الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه أجمعين،
أما بعد،
فقد انتشر التمثيل في عصرنا فأصبح “فنا” و”صناعة” لا يكاد يخلو بيت من بيوت المسلمين من أحد ألوانه، إذ تنوعت ألوانه تنوعا شديدا بتنوع أذواق الناس، وتنوعت كذلك بتنوع أجهزة العرض الإلكترونية المختلفة، فصار الأمر الآن أشد مما كان في العقود الماضية، وصار وصف النازلة – الذي وصفه به الباحثون حينها – يضيق عن الموصوف به وهو التمثيل في صورته المعاصرة.
وفي هذه المقالة بيان مختصر لمسألة محددة وهي حكم الاستفادة من التمثيل الديني في الدعوة إلى الله، من خلال استعراض لبعض الفتاوى والأبحاث التي تناولت مسألة التمثيل بعامة أو على وجه التفصيل، من غير إكثار من المقدمات والتفريعات – من قبيل حقيقة التمثيل وتاريخه وأنواعه ونحو ذلك -.
هل عرف المتقدمون من علمائنا التمثيل؟
إن التمثيل ليس نازلة مستجدة من كل الوجوه؛ لتقادم العهد بوجود وقائع لها، ومقابلتها من العلماء بالإنكار منذ القرن الثالث الهجري.
والجدير بالذكر أنه رغم اتصال العرب والمسلمين بالأمم والحضارات إبان الفتوحات الإسلامية، إلا إنهم لم يحفلوا بما وجدوه عندهم من فنون التمثيل المسرحي، لمباينة هذه الألوان الفنية للهوية الإسلامية من أوجه عدة.
وهذا الإمام النووي رحمه الله تعالى (ت 676هـ) يذكر تمثيل الوعاظ وتمثيل المعلمين في كتابه “الروضة”. قال ابن حجر الهيثمي (ت 974هـ): (ومنها – أي المكفرات -: لو حضر جماعة وجلس أحدهم على مكان رفيع تشبيها بالمذكرين فسألوا المسائل وهم يضحكون ثم يضربونه بالمجراف، أو تشبيها بالمعلمين فأخذ خشبة وجلس القوم حوله كالصبيان فضحكوا واستهزؤوا، أو قال: قصعة من ثريد خير من العلم، كفر. زاد في الروضة – أي النووي -: (قلت: الصواب أنه لا يكفر في مسألتي التشبيه) انتهى كلام النووي. ولا يغتر بذلك وإن فعله أكثر الناس حتى من له نسبة إلى العلم، فإنه يصير مرتدا على قول جماعة، وكفى بهذا خسارة وتفريطا) [الإعلام بقواطع الإسلام، لابن حجر الهيثمي].
وفي “العقد الفريد” لابن عبد ربه، وعنه بدون عزو في “الوفاقات” للبكري، كما في حاشية “صهاريج اللؤلؤ” له، ذكر قصة طويلة لبعض الوعاظ، حيث كان يقف على تل مرتفع فيقول: قم يا أبا بكر، فيقوم شخص بمثابة أبي بكر رضي الله عنه وهكذا.
ومن الذين اشتهروا بذلك ابن دانيال الموصلي، شمس الدين محمد بن دانيال بن يوسف الخزاعي ثم المصري المولود (ت 711هـ)، والذي عاش على أنقاض العدوان الهولاكي التتري، وفي حياته الانتقالية إلى مصر احترف الطب وامتهن الكحالة. وكانت له مواقف وأشعار وحكايات وقصص ماجنة، وحياته مملوءة بهذا. ثم ترقت به الحال إلى “خيال الظل” وقد ألف كتابه “طيف الخيال”.
و”خيال الظل” ضرب من ضروب التمثيل، وإلى ابن الجوزي رحمه الله تعالى ينسب البيتان المشهوران:
رأيت خـيـال الظــل أكــبر عـبـرة لمن هو في علم الحقـيـقة راقي
شخـوص وأشباح تمر وتنقضي وتفـنى جميــعـا والمحــرك باقـي
وخيال الظل: (هو الأصل الأول للسينماء المعاصرة، إذ تتحرك الأشخاص والأشكال خلف ستر، وقد سلط عليها الضوء، فتبدو صورها متحركة من خلف الستر.. ومن أقدم النصوص التي سجلت فيها هذه الظاهرة، قول ابن الجوزي، المتوفى سنة 597 هـ أي منذ ثمانية قرون، فذكرهما عن “النجوم الزاهرة 6/176”) [كناشة النوادر، لعبد السلام هارون].
