ما السبيل إلى نفس مطمئنة؟

كي نتحلى بها، لا بد أولا أن نعرف حقيقتها. إنها نفس أورثها الله من السكينة واللذة الناشئة عن إيمانها بالغيب ما طوى عنها الاضطراب، فتطوَّعت للتأثر على النحو الذي يرضي ربها {الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب} [الرعد: ٢٨]. لقد رزقها الله من أدوات الإيمان ما تجاهد به في هذا الواقع على وجه يَزيد إيمانَها قوة وصلابة. مثل هذه الحصيلة الإيمانية ضبطت حملها، وخففت عنها أثقالا كانت تنوء من قبل بحملها. لقد غمرها اليقين والحب والرجاء والخوف والتوكل والإنابة… فسارعت للعمل فيما يرضيه سبحانه، وتنقَّلت بيُسر من طاعة إلى أخرى. لقد وقر عندها من الإيمان ما نقّى سريرتها، وضبط سلوكها، وأغناها عن الركون لغير باريها. يقول ابن كثير: “فأما النفس الزكية المطمئنة، وهي الساكنة الثابتة الدائرة مع الحق، فيقال لها: {يا أيتها النفس المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي في عبادي * وادخلي جنتي} [الفجر: ٢٧-٣٠]”.

لقد كانت مثل هذه النفس بالأمس متعبة بدفع وساوس الشيطان عنها حين يزيِّن لها معصية ما، فكانت تارة تنتصر، وتارة تسقط. وكانت بالأمس تحاول جلب خشوع وهي في مقام الذكر والخلوة بربها. وكانت بالأمس تَخرج حينا وتَقعد حينا وهي تسعى للقيام بواجبات الأمر والنهي والدعوة والجهاد.. وكانت تتردد لرحلة في طلب علم.. وكانت تتعثر في الانتظام على وردٍ من ذكر.. وكانت تتكلف للاستزادة من عملِ خير.. وكانت توغل في حزنٍ نشأ عن أخبار مؤلمة.. وكانت.. وكانت.. وهي مأجورة بإذن الله على ما تبذل من جهد. ولكن الجهد كان يستنزف طاقتها، ويُقَلِّص عطاءها، ويُقَلِّل بذلها. ورغم ذلك فإن سبيل وصولها إلى النفس المطمئنة لا يكون إلا بمثل هذه المراغمة والمجاهدة.

ولمزيدِ بشرى فإن لأحوال النفس المؤمنة عموما ذكرا في إيراث الكتاب، يقول تعالى: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير * جنات عدن يدخلونها} [فاطر: ٣٢، ٣٣]، يقول عنها الشنقيطي رحمه الله: “ولذا قال بعض أهل العلم: “حُقَّ لهذه الواو أن تكتب بماء العينين”. ولم يبق من المسلمين أحد خارج عن الأقسام الثلاثة” أي النفس الأمارة أو اللوامة أو المطمئنة. فالشاهد هنا هو ما يميز السابق بالخيرات من شعور باللذة في نفسه المطمئنة أدى إلى مضاعفة عطائه في مرضات ربه. ومثال آخر في تلاوة القرآن، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران” [مسلم]. فلكلٍّ من الماهر والمجتهد فضل، ولكن الماهر يبلغ من المكانة درجة الملائكة، ولهذه المكانة من السمو ما لها، ودونه المجتهد الذي يحوز أجر القراءة وأجر المشقة.

هذه بعضٌ من الأوصاف، فمَن السالِكُ إلى هذه النفس المطمئنة سبيلا؟ليس هو المُعرِض، أو المُتكبِّر، أو المستهتر. إن الخطاب هنا لمُريد الطاعة الذي تضعف نفسه فلا يستطيع أن يعبر القنطرة التي تُبَلِّغه الطمأنينة والسكينة.. إنه ممن قال تعالى فيهم -وهم فريق من المؤمنين-: {اثَّاقلتم إلى الأرض} [التوبة: ٣٨]، وقال عن آخرين تأخروا عن الجهاد: {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} [التوبة: ١٠٢]، وقال عن فريق وقع في الذنوب عموما: {للذين يعملون السوء بجهالة} [النساء: ١٧]. لمثل هؤلاء كلمات مستلهمة من الوحيين تُبِلِّغهم بإذن الله السبيل.. وليست الغاية عنهم ببعيد.

إن النفس المطمئنة لم تبلغ هذه الحال منذ بادئ أمرها، ولكنها سلكت درب المجاهدة، وتدرَّجت في السمو حتى هدأت واستقرت بطاعة ربها. يقول تعالى: {ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها} [الشمس: ٧-١٠]. والتزكية رحلة متدرجة تأخذ العبد من محله الذي هو فيه الآن، وتدفع به إلى الأمام.. فهلمَّ نقف على بعض المعالم التي توضح كيف تزكو نفس المؤمن؟

يبدأ الارتقاء -الذي تختلف بدايته من شخص لآخر- من خطوة واحدة إلى الأمام من حيث يقف العبد. هذه الخطوة يوفَّق العبد إليها بأمرين أساسيين هما (الهم) و(الاستعانة). والمقصود بالهم أن تحتل هذه الخطوة أولوية في اهتمامات العبد.. أن تزاحم انشغالاته بالدنيا.. ولسان الحال: سأقوم بهذه الخطوة مهما تكاثرت الصوارف {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا} [سبأ: ٤٦]، فالمطلوب أولا هو هذه القَوْمَة. والمقصود بالاستعانة افتقارٌ يصاحب العبد ألا توفيق إلى هذه الخطوة إلا بعون الله تعالى وتوفيقه {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} [النساء: ٨٣]، وحقا لا يُوَفَّق العبد إلى الهداية إلا إذا رأى الله من قلبه مَحِلّا قابلا. وعن هذه الخطوة إلى الأمام يروي أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال: “إذا تقرَّب العبد إليَّ شبرا تقربتُ إليه ذراعا، وإذا تقرَّب مني ذراعا تقرَّبتُ منه باعا، وإذا أتاني مشيا أتيته هرولة” [البخاري]. فالعبد إذا تقرب إلى ربه تقربا قليلا تقرب الله منه كثيرا، وإذا تقرب منه كثيرا تقرب الرب منه أكثر. وفي هذا تأكيد على ضرورة الخطوة الأولى الزائدة المستطاعة من العبد، مع الترغيب فيما بعدها.

