جديد المقالات

واجب الوقت: دليل مختصر للسالكين على درب العلم والعمل – د. محمد مصطفى الشيخ

ومن هنا كان حريا بالناصح لإخوانه ولمعاشر المسلمين عموما أن يجتهد في تقريب ما عم الاحتياج له من أصول المنهج ومعالمه؛ فإن السبيل إلى تفاصيل العلوم وآحاد المواعظ والدروس ممهدة لا مشقة في تحصيلها، خلافا لكليات السير، وأسس التحصيل والعمل، فإن مظانها بعيدة الملتمس.

وهذه الرسالة تجتهد في رسم السبيل الذي يحقق المسلم العامل لدين الله من خلاله واجب الوقت، مبينة واقع المسلم الحالي والمفاهيم المغلوطة التي تعوق سيره. فإذا انضبطت هذه المعاني لديه واتسع أفقه، لم يعوزه سوى الوسائل العملية المباشرة التي سيتحرك من خلالها في مختلف الميادين. وما تعرضه هذه الورقات لمحات مختصرة في هذا الباب، تتحرى سرد النكت والفوائد، وتستغني بالإحالة والإشارة عن الإسهاب وتكرار العبارة.

من مقدمة الكتاب – د. محمد مصطفى الشيخ

الدين القيم: توحيد الله عز وجل – د. محمد مصطفى الشيخ

إن بيان أصول التوحيد والإيمان وتقرير ما يتعلق بهما من المسائل بالدلائل لا يستغني عنه عالم ولا متعلم، وهو – كما قيل – نور على نور. وهذا الكتاب الذي بين يديك “الدين القيم – توحيد الله عز وجل” هو بحث حول “توحيد الألوهية” أو “توحيد العبادة”، اجتهد فيه المصنف أن يجمع أطراف هذا الموضوع العظيم ويرسي عُمُد بنائه، ليكون مدخلا بين يدي طالب العلم لفهم قضية التوحيد من أساسها، وتمهيدا له لدَرسِ متعلقاتها وأحكامها فيما بعد على التفصيل، ومختصرا يرجع إليه الذين جالوا من قبل في رياض هذا العلم الشريف، وعونا ودليلا للسائرين على درب {قل هذه سبيلي}.

وقد انتظم “الدين القيم” جزأين كبيرين: الأول وهو “حقيقة التوحيد والإيمان”، واشتمل على قواعد وأصول في هذا الباب، مبينا إياها من منظور عقدي، كي يكون عونا للدارس على فهم حقيقة التوحيد والإيمان وما يضادهما، معتنيا بتبيان الأمور التي يصح أن يقال عنها إنها أصل الدين. والثاني هو “الحكم بالإسلام والكفر: قواعد وأصول”، وهو مبني على الأول، فموضوعه الثمرة الدنيوية للتوحيد والإيمان (أحكام الظاهر)، فاشتمل بذلك على قواعد وأصول في أحكام الإسلام والإيمان وناقضهما، وهي مباحث جديرة بأن تكون الصلة بين مباحث الاعتقاد والأصول من جهة، وبين مباحث الفروع من جهة أخرى.