وقد ذكر أن صلاح الدين الأيوبي حضر عرضا لخيال الظل مع وزيره القاضي الفاضل من صناعة الفاطميين في مصر عام 567هـ.
أما المؤسس الأول لفن التمثيل المسرحي في العصر الحديث فهو مارون النقاش (*) حيث ألف أول مسرحية عربية 1848م [التمثيل، لزكي طليمات].
وما تقدم هو أقرب شيء للتمثيل على صورته الحديثة.
وبالرغم من أن لفظ التمثيل وبعض تصريفاته ورد في الكتاب والسنة وأقوال المتقدمين، إلا أن مدلوله يختلف عما نحن فيه. وأقرب الألفاظ التي وردت في السنة للتمثيل المعاصر هي “الحكاية” أو “المحاكاة”:
فعن عبد الله بن مسعود قال: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون» [متفق عليه].
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: حكيت للنبي ﷺ رجلا، فقال: «ما يسرني أني حكيت رجلا، وأن لي كذا وكذا»، فقلت: يا رسول الله إن صفية امرأة – وقالت بيدها هكذا كأنها تعني قصيرة – فقال: «لقد مزجت بكلمة لو مزجت بها ماء البحر لمزج» [أبو داود والترمذي].
وهو اللفظ الفصيح لغة، كما قال الشاعر:
مما يزهـدنـي في أرض أندلــس أســمـاء معتضــد فيـها ومعتـمــد
ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد
[وفيات الأعيان، لابن خلكان. والأبيات مما قاله أبو بكر بن عمار في ذم المعتمد بن عباد وأبيه].
حكم التمثيل بين المانعين والمجيزين
لقد اتفق أهل العلم على حرمة التمثيل المقترن بالمحرمات، المتحلل من القيود الشرعية، المتضمن لبث الفجور والمجون، والانحرافات الفكرية والخلقية بين الناس، وهو – وللأسف – أكثر ما يعرض في القنوات الفضائية والبرامج التلفزيونية.
لكنهم اختلفوا في حكم التمثيل من حيث هو، بغض النظر عن محتواه وما اتصل به، ما بين محرم ومبيح. وفيما يلي بيان لمذهب المانعين ثم المبيحين.
مذهب المانعين
ذهب جمع من العلماء لمنع التمثيل، ومنهم ابن باز، والألباني، وعبد الله الغماري، وأحمد الغماري، وبكر أبو زيد، وصالح الفوزان، وحمود التويجري، وغيرهم، بناء على التوجيه الآتي بيانه (انظر: التمثيل، لبكر أبو زيد).
إذا علمنا أن التمثيل منقطع الصلة بتاريخ المسلمين في خير القرون، وأن وفادته إليهم كانت طارئة في فترات، وأنه في القرن الرابع عشر الهجري استقبلته دور اللهو وردهات المسارح، ثم تسلل من معابد النصارى إلى فريق التمثيل الديني في المدارس، وبعض الجماعات الإسلامية. فلنعلم أن قواعد الشريعة وأصولها، وترقيها بأهلها إلى مدارج الشرف والكمال تقضي برفضه، ورده من حيث أتى. ولهذا فما نراه في بعض المدارس والجامعات من فرق للتمثيل الديني، فإن في حقيقته التمثيل البدعي لما علمت من أصله، وحدوثه لدى المسلمين خارجا عن دائرة المنصوص عليه بدليل شرعي، وأنه من سبيل التعبد لدى أهل الأوثان من اليونان ومبتدعة النصارى، فلا أصل له في الإسلام بإطلاق، فهو إذًا محدث، وكل أمر محدث في الدين فهو بدعة، تضاهي الشريعة، فصدق عليه حسب أصول الشرع المطهر اسم التمثيل البدعي.