ثم إن هذه الخطوة الأولى تحتاج إلى المحافظة. ويُوَفَّق العبد لهذه المحافظة بأمرين أساسيين كذلك: (الدوام) و(التجدد). والمقصود بالدوام أن يتعاهد العبد خطوته الأولى بالاستمرار عليها دون انقطاع. والمقصود بالتجدد أن يستحضر العبد علما أو تذكرة تصرف عنه الإلف المذموم للطاعة حتى لا تصير عادة بلا مواطئة للقلب معها. هنا تتفتح مسامُّ القلب تدريجيا، وتتنفس الروح جزءا من الصعداء، ويبدأ الإحساس بالطمأنينة في الازدياد بمحافظة العبد على طاعته.

ثم إنه من ثمار المحافظة تأتي (الزيادة). والمقصود بها الرغبة والشوق والتطلع والهم إلى خطوة أخرى من الطاعة، كما يقول ابن القيم: “… فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها: اعملني أيضا، فإذا عملها قالت الثانية كذلك، وهلُمَّ جرا، فيتضاعف الربح وتتزايد الحسنات. وكذلك كانت السيئات أيضا، حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة”. وتتكرر معالم رحلة تزكية مرة تلو الأخرى: خطوة إلى الأمام، ثم محافظة، ثم زيادة.

ومن شأن رحلة المجاهدة المراوحة بين النجاح والسقوط، ولله هنا رحمة يرويها ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل قال: “إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإنْ هَمَّ بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وإنْ هَمَّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإنْ هَمَّ بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة” [مسلم]. والشاهد هنا هو فضل الله تعالى بكتابة الحسنة لمن هَمَّ بها وحيل بينه وبين عملها، وكذلك لمن هَمَّ بالسيئة فانتهى عنها ولم يعملها، ومضاعفة الحسنات لمن عملها، وقصر السيئة كما هي لمن اقترفها.

والقيام بالحسنة يبدد السيئة {إنَّ الحسنات يذهبن السيئات} [هود: ١١٤]، كما أنَّ ترك السيئة يُدخل في الحسنة.. كل منهما يؤثر في الآخر؛ فالعبد يتأخر عن الطاعة بسبب الذنب يصيبه، ويسقط في الذنب لافتقاد طاعة تردعه. أما البشرى الكبرى في شأن المجاهدة فإنها في قوله تعالى: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: ٦٩]، يقول عنها ابن القيم رحمه الله: “علق سبحانه الهداية بالجهاد، فأكمل الناس هداية أعظمهم جهادا، وأفرض الجهاد جهاد النفس، وجهاد الهوى، وجهاد الشيطان، وجهاد الدنيا. فمن جاهد هذه الأربعة في الله، هداه الله سبل رضاه الموصلة إلى جنته، ومن ترك الجهاد فاته من الهدى بحسب ما عطَّل من الجهاد. قال الجنيد: والذين جاهدوا أهواءهم فينا بالتوبة، لنهدينهم سبل الإخلاص، ولا يتمكن من جهاد عدوه في الظاهر، إلا من جاهد هذه الأعداء باطنا، فمن نُصر عليها نُصر على عدوه، ومن نُصرت عليه، نُصر عليه عدوه”.