من مقدمة الكتاب – د. محمد مصطفى الشيخ

وظيفة السالك – عمل اليوم والليلة

الحمد لله والصلاة والسلام على نبيه وآله وأصحابه وسلم، أما بعد:
فبالرغم من كثرة المؤلفات في باب الأذكار، وإسهامات علمائنا الأفاضل من المتقدمين والمتأخرين في هذا الباب، إلا أن هذا الموضوع بحاجة إلى مزيد عناية، وهي عناية تنشأ من وعي المسلم بالجانب العلمي في موضوع الأذكار، ثم يتبع هذا الوعي عمل على أساس منهجي مستديم.
ويرجع الاعوجاج في التزام الأوراد والأذكار إلى أحد أمرين: إما جنوح إلى مجرد العلم بها على حساب العمل؛ فيقتني الغالب “حصن المسلم” أو “الدعاء المستجاب” أو “الوابل الصيب” أو غيرها من كتب الأذكار، وربما يقرأ فيها، وربما يحفظ بعضها، ولكنه يعجز عن الالتزام والمداومة على هذا الكم من الأذكار، فتؤول به الحيرة إلى ترك الأمر جملة. وهناك طرف آخر يجنح إلى العمل على حساب العلم؛ فيجتهد في أوراد يبتدع محتواها وأعدادها، تروق لها نفسه أو يتابع فيها شيخه، وليس لذلك أصل في كتاب الله ولا سنة نبيه ﷺ.
والقصد هو في الجمع بين العلم والعمل، كما يقول سعيد حوى رحمه الله في كتابه تربيتنا الروحية: “تجد إنسانا يحفظ الكثير عن صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكنه بعيد عن الاقتداء به، وتجد إنسانا لا يعرف إلا القليل ولكنه حريص على الاقتداء. تجد إنسانا قد أخذ حظه من وراثة النبوة في صفاتها الضرورية كالأمانة والتبليغ والصدق والفطانة، وتجد إنسانا يتكلم في مثل هذا وهو أبعد الناس عن ذلك. فمجرد العلم شيء، والسير للتحقق في طريق ذلك شيء آخر”. إنها ليست دعوة للتقليل من شأن العلم، بقدر ما هي دعوة للتوازن بين العلم – وإن قل – وبين العمل به.
وهنا يتميز المتابع للسنة على بصيرة من غيره؛ فهو يعلم أن المنطلق لا بد أن يكون من أساس علمي صحيح، ثم هو بحاجة إلى إرادة مع تدرج حتى يُتبع العلمَ العمل. ويظل هذا العمل ينمو ليصير عادة مستديمة تثمر الخير ظاهرا وباطنا. وهذا ما انتهجته هذه الاختيارات من الذكر والعمل كوظيفة للسالك على درب ربه. إنه منهج الجمع بين القصد والمداومة، تطبيقا لما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: سئل النبي ﷺ: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: “أدومها وإن قل”. وقال ﷺ: “اكلفوا من الأعمال ما تطيقون”. فانظر -رحمك الله – إلى دقة سؤال الصحابة رضي الله عنهم عن أكثر شيء يحبه الله من الأعمال، والعجب من أن الوحي النبوي لم يحدد هنا عملا بعينه، بل حدد وصفين للعمل الصالح إن تحلى بهما المؤمن انتقل العمل إلى المنزلة القصوى من محبة الله تعالى؛ إنهما الوصفان اللذان جمعا القصد والمداومة؛ فليست العبرة إذن بأعظم الأعمال أجرا إن لم يداوم عليها المرء.
إن طرائق التعليم المعروفة تتدرج في الارتقاء من مرحلة إلى ما يليها وفقا لما يناسب الفئة العمرية من معارف وغيرها. فليس الغرض هو حشو الأذهان بالمعلومات ولكنه الاستيعاب والتشبع وتحميل العقول ما تطيقه من مكتسبات تؤدي إلى ما بعدها. يقول المقدسي في كتابه مختصر منهاج القاصدين: “والنفس متى وقفت على فن واحد حصل لها ملل، فمن التلطف نقلها من فن إلى فن، وقد قال الله تعالى: {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا * ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا} [الإنسان: 25 – 26]، فهذا ونحوه مما ذكر من الآيات في ذلك يدل على أن الطريق إلى الله تعالى مراقبة الأوقات وعمارتها بالأوراد على الدوام”.
إن المغزى من “وظيفة السالك” هو توطين النفس على إتيان اليسير النافع الدائم من عمل اليوم والليلة كاملا وعلى الدوام، أي كل ورد في كل وقت؛ فلا يحصل التفريط في أحد الأوراد ولا في بعض الأوقات. ولو تأملنا في علاقة “المريد” “بالشيخ” لوجدنا هذه السمة، أعني الالتزام بالأوراد والأعمال التي يضربها الشيخ كاملة تامة بلا نقصان. وهذا هو الفارق بين المواظبة وبين العمل الذي يأتي منه العامل ويدع بحسب الظروف والأحوال.