وإن هذا النوع من التمثيل الديني إنما وجد في أمم الكفر، لأنهم خواء ليس لهم شرع قائم يرجعون إليه، أما أهل الإسلام فلديهم الشرع المعصوم من التبديل (الكتاب، والسنة) فهم في غناء عن هذه الواردات، قال الله تعالى: {ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} [الفرقان: 33].
ثم إنه يحصل العدول عن هدي الكتاب والسنة إلى أمثال هذه الوفادات، إذا ضعف أهل الإسلام عن تحمل العلم الشرعي، وأعياهم تحمله، والفقه فيه، فيذهب بهم العجز والخواء كل مذهب، وحينئذ تصادف هذه الواردات قلبا خاليا من نور العلم الشرعي الموروث عن النبي ﷺ فيتشرب هذه المحدثات.
وقد بلغ الحال بالمسلمين من التمثيل لعظماء الإسلام على خشبات المسارح، من رجال القرون المتأخرة إلى القرون المفضلة، إلى أنبياء الله ورسله، إلى عوالم الغيب.
وقد ثبت بالمشاهدة في معقل من معاقل العلم الشرعي، قيام تمثيلية دينية – زعموا – يمثل فيها مسلم دور مشرك بالله، فيسجد لشجرة من دون الله.. لبيان فضل التوحيد.. وهكذا كما هو معلوم ومشاهد.
وإن نشر الفضائل، وإظهار عظمة الإسلام، تلتقي فيها الوسائل مع الغايات، بوقفها على منهاج النبوة، وهذا منابذ لها، أجنبي عنها.
كما أن التمثيل في باب العادات تشبه بأعداء الله الكافرين، وقد نهينا عن التشبه بهم. إذ لم يعرف إلا عن طريقهم، والنهي عن التشبه بهم أمر بمخالفتهم، وقد نهى الله سبحانه عن الخوض فيما يخوضون فيه، فقال تعالى: { كالذين من قبلكم كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا أولـئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك هم الخاسرون} [التوبة: 69].
والله تعالى قال لنبيه: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون} [الأنعام: 59]. فقوله سبحانه: {لست منهم في شيء} يقتضي البراءة منهم في جميع الأشياء. والمتابعة في بعض الأشياء يكون التابع له من المتبوع في ذلك الشيء.
وإذا كان الله قد برأ نبيه ﷺ من جميع أمورهم، فمن كان متبعا لنبيه ﷺ حقيقة كان متبرئا منهم كتبرؤه ﷺ منهم، ومن كان موافقا لهم كان مخالفا لرسول الله بقدر موافقته لهم .
ثانيا: لا يخلو التمثيل أن يكون أسطورة متخيلة، فهذا كذب، والنفوس واجب ترويضها على الصدق ومنابذة الكذب، والأساطير المختلقة المكذوبة تشرب النفوس الكذب وعدم التحرز منه.
أو أن يكون التمثيل حقيقة بتمثيل معين، فهذا محاكاة، والمحاكاة في الأصل منهي عنها. كما في حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال: «ما أحب أني حكيت إنسانا، وأن لي كذا وكذا»[أحمد وأبو داود والترمذي].
قوله: (حكيت إنسانا) أي: قلدته في حركاته وأقواله، فهي غيـبة فعلية، وهي كالغيبـة القولية في التحريم سواء. قال النووي رحمه الله: (ومن ذلك – أي الغيـبة – المحاكاة، بأن يمشي متعارجا، أو مطأطئا، أو غير ذلك من الهيئات، مريدا حكاية من يتنقصه بذلك. فكل ذلك حرام بلا خلاف) [الأذكار، للنووي].
فظهر أن المحاكاة مبغضة في الإسلام، والمحاكاة فيها إيذاء في جميع الأحوال، إذ إن الطباع تنفـر من مشاهدة من يحاكيها حتى في مواطن المحمدة. وكم في هذا من هضم وإيذاء. وإن عشاق اللهو من العظماء والمترفين لا يمكن التجاسر بمحاكاتهم على ملأ من الناس، ولو في مواطن الشجاعة والكرم، فكيف تهدم حرمات ناس مضوا، وبقي علينا واجب النصرة لهم بالإسلام، فلننتصـر لحفظ حرمتهم، والإبقاء على كرامتهم، و«كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» [متفق عليه]، فكيف إذا كان فيه مواقف من الإيذاء والسخرية والاغتياب، والكذب عليه بقول وما قال، وفعل وما فعل؟
وإن السؤال ليرد على من يعتني بها، وعلى من يستخرجها، ويتلذذ بتمثيل غيره معينا، هل يرضى أن يمثـل في مشاهدته، وهو يتحدث مع زوجته، أو قائم في صلاته، أو في حال تلبسه بخطيئة، أو في أي دور من أدوار حياته؟!