الإلف المذموم

إذا امتنَّ الله تعالى على عبده بالهداية إلى صراطه المستقيم فإنه يرزقه زادا من الإيمان يعينه على سلوك سبيل الحق ويثبته عليه {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم} [النور: ٢١]. فيفتح الله لعبده المهتدي بابا من الطاعة، له من اللذة ما يغنيه عن المعصية ويُثَبِّتُه على طريق الخير {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} [الحجرات: ٧]. هذا التحبيب والتزيين للإيمان في القلب -والذي يؤدي إلى هذه اللذة- مطلبٌ أساسٌ للثبات على الطاعة، فإذا خبا شقَّت الطاعة، وتخلخل ثبات بنيان الإيمان، ونازعت النفسَ هواجسُ المعصية، وانكشفت ثَلَمَةٌ ينفذ منها الشيطان ليصرف العبد عن طاعة ربه. وما ذاك إلا لافتقاد هذه اللذة حال ظاهر الطاعة.
وتتمثل هذه اللذة في عمل القلب عند الطاعة خوفا ورجاء وحبا وإنابة وشوقا واحتياجا وتذللا وخشوعا… قال تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} [المؤمنون: ٦٠]. وعن الحسن فيها: “يعملون ما عملوا من أعمال البر، وهم يخافون ألا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم”؛ وذلك خوفا من تقصيرهم في القيام بشروط الطاعة على الوجه الذي يليق بأنها معروضة على ربهم. ومن ثَمَّ جَمَعَ هؤلاء بين أمرين: مداومة الطاعة، وتفاعل القلب معها. فظاهر الطاعة لا يكفي وحده لإحداث لذة الإيمان الباطنة، وإن ترتب عليه نوعُ ثواب، ولكن لا ينفك باطنٌ عن ظاهرٍ حال الاستقامة.
وللمداومة وجهان؛ فأما وجهها الحسن فهو ملمح الثبات فيها، وهو ناشئ عن اعتياد الطاعة وتكرارها ومجاهدة ما يعوق عن إتيانها. ولكنْ تتسلل هنا آفةٌ لا يرقبها إلا من بصَّره الله بها: إنها الإلف المذموم.. ذلك المزلق الذي يباعد بين ظاهر الطاعة وباطن التفاعل معها. فكيف يتسلل هذا الإلف المذموم؟ وما علاجه؟
إن تواطؤ الباطن مع الظاهر ينشأ عن انتقال الحال؛ أي أن العبد قد انتقل من حال جهل إلى معرفة، أو من حال معصية إلى طاعة، أو من حال غفلة إلى تذكرة… فهذا يجعله يأتي الطاعة وهو يذوق معها لذةً نشأت من ضدها.. من افتقادها.. من روعة العثور عليها.. من شهود التوفيق إليها. فجمعت هذه الملابساتُ قلبَه حال إتيان الطاعة، فذاق لها لذة الإيمان التي ذكرنا بعضا من معالمها.
فإذا تكررت الطاعة لزمه استحضار ما شهده أول مرة حتى تدوم له مثل هذه اللذة. ولا يكون ذلك إلا بانتقال جديد؛ أي معرفة جديدة، أو تذكرة جديدة، أو صحبة جديدة، أو أي ملابسة جديدة يكون من شأنها جمع تلابيب القلب على الطاعة بغية المحافظة على مثل هذه اللذة. ولنا هنا أن نتصور الفرق بين حال العبد الذي يأتي ذات الطاعة للمرة العاشرة أو المائة أو الألف دون أن يزداد في علم أو تذكرة… وبين من جمع إلى ظاهر الطاعة في كل مرة من الزاد ما يجدد الإيمان في قلبه ويورثه لذتها!
إن الإلف المذموم للطاعة يُخَلِّف ظاهرا باهتا ذابلا فاترا يوشك أن يخبو ويخفت، فيصاب العبد بعد حين بالتكاسل والتراخي والتباطؤ والفتور والاستثقال للطاعة، مع الانجذاب والضعف والسقوط نحو المعصية. ويتساءل العبد عما غيَّر حاله بعد الجِدِّ والهمة والنشاط؟ إن من أسباب ذلك الإلف المذموم الذي يحتاج إلى تجديد الإيمان بالعلم والتذكرة. قال تعالى: {إنَّ الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} [الأعراف: ٢٠١].
بينما التجديد المحمود يضفي على الطاعة ليس ثباتا ولذة فحسب، بل زيادة وتعلقا واشتياقا ورغبة وإطالة كذلك، كما قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} [الأنفال: ٢]، وقد أحسن السعدي في تفسيره لها إذ يقول: “ووجه ذلك أنهم يُلقون له السمع، ويُحضِرون قلوبهم لتدبره فعند ذلك يَزيد إيمانُهم؛ لأن التدبر من أعمال القلوب، ولأنه لا بد أن يبين لهم معنى كانوا يجهلونه، أو يتذكرون ما كانوا نسوه، أو يُحدِث في قلوبهم رغبةً في الخير، واشتياقا إلى كرامة ربهم، أو وجلا من العقوبات، وازدجارا عن المعاصي، وكل هذا مما يزداد به الإيمان”.
فالحسنةُ من خيرِ الحسنةِ الأولى، والسيئةُ من شرِّ السيئة الأولى، وهذه قاعدةٌ جليلة القدر في (الحسنات والسيئات)، لذا قال بعضُ السلف: “من ثواب الحسنة: الحسنة بعدها، ومن عقوبة السيئة: السيئة بعدها”، قال تعالى: {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى} [الروم: ١٠]، ويقول شيخ الإسلام: “عاقبة الحسنات حسنات؛ وعاقبة السيئات سيئات”. ويقول ابن القيم: “… فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها: اعملني أيضا، فإذا عملها قالت الثانية كذلك، وهلُمَّ جرا، فيتضاعف الربح وتتزايد الحسنات. وكذلك كانت السيئات أيضا، حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة”.
لذا أمر الله تعالى المؤمنين بتعاهد إيمانهم في قوله: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل} [النساء: ١٣٦]. يقول ابن كثير في تفسيرها: “يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه. كما يقول المؤمن في كل صلاة: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: ٦] أي: بصِّرنا فيه، وزدنا هدى، وثبِّتنا عليه. فأمرهم بالإيمان به وبرسوله، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله} [الحديد: ٢٨]”.
ولا يحسبنَّ أحدٌ أن المطلوب هو التذكرة بلا نسيان، أو الطاعة بلا معصية؛ فهذا حال الملائكة {يُسَبِّحون الليل والنهار لا يفترون} [الأنبياء: ٢٠]. وهذا ما يشرحه حديث حنظلة بن الربيع الأسيدي رضي الله عنه وهو يقول: لقيني أبو بكر رضي الله عنه فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله! ما تقول؟! قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يُذَكِّرنا بالجنة والنار كأنا رَأْيَ عينٍ، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا، قال أبو بكر رضي الله عنه: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وما ذاك؟” قلت: يا رسول الله، نكون عندك تُذَكِّرُنا بالنار والجنة كأنَّا رَأْيَ العين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده أنْ لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة” [مسلم].
كما ينبغي ألا يُظَنَّ أنَّ في ذلك دعوة إلى عدم إتيان ظاهر الطاعة إلا حال تواطؤ القلب. فأحيانا تكون المجاهدة على إتيان الطاعة ولو ظاهرا سبيلا إلى إقبال القلب عليها. إن الاقتصاد في الطاعة وإتيان المستطاع منها مقصد معتبر في الشرع؛ فهو يعين على حضور القلب، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة قال: من هذه؟ قالت: هذه فلانة تذكر من صلاتها قال: “مه! عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تمَلُّوا، وكان أحب الدِّين إليه ما داوم صاحبه عليه” [متفق عليه]، ومعنى “لا يمَلُّ الله” أي: لا يقطع ثوابه عنكم وجزاء أعمالكم، ويعاملكم معاملة المالِّ “حتى تمَلُّوا” فتتركوا، فينبغي لكم أن تأخذوا ما تطيقون الدوام عليه ليدوم ثوابه لكم وفضله عليكم. ويقول النووي شارحا لحديث عائشة رضي الله عنها: “فيه الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق، والأمر بالإقبال عليها بنشاط، وأنه إذا فَتُر فليقعد حتى يذهب عنه الفتور”.
الدعوة هنا إذن إلى تدارك الأمر من مبدئه، ومعرفة سببه وعلاجه ومنتهاه؛ فالآفة هي الإلف المذموم، وسببها عدم تجدد العلم والتذكرة، وعلاجها هو التعاهد الدائم بالعلم النافع والتذكرة المؤثرة والتدبر المستمر والصحبة الصالحة وعدم استمراء الانتظام الفاتر في أداء الطاعات، والغاية هي تواطؤ القلب مع ظاهر الطاعة. كل ذلك بُغْيَةَ تذوُّق لذة الإيمان التي تُثَبِّت صاحبها على الطاعة، وتغنيه عن الالتفات إلى المعصية.

