريط في أحد الأوراد ولا في بعض الأوقات. ولو تأملنا في علاقة “المريد” “بالشيخ” لوجدنا هذه السمة، أعني الالتزام بالأوراد والأعمال التي يضربها الشيخ كاملة تامة بلا نقصان. وهذا هو الفارق بين المواظبة وبين العمل الذي يأتي منه العامل ويدع بحسب الظروف والأحوال.
فلأجل ما بينا كانت هذه الاختيارات طمعا في المداومة اتباعا للمنهج النبوي في بلوغ أحب الأعمال إلى الله. فاجتهدنا لأن ننتقي للسالك باقة مختارة من الأوراد والأذكار التي هي في أعلى درجات الصحة ولا خلاف إن شاء الله في التزامها على الدوام. والهدف منها ليس الحصر ولا المقابلة، ولكنه الالتزام والمداومة من خلال إصابة صحيح السنة بأنجع أدوية القلوب، مع تأخير بعض الأوراد المشابهة التي تقوم الوظيفة مقامها. وقد تضمنت وظيفة السالك المختارة جملة من الأعمال المفروضة والمندوبة وهي: الصلاة على وقتها، وصلاة الليل، وحزب القرآن، والسنن الرواتب، وبعض المختارات من صحيح الأذكار، والإنفاق في سبيل الله.
وقد صممت هذه الوظيفة اليومية للسالك على نحو جديد يتألف من عمودين؛ الأول للورد المختار، والثاني أدلة الكتاب وصحيح السنة لا سيما الصحيحين، كل ذلك تحت شعار من قول الله تعالى: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون} [العنكبوت: 45]، فلعلها الآية الأجمع للوظائف المقصودة.
ولا يتعقبن سائل السبب من وراء اختيار بعينه في الوظيفة وترك آخر، أو اختيار قدر يسير على العظيم المبثوث في السنة، فإنه يجاب عنه – إضافة إلى ما سبق – بالكثير من الأحاديث: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “إن الدين يسر، ولن يشاد الدين إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة” [رواه البخاري]، وفي رواية: “القصد القصد تبلغوا”. وعن أنس رضي الله عنه قال: دخل النبي ﷺ المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: “ما هذا الحبل؟” قالوا: هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلقت به، فقال النبي: “حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد” [متفق عليه]. فهي دعوة ألا تستقل – أخي الكريم – هذه القطوف المنتقاة.
ويعزز ذلك ما رواه عمرو بن العاص رضي الله عنهما: “أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كنته فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشا، ولم يفتش لنا كنفا منذ أتيناه. فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي ﷺ فقال: “القني به”، فلقيته بعد، فقال: “كيف تصوم؟”، قال: كل يوم، قال: “وكيف تختم؟”، قال: “كل ليلة”، قال: “صم في كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كل شهر”، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: صم ثلاثة أيام في الجمعة”، قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: “أفطر يومين وصم يوما”، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: “صم أفضل الصوم صوم داود، صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرة”، فليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ، وذاك أني كبرت وضعفت، فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار، والذي يقرؤه يعرضه من النهار، ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياما، وأحصى، وصام مثلهن؛ كراهية أن يترك شيئا فارق النبي ﷺ عليه” [رواه البخاري].
ومما تجدر الإشارة إليه عدم تعميم هذه الوظيفة إلا لمن يغلب الظن بأنه يواظب عليها قدرا من الزمان، فهكذا كان سلفنا الصالح يفعلون، تطبيقا لمنهجية إتباع العلم العمل. يقول الغزالي في إحياء علوم الدين: “ولهذا الخطر العظيم والخطب الهائل شمر الموفقون عن ساق الجد، ودعوا بالكلية ملاذ النفس، واغتنموا بقايا العمر، ورتبوا بحسب تكرر الأوقات وظائف الأوراد؛ حرصا على إحياء الليل والنهار في طلب القرب من الملك الجبار، والسعي إلى دار القرار، فصار من مهمات علم طريق الآخرة تفصيل القول في كيفية قسمة الأوراد وتوزيع العبادات”.

وظيفة السالك هي مجموعة منتقاة من أصول عمل المسلم في اليوم والليلة؛ من صلاة وذكر وإنفاق، نوصي أنفسنا بأخذها بقوة والمواظبة عليها بكل أفرادها في كل وقت، توطينا للنفس على الالتزام بالصالحات وتربية للعبد على البقاء في طوق خدمة الملك على الدوام، فإن هذا من أحب أعماله إليه.

أضف تعليق