فلأجل ما بينا كانت هذه الاختيارات طمعا في المداومة اتباعا للمنهج النبوي في بلوغ أحب الأعمال إلى الله. فاجتهدنا لأن ننتقي للسالك باقة مختارة من الأوراد والأذكار التي هي في أعلى درجات الصحة ولا خلاف إن شاء الله في التزامها على الدوام. والهدف منها ليس الحصر ولا المقابلة، ولكنه الالتزام والمداومة من خلال إصابة صحيح السنة بأنجع أدوية القلوب، مع تأخير بعض الأوراد المشابهة التي تقوم الوظيفة مقامها. وقد تضمنت وظيفة السالك المختارة جملة من الأعمال المفروضة والمندوبة وهي: الصلاة على وقتها، وصلاة الليل، وحزب القرآن، والسنن الرواتب، وبعض المختارات من صحيح الأذكار، والإنفاق في سبيل الله.
وقد صممت هذه الوظيفة اليومية للسالك على نحو جديد يتألف من عمودين؛ الأول للورد المختار، والثاني أدلة الكتاب وصحيح السنة لا سيما الصحيحين، كل ذلك تحت شعار من قول الله تعالى: {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون} [العنكبوت: 45]، فلعلها الآية الأجمع للوظائف المقصودة.
ولا يتعقبن سائل السبب من وراء اختيار بعينه في الوظيفة وترك آخر، أو اختيار قدر يسير على العظيم المبثوث في السنة، فإنه يجاب عنه – إضافة إلى ما سبق – بالكثير من الأحاديث: فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “إن الدين يسر، ولن يشاد الدين إلا غلبه، فسددوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة” [رواه البخاري]، وفي رواية: “القصد القصد تبلغوا”. وعن أنس رضي الله عنه قال: دخل النبي ﷺ المسجد فإذا حبل ممدود بين الساريتين فقال: “ما هذا الحبل؟” قالوا: هذا حبل لزينب فإذا فترت تعلقت به، فقال النبي: “حلوه، ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد” [متفق عليه]. فهي دعوة ألا تستقل – أخي الكريم – هذه القطوف المنتقاة.
ويعزز ذلك ما رواه عمرو بن العاص رضي الله عنهما: “أنكحني أبي امرأة ذات حسب، فكان يتعاهد كنته فيسألها عن بعلها، فتقول: نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشا، ولم يفتش لنا كنفا منذ أتيناه. فلما طال ذلك عليه ذكر للنبي ﷺ فقال: “القني به”، فلقيته بعد، فقال: “كيف تصوم؟”، قال: كل يوم، قال: “وكيف تختم؟”، قال: “كل ليلة”، قال: “صم في كل شهر ثلاثة، واقرأ القرآن في كل شهر”، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: صم ثلاثة أيام في الجمعة”، قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: “أفطر يومين وصم يوما”، قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: “صم أفضل الصوم صوم داود، صيام يوم وإفطار يوم، واقرأ في كل سبع ليال مرة”، فليتني قبلت رخصة رسول الله ﷺ، وذاك أني كبرت وضعفت، فكان يقرأ على بعض أهله السبع من القرآن بالنهار، والذي يقرؤه يعرضه من النهار، ليكون أخف عليه بالليل، وإذا أراد أن يتقوى أفطر أياما، وأحصى، وصام مثلهن؛ كراهية أن يترك شيئا فارق النبي ﷺ عليه” [رواه البخاري].
ومما تجدر الإشارة إليه عدم تعميم هذه الوظيفة إلا لمن يغلب الظن بأنه يواظب عليها قدرا من الزمان، فهكذا كان سلفنا الصالح يفعلون، تطبيقا لمنهجية إتباع العلم العمل. يقول الغزالي في إحياء علوم الدين: “ولهذا الخطر العظيم والخطب الهائل شمر الموفقون عن ساق الجد، ودعوا بالكلية ملاذ النفس، واغتنموا بقايا العمر، ورتبوا بحسب تكرر الأوقات وظائف الأوراد؛ حرصا على إحياء الليل والنهار في طلب القرب من الملك الجبار، والسعي إلى دار القرار، فصار من مهمات علم طريق الآخرة تفصيل القول في كيفية قسمة الأوراد وتوزيع العبادات”.