الغين والإسراف

خلق الله تعالى الإنسان من طين، ثم نفخ فيه من روحه التي لا يعلم حقيقتها إلا هو سبحانه؛ فصار في الإنسان مادتان مختلفتان: مادة تُغَذِّي بدنه، وأخرى تُغَذِّي قلبه. ولا انفكاك للبشر عن كليهما من حيث أصل الخلقة، ولكنْ لكليهما زادٌ للحياة لو افتُقِد فليس إلا الموت.
فأما عن المادة الأولى فهي ظاهرة لذوي الأنظار؛ بَدَنٌ يتغذى بالطعام والشراب، ويسكن بالنوم، ويتكاثر بالنكاح، ويستكين بالجو المعتدل، وغير ذلك من احتياجاته الضرورية وغيرها. وأما المادة الثانية فهي باطنة لا تُرى بالبصر، وإنما تَتَلَمَّس أحوالَها البصيرةُ؛ قلبٌ يتزوَّد بالطاعة، ويطمئن بذكر الله، ويسكن بالقرب منه، ويفرح بتلاوة آياته.
فما أثر كلٍّ من المادتين على الأخرى؟
عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب” [متفق عليه]. ويعلق ابن رجب على الحديث بقوله: “ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح”. ومن هنا نلمس الميزان الرباني: فالمؤمن يسعى أولا لإصلاح قلبه ليَصلُح جسده.
ولكن أليس الجسد يصلح بالطعام والشراب والنكاح مما ذكرنا من قبل؟ فما الداعي من إقحام القلب في المعادلة؟
الحق أن البدن بلا قلب يحكُمُه، يتغذى فيتعسر شبعه! ويشرب فلا يطيب رِيُّه! ويستزيد من متعته فلا يُقضَى وطَرُه! غصةٌ ووحشةٌ تلاحقه قبل الطلب وأثناءه وبعده؛ فيسعى صاحب الجسد لإذهابها بمزيد من الزاد المحسوس، فلا يُجدي الإسرافُ إلا عطشا، وتظل اللذة منقوصة؛ بل يزداد تحولها إلى نقيضها كلما ضعُف منه القلب حتى يصير إلى الشقاء الذي قال عنه تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} [طه: ١٢٤].
ولسنا هنا في معرض الحديث عن الضنك المطلق الذي هو جزاء الإعراض المطلق، فهذا حال أصحاب القلوب التي علاها الصدى والران والطبع والقفل والختم. وَصَفَهم مِن قبل الحسن البصري في قولته البليغة: “إنهم وإن طَقْطَقَتْ بهم البغال وهَمْلَجَتْ بهم البراذين، فإنَّ ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه”. وإنما نريد مزيد اعتناء بالحصة؛ أي ما ينتاب المؤمن من أحوال الغفلة التي تؤثر سلبا على قلبه. يقول تعالى: {ومن يعْشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} [الزخرف: ٣٦]. والعَشا يبدأ من التقصير وينتهي بالإعراض، والجزاء المذكور في الآية -من تقييض الشيطان كقرين لمن عشى عن ذكر ربه- هو الغاية التي تكون كملازمة الظل لأصله.
ولكنْ لِذِي الغفلة الوقتية نصيبٌ من تسلط الشيطان عليه. وذلك كما في النوع الثاني من الأنواع الثلاثة للقلوب، والذي يشير إليه ابن القيم رحمه الله بقوله: “القلب الثاني: قلب قد استنار بنور الإيمان وأُوقِد فيه مصباحه، لكن عليه ظلمة الشهوات وعواصف الأهوية، فللشيطان هنالك إقبالٌ وإدبارٌ، ومجالاتٌ ومطامع، فالحرب دُوَل وسِجال، وتختلف أحوال هذا الصِّنف بالقلَّة والكثرة، فمنهم مَن أوقات غلبته لعدوِّه أكثر، ومنهم مَن أوقات غلبة عدوه له أكثر، ومنهم مَن هو تارة وتارة”.
حرِيٌّ بنا إِذَن أن ننتبه لأنفسنا، وإلا فالأمر حتما سيطول التقصير في الواجبات واقتراف المحرمات إن استمر التهاون عن تدارك الحال بالتوبة النصوح والاستغفار الدائم. لذا روى الأغر المزني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنه ليُغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم مائة مرة” [رواه مسلم]. فلعلها الأمور الجبلية التي جعلت هناك غَيْنٌ وتغطية حتى على قلب خير الخلق صلى الله عليه وسلم، فكانت مسارعته الدائمة بالاستغفار الكثير. فما بال المخلطين المسرفين في المباحات لا يعبؤون؟! والغين يتراكم بالتدريج على قلوبهم. يقول ابن القيم رحمه الله: “المؤمن قوته من قلبه، وكلما قوي قلبه قوي بدنه، وأما الفاجر فإنه -وإن كان قوي البدن- فهو أضعف شيء عند الحاجة، فتخونه قوته أحوج ما يكون إلى نفسه، فتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها، وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم”.
إن الإسراف في المباحات من المأكولات أو الكلام أو الملابس أو المساكن أو الأثاث أو الدواب أو النوم أو الترويح أو التنزه أو الأسفار أو الخلطة أو الزيارات أو السماع أو الأشغال أو الهوايات أو اللهو أو الزينة أو غيرها من المتاع.. كل ذلك مؤذن بشيء من فساد القلب زاد أو نقص! بل هناك صور حديثة تظهر كالمكث الطويل لتصفح وسائل التواصل الاجتماعي -وإن خلت من ظاهر المحرمات- إلا أنها صارت تغزو نقالات أهل الصلاح، فينسَلُّون خُفية في ركابها دون التفات إلى عواقبها.
ولتقريب مغبة ذلك النوع من الإسراف في المباحات، دعنا نتصور حال المسرف إذا أقبل على ربه في الصلاة هل يجد من خشوع القلب الحدَّ المجزئ من التدبر؟! وإن رأى أو سمع من المنكرات ما يستلزم على الأقل إنكار القلب، فهل يجد هذا التمعُّر من داخله؟! وإذا تُليت عليه آيات ربه أو تلاها فهل يجد نصيبا من الزجر مما تحمله من موعظة وحث على مرضات الله وترك مساخطه؟! فإذا كان في معرض أمر بمعروف أو نهي عن منكر فهل يواطئ قلبه لسانه في التذكير والوعظ؟! قُل مثل ذلك في الإقبال على الطاعات واجتناب المعاصي بعامة، والشوق للجنة، والفرار من النار، وتحصيل العلم النافع، والهم بقضايا المسلمين، والسعي في نصرة الدين..
إن الإسراف في المباحات سيؤدي حتما إلى الإخلال بالواجبات، وكل ذلك لأن القلب أصيب بالتشويش في مراقبة الجوارح. يقول ابن القيم رحمه الله: “فواجبات القلوب أشد وجوبا من واجبات الأبدان وآكد منها، وكأنها ليست من واجبات الدين عند كثير من الناس، بل هي من باب الفضائل والمستحبات! فتراه يتحرَّج من ترك واجب من واجبات الأبدان، وقد ترك ما هو أهمُّ واجبات القلوب وأفْرَضُها، ويتحرَّج من فعل أدنى المحرمات، وقد ارتكب من محرمات القلوب ما هو أشد تحريما وأعظم إثما”.
حُقَّ حينئذ لأهل الصلاح أن يسارعوا في الأوبة إلى ربهم. وأول مراحل الاستشفاءِ الاستعانةُ، وفيها روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء”، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك”. [رواه مسلم]. إذن فهو الابتهال إلى الله بصلاح القلب.
ثم يعقب هذه الاستعانةُ من الطاعات الكثيرَ يتقدمها النية ذاتها وهي صلاح القلب، وهنا يبدو التأثير المُكمِّل وهو أثر أعمال الطاعات بالجوارح على أعمال القلب؛ فالجوارح هي منافذ القلب وثغوره. وهل في الإمكان استيعاب ما تورثه الصلاة من رضا وطمأنينة وخشوع وإنابة؟ أو ما يورثه الصوم من يقين وتوكل وإخلاص؟ أو ما يورثه الجهاد من محبة واستسلام وثبات؟.. وهكذا سائر الطاعات.
ومع انزياح الغَيْن تدريجيا يقوى العبد على مجاهدة آفاته، وتَحِلُّ لذة الإيمان محل اللذة المُتَوَهَّمَة من جرَّاء الإسراف. كل ذلك لا يحدث دفعة واحدة، وإنما هي رحلة يقطعها القلب لبلوغ مقامه الذي يليق به.. مقام المَلِك على الجوارح.. رحلة يقول عنها سبحانه: {ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها” [الشمس: ٧-١٠]، والغاية في آخر المطاف: {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: ٨٨، ٨٩].

