كي نتحلى بها، لا بد أولا أن نعرف حقيقتها. إنها نفس أورثها الله من السكينة واللذة الناشئة عن إيمانها بالغيب ما طوى عنها الاضطراب، فتطوَّعت للتأثر على النحو الذي يرضي ربها {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: ٢٨]. لقد رزقها الله من أدوات الإيمان ما تجاهد به في هذا الواقع على وجه يَزيد إيمانَها قوة وصلابة. مثل هذه الحصيلة الإيمانية ضبطت حملها، وخففت عنها أثقالا كانت تنوء من قبل بحملها. لقد غمرها اليقين والحب والرجاء والخوف والتوكل والإنابة… فسارعت للعمل فيما يرضيه سبحانه، وتنقَّلت بيُسر من طاعة إلى أخرى. لقد وقر عندها من الإيمان ما نقّى سريرتها، وضبط سلوكها، وأغناها عن الركون لغير باريها. يقول ابن كثير: “فأما النفس الزكية المطمئنة، وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق، فيقال لها: {يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي} [الفجر: ٢٧-٣٠]”.
لقد كانت مثل هذه النفس بالأمس متعبة بدفع وساوس الشيطان عنها حين يزيِّن لها معصية ما، فكانت تارة تنتصر، وتارة تسقط. وكانت بالأمس تحاول جلب خشوع وهي في مقام الذكر والخلوة بربها. وكانت بالأمس تَخرج حينا وتَقعد حينا وهي تسعى للقيام بواجبات الأمر والنهي والدعوة والجهاد.. وكانت تتردد لرحلة في طلب علم.. وكانت تتعثر في الانتظام على وردٍ من ذكر.. وكانت تتكلف للاستزادة من عملِ خير.. وكانت توغل في حزنٍ نشأ عن أخبار مؤلمة.. وكانت.. وكانت.. وهي مأجورة بإذن الله على ما تبذل من جهد. ولكن الجهد كان يستنزف طاقتها، ويُقَلِّص عطاءها، ويُقَلِّل بذلها. ورغم ذلك فإن سبيل وصولها إلى النفس المطمئنة لا يكون إلا بمثل هذه المراغمة والمجاهدة.
ولمزيدِ بشرى فإن لأحوال النفس المؤمنة عموما ذكرا في إيراث الكتاب، يقول تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير * جنات عدن يدخلونها} [فاطر: ٣٢، ٣٣]، يقول عنها الشنقيطي رحمه الله: “ولذا قال بعض أهل العلم: “حُقَّ لهذه الواو أن تكتب بماء العينين”. ولم يبق من المسلمين أحد خارج عن الأقسام الثلاثة” أي النفس الأمارة أو اللوامة أو المطمئنة. فالشاهد هنا هو ما يميز السابق بالخيرات من شعور باللذة في نفسه المطمئنة أدى إلى مضاعفة عطائه في مرضات ربه. ومثال آخر في تلاوة القرآن، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران” [مسلم]. فلكلٍّ من الماهر والمجتهد فضل، ولكن الماهر يبلغ من المكانة درجة الملائكة، ولهذه المكانة من السمو ما لها، ودونه المجتهد الذي يحوز أجر القراءة وأجر المشقة.
هذه بعضٌ من الأوصاف، فمَن السالِكُ إلى هذه النفس المطمئنة سبيلا؟ليس هو المُعرِض، أو المُتكبِّر، أو المستهتر. إن الخطاب هنا لمُريد الطاعة الذي تضعف نفسه فلا يستطيع أن يعبر القنطرة التي تُبَلِّغه الطمأنينة والسكينة.. إنه ممن قال تعالى فيهم -وهم فريق من المؤمنين-: {اثَّاقلتم إلى الأرض} [التوبة: ٣٨]، وقال عن آخرين تأخروا عن الجهاد: {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} [التوبة: ١٠٢]، وقال عن فريق وقع في الذنوب عموما: {للذين يعملون السوء بجهالة} [النساء: ١٧]. لمثل هؤلاء كلمات مستلهمة من الوحيين تُبِلِّغهم بإذن الله السبيل.. وليست الغاية عنهم ببعيد.
