وهذا حال أئمة المسلمين وسلف الأمة وحملة الحجة فإنهم يخبرون بما عندهم من اليقين والطمأنينة والعلم الضروري.
كما في الحكاية المحفوظة عن “نجم الدين العكبري” لما دخل عليه متكلمان، أحدهما أبو عبد الله الرازي، والآخر: من متكلمي المعتزلة، وقالا: يا شيخ، بلغنا أنك تعلم علم اليقين.
فقال: نعم أنا أعلم علم اليقين.
فقالا: كيف يمكن ذلك ونحن من أول النهار إلى الساعة نتناظر فلم يقدر أحدنا أن يقيم على الآخر دليلا؟ – وأظن الحكاية في تثبيت الإسلام –
فقال: ما أدري ما تقولان، ولكن أنا أعلم علم اليقين.
فقالا: صف لنا علم اليقين؟
فقال: علم اليقين عندنا وارداتٌ ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها.
فجعلا يقولان: واردات ترد على النفوس تعجز النفوس عن ردها، ويستحسنان هذا الجواب.
وذلك لأن طريق أهل الكلام تقسيم العلوم إلى ضروري وكسبي أو بديهي ونظري. فالنظري الكسبي: لا بد أن يرد إلى مقدمات ضرورية أو بديهية فتلك لا تحتاج إلى دليل وإلا لزم الدور أو التسلسل. والعلم الضروري: هو الذي يلزم نفس المخلوق لزوما لا يمكنه الانفكاك عنه فالمرجع في كونه ضروريا إلى أنه يعجز عن دفعه عن نفسه. فأخبر الشيخ: أن علومهم ضرورية وأنها ترد على النفوس على وجه تعجز عن دفعه.
فقالا له: ما الطريق إلى ذلك؟
فقال: تتركان ما أنتما فيه وتسلكان ما أمركما الله به من الذكر والعبادة.
فقال الرازي: أنا مشغول عن هذا.
وقال المعتزلي: أنا قد احترق قلبي بالشبهات وأحب هذه الواردات. فلزم الشيخ مدة ثم خرج من محل عبادته وهو يقوله: والله يا سيدي ما الحق إلا فيما يقوله هؤلاء المشبهة – يعني: المثبتين للصفات؛ فإن المعتزلة يسمون الصفاتية مشبهة – وذلك أنه علم علما ضروريا لا يمكنه دفعه عن قلبه أن رب العالم لا بد أن يتميز عن العالم وأن يكون بائنا منه له صفات تختص به وأن هذا الرب الذي تصفه الجهمية إنما هو عدم محض.
وهذا موضع الحكاية المشهورة عن الشيخ العارف أبي جعفر الهمداني لأبي المعالي الجويني لما أخذ يقول على المنبر: كان الله ولا عرش.
فقال: يا أستاذ دعنا من ذكر العرش – يعني: لأن ذلك إنما جاء في السمع – أخبرنا عن هذه الضرورة التي نجدها في قلوبنا فإنه ما قال عارف قط “يا الله” إلا وجد من قلبه ضرورة تطلب العلو لا تلتفت يمنة ولا يسرة فكيف ندفع هذه الضرورة عن قلوبنا؟
قال: فلطم أبو المعالي على رأسه وقال: حيرني الهمداني.. حيرني الهمداني.. ونزل.
وذلك لأن نفس استوائه على العرش بعد أن خلق السموات والأرض في ستة أيام علم بالسمع الذي جاءت به الرسل كما أخبر الله به في القرآن والتوراة. وأما كونه عاليا على مخلوقاته بائنا منهم، فهذا أمر معلوم بالفطرة الضرورية التي يشترك فيها جميع بني آدم. وكل من كان بالله أعرف وله أعبد ودعاؤه له أكثر وقلبه له أذكر؛ كان علمه الضروري بذلك أقوى وأكمل. فالفطرة مكملة بالفطرة المنزلة فإن الفطرة تعلم الأمر مجملا والشريعة تفصله وتبينه وتشهد بما لا تستقل الفطرة به. فهذا هذا. والله أعلم.
مجموع الفتاوى | ج٤ ص ٤٣-٤٥
إن الطريق إلى معرفة الله والإيمان الحق يكون بالإخبات والإنابة إلى الله، وليس بالجدل الفلسفي والتنقيب عن الشبهات وردها، وذلك لأن الله تعالى خلق الفطرة السوية عارفة به منقادة له، واعتبر كيف أفحم علماء أهل السنة أهل الكلام بالردود البينة الواضحة.