وظيفة السالك هي مجموعة منتقاة من أصول عمل المسلم في اليوم والليلة؛ من صلاة وذكر وإنفاق، نوصي أنفسنا بأخذها بقوة والمواظبة عليها بكل أفرادها في كل وقت، توطينا للنفس على الالتزام بالصالحات وتربية للعبد على البقاء في طوق خدمة الملك على الدوام، فإن هذا من أحب أعماله إليه.

قوانين البيت المسلم: 1-النظافة والطهارة

قال رسول الله ﷺ: “الطهور شطر الإيمان” [مسلم]. من أولى ميزات المسلم في نفسه وفي بيته وفي دائرة بيته نظافته، وقد يشترك غير المسلم مع المسلم بالنظافة ولكن المسلم يتميز بالطهارة، والطهارة حكم شرعي مرتبط بأسبابه قد يتلازم مع النظافة وقد لا يتلازم؛ فالكحول مثلاً منظف ولكنه غير مطهر، إلا أن ارتباط الطهارة بالماء في الغالب يجعل هناك تلازمًا إلى حدٍ كبير بين الطهارة والنظافة، فالمسلم يعني بالطهارة والنظافة بآن واحد، وهذا ما يجعله متميزًا عن أصناف الناس، فهو يتحاشى الأوساخ والنجاسات، ويزيلها حسية ومعنوية.
ولتحقيق النظافة والطهارة في النفس يلاحظ المسلم أن يكون على طهارة البدن دائمًا ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. ومع المحافظة على طهارة البدن فإن المسلم يحرص على طهارة الثياب.
ومع الحرص على طهارة الثوب والبدن ونظافتهما فإن المسلم يحرص على الطهارة والنظافة في بيته، ومن ثَمَّ فإنه يلاحظ طهارة البيت وطهارة أدواته وطهارة أثاثه ما أمكن، ويتعين عليه تخصيص مكان الصلاة بمزيد عناية في الطهارة، ويراعى أن تكون سلال المهملات كافية حتى لا تبعثر الأوساخ في البيت، ويخص الحمام والمرحاض بمزيد عناية، ويلاحظ تراكم الغبار على كل شيء في البيت فينظَّف، ومع ملاحظته النظافة داخل بيته فهو يحرص على النظافة في ما يحيط بالبيت، فيلاحظ أن يبقى فناء البيت نظيفًا من الأوساخ والأقذار والغبار، وكل ما يؤذي النظر من مناظر.
وليلحظ المسلم لتحقيق النظافة ما يلي:
أولاً: أن يُعوِّدَ المسلم نفسه وأهل بيته ألا يلقوا شيئًا من الأوراق أو المستعملات إلا في سلات المهملات وخاصة الأوراق التي يستعملها للطهارة، فلا يلقيها داخل الحمام إلا في سلة المهملات. ومما يحسن أن يلاحظ بألا تلقى أوساخ المطبخ إلا في المكان المخصص لها وضمن صندوق خاص ذي غطاء بعيدًا عن متناول أيدي الأطفال، وأن ينظف الصندوق ومكانه دائمًا ويعقَّمان. ومن المناسب ألا تلقى أوساخ الأواني المستعملة في مصارف المياه مثلاً لئلا تؤدي إلى انسدادها، ويستحسن أن تتلقى بمصفاة توضع تحت صنابير المياه عند التنظيف، ثم تلقى بقايا الطعام وغيرها في مكان آخر مناسب لها.
ثانيًا: أن تنظم المرأة أوقات غسيل الثياب وغسيل أدوات الطعام وكل ما يتَّسخ في البيت في مواعيد محددة.
ثالثًا: يلاحظ أهل البيت الأشياء التي يتجمع فيها الغبار فيخصوها بالنظافة.
رابعًا: أن تكون هناك مواعيد محددة لكنس البيت بما يتفق مع وضع أهل البيت.
خامسًا: أن ينظم أهل البيت غسل أجسامهم حيث لا يمر أسبوع بدون اغتسال، ومن السنة الاغتسال كل يوم جمعة، واستعمال السواك لتنظيف الأسنان وتقوية اللثة فإن لم يكن فاستعمال الفرشاة مع المعجون، وهذا يحافظ على الأسنان من التسوس والتلف ويساعد على بقاء رائحة الفم طيبة، واستعمال السواك سنة يستحسن اتباعها والمحافظة عليها.
سادسًا: أن ينظم أهل البيت أمر التخلص من النفايات بحيث لا تؤذيهم ولا تؤذي غيرهم. وأهم ما يلاحظ في النظافة: المطبخ والحمام والعقوبات التي تصيب البيت بسبب إهمال تهويته.
سابعًا: وقد يصاب أحد من أفراد البيت المسلم بالوسوسة بنظافة أو الطهارة فيغلو في ذلك، وقد يصاب بالتساهل فيفرط وكل منهما يحتاج إلى علاج، والعلاج في العلم، ولكن علاج الوسوسة يختلف عن علاج التساهل، فالموسوس يُعرّف على رخص المذاهب في الطهارة، والمتساهل يعرف على ما ورد في السنة في التشديد في الطهارة، والوسوسة تضييع للمال والجهد والوقت، فهي تدخل أصحابها في دائرة الإسراف لذلك كان علاجها ضرورياً وذلك من خلال التعرف برخص المذاهب.
فمن رخص المالكية:
– أن الطهارة من النجاسة الحسية في الثوب والجسم والمكان سنة وليست فريضة.
– أن الماء ولو كان قليلاً إذا أصابته نجاسة فلم تغير لونه أو طعمه أو ريحه يبقى طاهرًا.
ومن رخص الحنفية:
– أن حبل الغسيل ولو كان نجسًا إذا كان جافّا ونشر عليه الغسيل فإن الغسيل لا يتنجس.
– أن سجاد (الموكيت) إذا كان ملصقًا بالأرض فله حكم الأرض، فجفاف النجاسة وزوال أثرها مطهر له.
– أنه إذا أصيب ثوب أو مكان بنجاسة ولم يعرف مكانها، فأي مكان غلب على الظن أنه هو وغسل طهر به الشيء.
– أن السجاد أو الحصير إذا كان نجساً وجفّ وداس عليه المتوضئ برجله المبلولة ولم يظهر أثر النجاسة على رجله، فإن ذلك لا ينجسها.
ومن رخص الشافعية:
– أن ورود الماء على النجاسة الحكمية كالبول الناشف يطهر النجاسة ويبقى الماء طاهراً، وفروع هذه المسألة كثيرة، فإذا أصيب حصير أو سجاد ببول مثلاً، ونشف فإنه يكفي أن يصب عليه الماء، فيطهر المكان ويبقى الماء طاهراً، فإذا ترك المكان للجفاف يطهر تلقائياً، ولو أن ثوباً أصيب بنجاسة حكمية فصب على المكان ماء فالمكان طهر والماء طاهر، فما تناثر منه على بقية الجسد أو الثوب فهو طاهر، ولو أن امرأة وضعت ثياب طفلها في الغسالة الخالية ثم صبت عليها ماءً، فالثياب تطهر والماء طاهر، فما أصابها منه طاهر لا يُنجِّس، وإذا فاض الماء في إناءٍ فيه ثياب نجسة بحيث صبّ من جوانب الإناء طهر الإناء وما فيه عند الحنفية. إن معرفة رخص المذاهب نوع علاج للوسوسة.
ومن رخص المذاهب أن الكحول أو الخمرة أو ما ينتج عن الكحول من عطور وأدوية ليست نجسة نجاسة حسية، فالخمر نفسها عند هؤلاء نجسة نجاسة معنوية.
لكن مثل هذه المسائل نعرف عليها من أصيب بالوسوسة ليشفى منها، أما المتساهل فندربه على المحافظة العملية على طهارته ونظافته.