الخلوات

يتراوح العبد في حياته بين خلطة وعزلة، واجتماع وخلوة، لا ينفكُّ عنهما. إلا أن حاله هو فيهما هو ما قد يختلف؛ ففي الخلطة هناك طَرَف حاضر متمثل في الناس، فيضعهم المرء في الحسبان وهو يقوم بأفعاله؛ فربما اعتنى أن يُظهر الجميل، وأن يُخفي القبيح. أما في الخلوة فلا رقابة عليه سوى من خالقه. ومن ثم كانت الخلوة مَحكّا حقيقيا يَزِن مقدار مراقبة العبد لربه؛ فإنْ هو وُفِّق لاغتنام العمل فيها في مرضات ربه، رزقه الله لذة إيمان يجد حلاوتها في جميع أحواله، وإنْ هو انتهك حرمات الله فيها، سلبه الله لذة الإيمان هذه، ووُكل إلى ما اقترفته نفسه، بل حُرِم استحضارَ رقابة الله عليه فضلا عن مخالفة أمره. فما السبيل إلى خلوة في طاعة؟ وما ثمارها؟ وما معوقاتها؟
إن إحاطة الله بخلقه عظيمة الشأن؛ فإنه سبحانه لا يشغله حال عن حال، وقد أحاط علمه وقدرته بظواهر الأشياء وبواطنها {ألا إنه بكل شيء محيط} [فصلت: ٥٤]، {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} [فصلت: ٣]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليم وسلم قال: “… اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء…” [مسلم]. يقول ابن القيم رابطا بين هذه الأسماء الأربعة وبين صفة الإحاطة لله تعالى: “فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهي إحاطتان: زمانية ومكانية، فأحاطت أوَّليَّتُه وآخِريَّتُه بالقَبل والبَعد، فكل سابق انتهى إلى أوليَّته، وكل آخر انتهى إلى آخِريَّته، فأحاطت أوَّليَّته وآخريَّته بالأوائل والأواخر. وأحاطت ظاهريَّتُه وباطنيَّتُه بكل ظاهر وباطنٍ، فما مِن ظاهر إلا واللهُ فوقه، وما مِن باطن إلا والله دونه، وما مِن أوَّلٍ إلا واللهُ قبلَه، وما مِن آخرٍ إلا والله بعدَه”.
ثم يسترسل رحمه الله في توضيح معاني الأسماء الأربعة فيقول: “فالأولُ قِدَمُه، والآخر دوامه وبقاؤه، والظاهر عُلوُّه وعظمتُه، والباطن قربُه ودُنُوُّه، فسبَق كلَّ شيء بأوليَّته، وبقِيَ بعد كل شيء بآخريَّته، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونِه، فلا تُواري منه سماءٌ سماءً، ولا أرضٌ أرضا، ولا يَحجُبُ عنه ظاهرٌ باطنا، بل الباطنُ له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسرُّ عنده علانية، فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد، فهو الأول في آخريَّته، والآخر في أوَّليته، والظاهرُ في بطونه، والباطنُ في ظهوره، لم يزَل أولا وآخرا وظاهرا وباطنا”.
هذه الحقائق الغيبية عن رب العالمين تحتاج إلى وعاء صالح من القلب لتُحدِث فيه أثرها الطيب. وليس المقصود بـ(الصالح) الفارغ الخالي، فهذا مُحال على رَحَى القلب التي لابد أن تطحن ثمة شيء؛ بل هو الوعاء المناسب الذي يُحسن استقبال هذه الحقائق لما فيه من تعلق بربه وحب له ويقين به. مع تقليلِه من هَمّ الانشغال المفرط بالدنيا وأحداثها، فضلا عن التفريط بالآثام التي تُفسد المَحِلَّ القابل لهذه الحقائق. قال تعالى: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا} [الأعراف: ٥٨]، يقول القرطبي عن هذه الآية: “وقيل: هذا مَثَل للقلوب؛ فقَلْبٌ يقبل الوعظ والذكرى، وقلبٌ فاسقٌ ينبو عن ذلك”. وجاء في تفسير الظلال: “الله عز وجل شبَّه قلب الإنسان بالتربة الزراعية، حيث تنبت المشاعر والأحاسيس والنوايا والاتجاهات في قلبه. لذلك فالقلب الطيب يَنبُت فيه الخير، مثل الأرض الطيبة التي تُنبِت الثمار الناضجة، والقلب الخبيث يَنبُت فيه الشر، مثل الأرض الخبيثة التي لا تُنبِت إلا هشيما. فالقلب الطيب يهدي لله ويعمل بما جاء في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والقلب الخبيث كالأرض البور يصد عن ذكر الله، ولا يُخرج منه إلا نكدا على نفس صاحبه وعلى المحيطين به من البشر”.
إنَّ هناك قدرا من الخير في قلب العبد لو حفظه فإنه يحسن الاستفادة من هذه المعاني، فتَزيده خيرا، وإنْ فرَّط في هذه القدر فإنه يُحرم استحضار هذه الحقائق. وإذا وُفِّق العبد لاستحضار هذه الحقائق فكانت شاغله الشاغل الذي يزاحم به بواطن أفكاره وظواهر الأحداث في حياته، وفَّقه الله لمراقبته سرّا وعلانية. فالخلوة إذن ليست مبدأ المطاف بل هي منتهاه؛ فإنه يسبقها ما وقر في صدر العبد من مراقبته لربه عز وجل.. إنها ثمرة مزاحمة تقوى الله لمختلف ما يمر به العبد من فتن.