إن النفس المطمئنة لم تبلغ هذه الحال منذ بادئ أمرها، ولكنها سلكت درب المجاهدة، وتدرَّجت في السمو حتى هدأت واستقرت بطاعة ربها. يقول تعالى: {ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها} [الشمس: ٧-١٠]. والتزكية رحلة متدرجة تأخذ العبد من محله الذي هو فيه الآن، وتدفع به إلى الأمام.. فهلمَّ نقف على بعض المعالم التي توضح كيف تزكو نفس المؤمن؟
يبدأ الارتقاء -الذي تختلف بدايته من شخص لآخر- من خطوة واحدة إلى الأمام من حيث يقف العبد. هذه الخطوة يوفَّق العبد إليها بأمرين أساسيين هما (الهم) و(الاستعانة). والمقصود بالهم أن تحتل هذه الخطوة أولوية في اهتمامات العبد.. أن تزاحم انشغالاته بالدنيا.. ولسان الحال: سأقوم بهذه الخطوة مهما تكاثرت الصوارف {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا} [سبأ: ٤٦]، فالمطلوب أولا هو هذه القَوْمَة. والمقصود بالاستعانة افتقارٌ يصاحب العبد ألا توفيق إلى هذه الخطوة إلا بعون الله تعالى وتوفيقه {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} [النساء: ٨٣]، وحقا لا يُوَفَّق العبد إلى الهداية إلا إذا رأى الله من قلبه مَحِلّا قابلا. وعن هذه الخطوة إلى الأمام يروي أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال: “إذا تقرَّب العبد إليَّ شبرا تقربتُ إليه ذراعا، وإذا تقرَّب مني ذراعا تقرَّبتُ منه باعا، وإذا أتاني مشيا أتيته هرولة” [البخاري]. فالعبد إذا تقرب إلى ربه تقربا قليلا تقرب الله منه كثيرا، وإذا تقرب منه كثيرا تقرب الرب منه أكثر. وفي هذا تأكيد على ضرورة الخطوة الأولى الزائدة المستطاعة من العبد، مع الترغيب فيما بعدها.
ثم إن هذه الخطوة الأولى تحتاج إلى المحافظة. ويُوَفَّق العبد لهذه المحافظة بأمرين أساسيين كذلك: (الدوام) و(التجدد). والمقصود بالدوام أن يتعاهد العبد خطوته الأولى بالاستمرار عليها دون انقطاع. والمقصود بالتجدد أن يستحضر العبد علما أو تذكرة تصرف عنه الإلف المذموم للطاعة حتى لا تصير عادة بلا مواطئة للقلب معها. هنا تتفتح مسامُّ القلب تدريجيا، وتتنفس الروح جزءا من الصعداء، ويبدأ الإحساس بالطمأنينة في الازدياد بمحافظة العبد على طاعته.
ثم إنه من ثمار المحافظة تأتي (الزيادة). والمقصود بها الرغبة والشوق والتطلع والهم إلى خطوة أخرى من الطاعة، كما يقول ابن القيم: “… فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها: اعملني أيضا، فإذا عملها قالت الثانية كذلك، وهلُمَّ جرا، فيتضاعف الربح وتتزايد الحسنات. وكذلك كانت السيئات أيضا، حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة”. وتتكرر معالم رحلة تزكية مرة تلو الأخرى: خطوة إلى الأمام، ثم محافظة، ثم زيادة.
ومن شأن رحلة المجاهدة المراوحة بين النجاح والسقوط، ولله هنا رحمة يرويها ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال: “إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإنْ هَمَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإنْ هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإنْ هَمَّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة” [مسلم]. والشاهد هنا هو فضل الله تعالى بكتابة الحسنة لمن هَمَّ بها وحيل بينه وبين عملها، وكذلك لمن هَمَّ بالسيئة فانتهى عنها ولم يعملها، ومضاعفة الحسنات لمن عملها، وقصر السيئة كما هي لمن اقترفها.
والقيام بالحسنة يبدد السيئة {إنَّ الحسنات يذهبن السيئات} [هود: ١١٤]، كما أنَّ ترك السيئة يُدخل في الحسنة.. كل منهما يؤثر في الآخر؛ فالعبد يتأخر عن الطاعة بسبب الذنب يصيبه، ويسقط في الذنب لافتقاد طاعة تردعه. أما البشرى الكبرى في شأن المجاهدة فإنها في قوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: ٦٩]، يقول عنها ابن القيم رحمه الله: “علق سبحانه الهداية بالجهاد، فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادا، وأفرض الجهاد جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا. فمن جاهد هذه الأربعة في الله، هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطَّل من الجهاد. قال الجنيد: والذين جاهدوا أهواءهم فينا بالتوبة، لنهدينهم سبل الإخلاص، ولا يتمكن من جهاد عدوه في الظاهر، إلا من جاهد هذه الأعداء باطنا، فمن نُصر عليها نُصر على عدوه، ومن نُصرت عليه، نُصر عليه عدوه”.