الهشاشة النفسية عند الشباب

ثلاثة عشر عاما من المشقة والكبد ليست بكافية كما يرى الكثيرون لإعداد جيل حمل الأرض على عواتقه الشداد وجاد في ذلك بعرق جبينه الذي لن يهون؛ أجل إنها ليست بكافية لإعداد جيل من الرجال ذوي البأس، فكيف وقد تبوأت تلك الأعوام القلائل في صفحات التاريخ مكانا لتوضع فيه، لتكون إعدادا للإنسان؛ الإنسان الذي يحمل هوية، ويبشر برسالة خالدة.

فهؤلاء الرجال قد جهزتهم الأقدار للنبأ العظيم على مدى سنين طوال قبل بلوغه إياهم؛ والطبيعة شاهدة قبل المعدن، والرمال حافظة الأثر، والشيم الأصيلة جاوزت الحد أحيانا، والنوازل تنازلت أمام متانة النفوس وصلابة المشاعر. والفصاحة نالت الدواب بل والأصنام فنسجت لها من الشعر قصائد وخرائد، وتحلى الزمان بعزة وأي عزة، حتى إن النهج الجديد عاملها بالتهذيب! والشاهد ليس في شيمهم أفي باطل أم حق، الشاهد في طبيعة النفسية، في الفرد السوي، الذي بلغ من القوة النفسية محل الاستقرار!