فليتتبع العبد إذن ما موقع مراقبته لربه خلال جميع وقته؟ فإن كان لسانه رطبا بذكر الله، وجوارحه وقَّافة عند حدود الله، وقلبه يتزود من العلم والتذكرة، والخير يفيض منه لمن حوله أمرا بمعروف ونهيا عن منكر وعونا لمحتاج وإجابة لسؤال… وغير ذلك من أعمال البر الظاهرة والباطنة، فليستبشر خيرا بما سيورثه الله تعالى حال خلوته، فلعله يصير أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله كما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه” [متفق عليه]. ومحال أن يبكي العبد لربه وقلبه مشغول عنه! قال القرطبي: “وفيض العين بحسب حال الذاكر، وبحسب ما يُكشف له، ففي حال أوصاف الجلال يكون البكاء من خشية الله، وفي حال أوصاف الجمال يكون البكاء من الشوق إلى الله”.
وعلى الطرف الآخر، هناك من يتحيَّن وقت الخلوة ليستسرَّ بمعصية ربه. فمثل هذا لم تقف مصيبته عند حد الوقوع في الزلل فحسب، بل الأشد من ذلك حرمانه من استحضار معنى المراقبة لربه، وهذا الذي يجعله يكرر الزلل ولا يبالي. وقد وصف الله تعالى هؤلاء الذين يستخْفون بمعصيته بالخيانة {الذين يختانون أنفسهم} [النساء: ١٠٧]، فقال عنهم: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا} [النساء: ١٠٨]، يقول عنها السعدي رحمه الله: “وهم مع ذلك قد بارزوا الله بالعظائم، ولم يبالوا بنظره واطلاعه عليهم. وهو معهم بالعلم في جميع أحوالهم، خصوصا في حال تبييتهم ما لا يرضيه من القول”. وكذا قوله تعالى: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: ١٠]، يقول عنها الطبري: “والذي هو مستخفٍ بالليل في ظلمته بمعصية الله… وظاهر بالنهار في ضوئه، لا يخفى عليه شيء من ذلك. سواءٌ عنده سِرُّ خلقه وعلانيتهم، لأنه لا يُستسرّ عنده شيء ولا يخفى”.
وبين المستمتع بعبادة ربه في خلوته والمنتهك لحرمات الله فيها، هناك من يجاهد نفسه، فيتقي موطن الخلوة بصحبة لئلا تَزِلَّ نفسه فيها، أو يجتهد في إيجاد ما يشغله فيها إن اضطر إليها. وفي هذا خير، ولكن لا ينبغي الاكتفاء به؛ فهو دواء ناقص لم يكتمل، فلذة الإيمان الحقَّةُ في أعمال السر الخفية التي لا يراها سوى الله تعالى. فعلى العبد ألا يحرم نفسه من لذة إيمان تخفف عنه أعباء ما يلقاه من جرّاء التزامه بأوامر ربه في جاهلية الحياة. قال تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} [فصلت: ٣٠]. ولذة الإيمان هذه هي المقصودة من كلام ابن القيم: “إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة”، وهي ما رُوي عن أحد السلف: “مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها”، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: “محبه الله تعالى ومعرفته وذكره والأنس به”.
وحتى وإن فرطت سقطات من العبد في رحلة المجاهدة فزَلَّ في خلوته، فلينهضْ مستعينا بربه ولا يهتكْ ستر الله عليه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإنَّ من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملتُ البارحة كذا وكذا؛ وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه” [متفق عليه]. ويتفق هذا الستر في الدنيا مع مغفرة الله تعالى لعبده يوم القيامة كما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “يُدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه عليه، فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: رب أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى صحيفة حسناته” [متفق عليه].
وما أجمل ما شبَّه به وهب بن منبه تلك العلاقة الوطيدة بين السر والعلن إذ يقول: “ولا تظن أن العلانية هي أنجح من السريرة، فإنَّ مَثَل العلانية مع السريرة كمَثَل ورق الشجر مع عرقها، العلانية ورقها، والسريرة عرقها. إن نُخِر العرق هلكت الشجرة كلها، ورقها وعودها، وإن صلحت صلحت الشجرة كلها، ثمرها وورقها. فلا يزال ما ظهر من الشجرة في خير ما كان عرقها مستخفيا لا يُرى منه شيء. كذلك الدين لا يزال صالحا ما كان له سريرة صالحة، يُصَدِّق الله بها علانيته؛ فإن العلانية تنفع مع السريرة الصالحة، كما ينفع عرقُ الشجرة صلاحَ فرعِها. وإنْ كان حياتها من قِبَل عرقها فإنَّ فرعها زينتها وجمالها، وإن كانت السريرة هي ملاك الدين فإنَّ العلانية معها تُزَيِّن الدين وتجمله إذا عملها مؤمن لا يريد بها إلا رضاءَ ربه”. ويقول ابن القيم في تفسيره لقوله تعالى: {يوم تُبلى السرائر} [الطارق: ٩]: “في التعبير عن الأعمال بالسر لطيفة: وهو أنَّ الأعمال نتائج السرائر الباطنة، فمن كانت سريرته صالحة كان عمله صالحا، فتبدو سريرته على وجهه نورا وإشراقا وحياء، ومن كانت سريرته فاسدة كان عمله تابعا لسريرته، لا اعتبارا بصورته، فتبدو سريرته على وجهه سوادا وظلمة وشينا. وإن كان الذي يبدو عليه في الدنيا إنما هو عمله لا سريرته، فيوم القيامة تبدو عليه سريرته، ويكون الحكم والظهور لها”.

انتباهة قلب

ليست انتباهة القلب قاصرة على من اهتدى بعد ضلال، كمن اعتنق الإسلام بعدما كان عليه من باطل، أو مَن يُطلَق عليه “التزم” بعد غيٍّ وانحراف، فهؤلاء وأولئك قبل هدايتهم لم يكونوا يعيشون الإسلام الحق. وعن حالهم يقول تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} [الأنعام: ١٢٥]. وليس هذا محل تفصيل الحديث لا عن الكافرين ولا عن المنافقين؛ فحياة قلوبهم -إذا شاء الله لها الحياة- هي بدخولهم باب الإسلام {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} [المائدة: ١٦].
ولكن الكلام عن انتباهة قلب الظالم لنفسه من المؤمنين، والذي يخاطبه ربه تعالى بقوله: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم} [الحديد: ١٦]، وقد قال ابن مسعود: “ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين” [مسلم]، ويقول: “فجعل ينظر بعضنا إلى بعض ويقول: ما أحدثنا؟!” قال الحسن: “استبطأهم وهم أحب خلقه إليه”. وليس ما قاله الصحابة مقتضيا أنهم من أولئك الذين ذكرهم الله بهذه الآية، ولكنهم -وهم خير الخلق بعد الأنبياء- يخشون آفة القسوة حذرا وحيطة. فالخطاب إذن للمؤمنين وليس للضالين والمكذبين، والآفة هي قسوة القلب، وسببها طول الأمد، وعلاجها خشوع القلب لذكر الله. فما سبب هذه القسوة؟ وما علاجها؟
إنَّ الذي يسلك سبيل الحق ابتداءً، ثم لا يتعاهد نفسه بزيادة إيمان بالعلم النافع، والعمل الصالح، يعتاد مع مرور الزمن هذا القدر من الطاعة الذي داوم عليه ابتداءً. لذا كان أبو الدرداء يقول: “من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه”، وكان ابن مسعود يقول: “اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها”. وقد علَّمَنا ربُّنا دعاء الراسخين في العلم إذ يقولون: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} [آل عمران: ٨]، يقول عنها الطبري: “لا تُمِلْها فتصرفها عن هُدَاك بعد إذ هديتنا له”. وكان من دعاء النبي ﷺ كما رواه عمرو بن العاص رضي الله عنهما: “اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك” [مسلم].
فمن لم يتعاهد إيمانه بالزيادة يتسلل الذبول إلى عمله، فتنقص لذة الطاعة التي كان يعيشها في صفاء الابتداء. وإذا انتقصت لذة الإيمان برز التلذذ بالشهوات المحرمة والانشغال المفرط بالمتاع المباح؛ فهما لذتان لا تجتمعان في قلب واحد، يقول تعالى عن تزيين لذة الإيمان: {ولكنَّ الله حبَّب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم} [الحجرات: ٧]، ويقول عن تزيين لذة الشهوة: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث} [آل عمران: ١٤]. وفي ذلك يقول ابن تيمية رحمه الله: “فلو كانت اللذة الإيمانية الكاملة موجودة لما قدَّم عليها لذة تبغضها وتزيلها، ولهذا يجد العبد في قلبه إذا كان مخلصا لله واجدا لحلاوة العبادةِ والذكرِ المعرفةَ الصارفة لقلبه عن هذه المحرمات، فلا يلتفت إليها؛ كالمشغول بالجوهر إذا لاحت له قشور البصل. بخلاف ما إذا عُدم هذه الحلاوة الإيمانية، فإنه حينئذ يميل إلى شيء من المحرمات”.
إنَّ لقسوة قلب الظالم لنفسه مظاهر كثيرة من تثاقل عن الطاعة، واقتراف للمعصية، وتعلق بالدنيا، وضعف لتعظيم الله، وقلة تأثر بالقرآن… ويشعر صاحب هذا القلب في مبدأ الزيغ بانبعاث داخلي أولا تجاه ما لا يرضي ربه، رغم ما في المعصية من ألم وتنغيص. ثم تستحكم الشهوة في القلب مع اقترافها وتكرارها بلا توبة، ولكنه لا يقوى على التحرر منها. فيصير الحال كـ(الأَسر المذموم المحبوب) في ذات الوقت؛ أسرٌ لضعف القدرة على طرحه والخروج عنه، ومذمومٌ لأن أصل الفطرة والإيمان يمُجُّه ويلفظه، ومحبوبٌ لداعي الغريزة البشرية لخلق الإنسان من طين. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن/ ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن” [متفق عليه]. فهنا انتفى عنه الإيمان الواجب حال اقترافه الكبيرة؛ فهما لا يجتمعان في حال واحدة.
إن الارتباط وثيق بين مفسدات القلوب وبين استحضار العبد لما يؤمن به بالغيب؛ فكلما قَلَّ استحضار القلب لموعود الله بالغيب، زاد انبعاثه نحو ما يفسد قلبه، ثم تكتمل الحلقة النكدة بأنه كلما اقترف العبد من مفسدات القلب نقص استحضاره لما يؤمن به بالغيب. وعن مثل هذا القلب يقول ابن القيم رحمه الله: “قلب قد استنار بنور الإيمان وأُوقِد فيه مصباحه، لكن عليه ظلمة الشهوات وعواصف الأهوية، فللشيطان هنالك إقبالٌ وإدبارٌ، ومجالاتٌ ومطامع، فالحرب دُوَل وسِجال، وتختلف أحوال هذا الصِّنف بالقلَّة والكثرة، فمنهم مَن أوقات غلبته لعدوِّه أكثر، ومنهم مَن أوقات غلبة عدوه له أكثر، ومنهم مَن هو تارة وتارة”. ولا خروج من هذه الحلقة النكدة إلا بمجاهدة تُعيد التَذَوُّق للذة الإيمان حتى ينصرف العبد عن معصية ربه، ويقبل على الطاعة المتوهجة من جديد.