على أن أهل الجاهلية مع كل ما اعتادوه من الفواحش والكبائر تحت وطأة الجهل، لم تنل من نفوسهم هشاشة أو شية، ولم نر فيهم حالةً كنا قبلا نسميها خارمةً للمروءة.

ثلاثة عشر عاما من التربية والإعداد على شيم وقيم تكمل لهؤلاء الرجال ما تركوه، رفعت فيها قواعد قد كانت أرسيت، وربي فيها جيل هم خيار الخلق بعد الأنبياء، قام بذلك أصدقهم وآمنهم، النبي محمد ﷺ، مثلما سبقه أبواه إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل إذ يرفعان القواعد من البيت الحرام بعد أن وضعتها الملائكة في الأرض. فقد أعد الله العرب ليبرعوا في “الرجولة”، والتزام المروءة وصلابة النفس! قبل أن يبعث النبي ﷺ لهذه الأخلاق متمما، فأعجز فصاحتهم التي برعوا فيها بالنبأ العظيم – القرآن. ليقطع كل موصول بجاهليتهم العمياء، ويمد حبلا أوطد يُعتصم به، ومنهاجا أعمق في الفكر يستنار به؛ في طريقهم لبناء خير أمة.

فإن كانت ثلاثة عشر عاما قد أعدت من ولدوا رجالا ليصيروا حملة للدين، فحري بنا في يومنا هذا تحري طرائق إخراج هؤلاء الرجال، ثم لنشرع – متى عزمنا – في إخراج تلك الأمة وقتما وجد الرجال!

وعلى أكتاف تلك العصبة، وهم الذين حازوا المرتبة الأولى في المجتمع المسلم الأول – السابقون الأولون – استكمل الرسول الخاتم بناء ذلك الجيل في عشر سنوات أخر، لتقوم دولة الإسلام قومة لا ذهاب لها بعد ثلاثة وعشرين عاما من التأسيس والبناء.

ويجب أن نتفق في البداية على شيء هام؛ وهو أن مشكلة ضخمة لم تعد في نقاش ثبوت عدة قضايا في الإسلام من عدمه، لم يعد الأمر متعلقا دوما بقضايا المرجعية الإسلامية أو هيمنة ولاية الراعي في نطاق رعيته، أو الرجوع لشرع الله حكما ونظاما. بل وكذلك لم يعد من المقبول – مع الكثيرين – الحديث عن الولاء والبراء كعنوان موقف أو مقام.

فقبل ذكر تلك المبادئ، يتعين أن نتأكد من قبول نفسية الإنسان لمصدرها أصلا!

وإن هاتين القضيتين، وغيرهما من القضايا الكبرى في شأن العقيدة والإسلام، ليستا سوى امتداد للب العقيدة نفسها. فلا حاجة لتفصيلها في تقديم خاص منفصل، وإنما يكفي التأسيس العقدي السليم، بتدريج القرآن والسيرة على نهج معلوم، حتى تترسخ بانسياب وتلقائية كما ترسخت في نفوس المسلمين الأوائل!

ويجب أن نتفق كذلك، أن النفوس المتلقية للعقيدة، لم يعد بها شدة عمر، ولا رأفة أبي بكر. إنما هي نفوس مشوهة لا يعرف لها طبع أصيل. ولم يعد بالنفوس المتلقية للعقيدة نفسا تعرف من معاني العزة ولو معنى البكاء! فصارت النفوس – إلا ما رحم الله – تساق على هينة نحو الاستسلام لحوادث الأيام والليالي.

تجلى الطفرة بين الجيل والجيل أكثر ما تتجلى في جيل Z وهو جيل المواليد الواقع منذ 1997م نزولا إلى الألفية الثالثة. فشاعت فيه مظاهر الهشاشة النفسية، بكل ما مروا به من سد لآفاقهم الحالمة؛ فاستحال أبناء الجيل ضحايا للشعور بالخواء، والذي يجعلهم أكثر عرضة لإلحاق الضرر بأنفسهم، نفسيا وجسديا، ومن حولهم، تعلقا واحتكاكا. واتسموا كذلك بالحساسية الزائدة، والتي تُنتج بدورها الكثير من المفاهيم التي توحي بالرغبة في الانعزال عن كل ما هو بنّاء، ك “المساحة الآمنة” الذي حوّر عن أصله ليكون “الحماية من أي فكرة معادية أو سلبية”.