وأولى مراحل انتباهة القلب من غفلته هي مكثه في بيئة الطاعة؛ فسماعها، والخلطة بأهلها، والتواجد في أجوائها… كل ذلك لا يكلف العبدَ سوى القرار! لن يمكث في بيئة الفساد، ولكنه سيذهب بقدميه إلى بيئة الصلاح، ممتثلا لما رواه أبو سعيد رضي الله عنه عن النبي ﷺ فيما قاله العالِم لقاتل المائة نفس: “انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإنَّ بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء” [مسلم]. ولا يظن العبد بذلك أنه حتما سيجد لذة الندم على اقتراف ما فرط منه! ربما نعم.. وربما لا، ولكنه حتما يكون بذلك قد دخل المشفى، وعرَّض قلبه للعلاج. فحتى وإن لم يشعر في العودة إلى الحق بلذته بادئ ذي بدء، ولكنه قد سلك السبيل الصحيح. هذه الخطوة تحمل من المجاهدة بهجر المنكر والإعراض عنه والإقبال على الطاعة من جديد ما يفتح الباب للتوفيق لما بعدها.
وهنا يبدأ الارتقاء بتيسير الله وتوفيقه لمزيد من المجاهدة والعمل، يقول تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: ١٧]، فينفسح صدر العبد للإتيان بطاعة جديدة، وهذه فرصته! فأعمال الخير كثيرة، وكلها -ما دامت وافقت الحق نيةً واتباعا- تؤتي أُكُلَها في طريق التزكية {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون} [المائدة: ٣٥]، يقول الطبري: “واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه”. ولكن أقوى الطاعات أثرا هو: تلاوة القرآن في صلاة جوف الليل منفردا.. إنه الوحي ينزل على القلب المريض حال الوقوف بين يدي الملك الحق الذي يدنو في هذا الوقت من عباده، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: “ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟” [متفق عليه]، ويدفع الحديث إلى أمر آخر بجانب كلام الله المتلوّ.. إنه الدعاء.. لا سيما حال السجود ليلقى الدعاءُ ربا سميعا قريبا يبادر عبده بسؤاله وهو الغني عنه، وفيه يقول تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} {وادعوه خوفا وطمعا} [الأعراف: ٥٥، ٥٦]. إن المداومة على الاستعانة بالله تعالى بهذه الوسيلة كفيلة بأن تصلح ما فسد من القلب.
وليست المجاهدة بالرحلة التي تنجح في كل محطاتها؛ فقد يسقط العبد تارة، وينجح أخرى، ولكنَّ المُوَفَّق من يستعين بربه وينهض من كبوته فيكمل طريق المجاهدة. ومع المجاهدة يتذوق العبد حلاوة الإيمان من جديد، فيفرح بأنه صار يجد ما يغنيه عن اللذة المنغصة بالمفسدات؛ فإن الأنس والشكوى واللذة والتعلق صارت موجهة للملك سبحانه.. فأُشبعت هذه الحاجات على نحو نقي صافٍ بعدما كانت تقع في غير محلها من بشر أو آلة أو ما يزيد فساد قلب العبد، ولا يملك الطاقة للخروج عنه.. إنه الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب، فحق حينئذ أن يفرح العبد كما قال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} [يونس: ٥٨]، يقول عنها الطبري: “فإن الإسلام الذي دعاهم إليه، والقرآن الذي أنـزله عليهم، خيرٌ مما يجمعون من حُطام الدنيا وأموالها وكنوزها”.
ويأتي العلم مثبتا ومعمقا على طريق التزكية، فيزيد العبد رسوخا على سبيل الإيمان، كما قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران: ١٦٤]، فجمع سبحانه بين التزكية والتعليم على هذا الترتيب كما قال تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله} [البقرة: ٢٨٢]. ولا يصلح علم بغير تزكية ولا تزكية بغير علم؛ فإنه تعالى يقول في فاتحة كتابه عن دعاء أهل الحق: {اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: ٦، ٧]، يقول ابن تيمية رحمه الله: “اليهود يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، ولا يتبعونه لما فيهم من الكِبْر والحسد الذي يوجب بغض الحق ومعاداته. والنصارى لهم عبادة، وفي قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها، لكن بلا علم، فهم ضُلَّال. هؤلاء لهم معرفة بلا قصد صحيح، وهؤلاء لهم قصد في الخير بلا معرفة له”.