وانسابوا في تسويغ أفعالهم بدعوى الحالة النفسية، وعزو أي شعور سلبي لأزمة تستدعي زيارة طبيب نفسي أو معالج.

وكذلك يتسم هؤلاء بالتهرب من الحكم، وكراهية الحكم على الأشخاص؛ (لا تحكم علي!) العبارة التي تتردد على مسامعنا باستمرار في حُلل شتى (لا تحكم على الكتاب من غلافه)، دائما تقترن تلك العبارات في كل موقف تمارَس فيه فريضة الأمر بالمعروف، أو حتى إبداء رأي خاص بأسلوب مهذب. فيصاب الناس بهاجس أنه مهما صدق في نصيحته وزينها، سيأتيه الرد اللاذع بـ (انشغل بنفسك، ودع الخلق للخالق). فتجد الكثيرين قد اندمجوا في المناخات التي لا يعترض فيها أحد على أحد، هروبا من عناء الحكم عليهم من الناس؛ نعم ذلك الذي تغيب فيه تماما معالم إحقاق الحق وإبطال الباطل. ولعل هذا هو ما نبه عليه ابن قدامة رحمه الله قائلًا: (كان السلف رحمهم الله يحبّون من ينبههم على عيوبهم، أما نحن الآن فأبغض الناس إلينا من يعرّفنا عيوبنا).

وقد يهيأ للقارئ أن ما سبق هو المرض الرئيس الذي يعاني منه جيلنا الهش. لكن مع تدقيق بسيط في تلك الظواهر، التي يبدو ظاهريا أن البعض منها مستقل عن بعضه، وأن كلا منها يحتاج تشخيصا وعلاجا خاصا بذاته، كالفراغ العاطفي، والشعور بالخواء، وتعظيم المشاعر، وغيرها؛ يتبين أنها ما هي إلا سلسلة من الأعراض لمرض أعم، وهو غياب المركزية الإلهية وحلول مركزية الإنسان محلها، فليست التربية الإيجابية – التي أساسها الدلال والتقدير التام – إلا صور تأليه الإنسان، من الإحساس بالتفرد والاستحقاق، وتغذية الأنانية الشعورية.

والأمر يبدو فعلا أنه معقد وعسير! لكن التغيير في الطبع ممكن، لأن التغيير في الطبع مطلوب..

وقد علَق الإمام الغزالي – رحمه الله – في كتابه ”إحياء علوم الدين”، تعليقا لطيفا على هذه النقطة، في معرض بيان أن كل إنسان قابل للتغيير عموما، وقابل كذلك له من تلقاء نفسه، فقال:

(فنقول: لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير، لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات، ولما قال رسول الله ﷺ حسنوا أخلاقكم! وكيف ينكر هذا في حق الآدمي، وتغيير خلق البهيمة ممكن؟ إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد..)

وعلى هذا وذاك، لم يعد أمر الدعوة بتلك السهولة! فقبول الناس للمصدر صار أبعد لعدة عوامل فكرية ونفسية..

وإن المراد من الدعاة – الآن وفي كل وقت – صار عميقا في أغوار النفس الإنسانية؛ حتى ليتعين على الداعية تقويم منطق البشر، ومعالجة النفسيات الهشة التي جالت في أنفس الشباب. وصار على الداعية تحديد موضع “الورم” النفسي، واختيار الفكرة الإسلامية المتناسبة مع ذلك الورم بعناية.

صار على الداعية احتواء من يدعوه قبل تبليغه، فيلتمس منه موضع الصدود عن دين الله فيزيله. وما بات الصدود شبهات فكرية تزول بجدال بالتي هي أحسن، ولكن أصبح كذلك حوائل نفسية تزول بالعقيدة نفسها، وبمعرفة الله وصفاته!

ثم على الداعية تبليغ ذلك كله باللغة والمنطق الذي يتماشى مع فكره وبيئته، إلى أن يحيل كل ظلمة في النفس إلى نور الإيمان.. والله ولي الهداية والتوفيق.