وقد ذكر عن الشاعر دعبل الخزاعي (ت 250هـ) قوله: (وما غلبني إلا مخنـث، قلت له: والله لأهجونك، قال: والله لئـن هجوتني لأخرجن أمك في الخيال) [الديارات، للشايشتي].
فانظر كيف كان وسيلة للنكاية والسخرية والتشفي من أي شخص يراد الانتقام منه. فهو بالجملة يحوي مجموعة مفاتيح سوء توصل إلى مقصد يراد منها.
فيا لله كم في هذا من وثبات على حرمات أناس مضوا، وكم فيه من جراءة على حرمتهم، وإسقاط لها، وتوهين لمكانتها، والله المستعان.
ثالثا: المروءة من مقاصد الشرع، وخوارمها من مسقطات الشهادة قضاء، والشرع يأمر بمعالي الأخلاق، وينهي عن سفـاسفهـا. فكـم رأى الراؤون الممثل يفعل بنفسه الأفاعيل، في أي عضو من أعضائه، وفي حركاته، وصوته، واختلاج أعضائه، بل يمثل دور مجنون، أو معتوه، أو أبله، وهكذا.
وقد نص الفقهاء في باب الشهادة على سقوط شهادة المضحك والساخر والمستهزئ وكثير الدعابة. وهذا منتشر في كلام الفقهاء من المذاهب الأربعة وغيرهم.
وعليه فلا يمتري عاقل، أن التمثيل من أولى خوارم المروءة، ولذا فهو من مسقطات الشهادة قضاء، وما كان كذلك، فإن الشرع لا يـقره في جملته.
ومن المسلمات أن التمثيل لا يحترفه أهل المروءات، ولا من له صفة تذكر في العقل والدين.
رابعا: الإسلام ينشد لأهله الترقي في مدارج الشرف، والابتعاد بهم عن إيجاد طبقة ساذجة، دأبها اللهو، والتفاهة، ونشر هذا التدني في الأمة.
والتمثيل لا يمكن أن نرى في الإسلام عظيما في خلقه، ودينه، وشرفه، وكرامة أصله يعتمله، ما لم يكن في مقوماته الأصلية أو المكتسبة اختلال.
والإسلام لما أبيح فيه المزاح، والضحك، واللهو، أبيح في قوالب معينة، وحف بضوابط. أما مطلقا فلا.
والتمثيل لا يكون في حبائله إلا نوع من نزع الحياء منه، والحياء من الإيمان، ولا إيمان لمن لا حياء له. وفي الحديث: «إذا لم تستح، فاصنـع ما شئت» [البخاري].
وقد سمي المزاح مزاحا، لأنه مزيح عن الحق، ومزيـح للهيبة عن معتمله. والمزاح المشروع كان يأتي عرضا، وليس حرفة تستهلك الحياة، وأنه محفوف بضوابطه الشرعية، من الصدق، وعدم الاعتداء على عرض وغيره، أو الكذب، أو الغيبة، وهكذا. وبهذا تجتمع النصوص الواردة في مدحة وذمه.
خامسا: الوقت عصب الحياة، يـنفق في تحصيل ما يعود بالفائدة من دين أو دنيا، كمال يـكسب من حله، ويـبذل في غير إسراف ولا مخيلة.
والتمثيل في مسلسلاته ومسرحياته التي تستغرق الساعات الطوال، عدو كاسر على وقت المسلم، وامتصاص للأموال، ولا سيما وقد صار حرفة، بل فنا له رواده ومدارسه ومسارحه.. فكم بذل فيها من جهود، وكم أنفق فيها من مال، والنتيجة هراء في هراء، ورعونات يأنف من مشاهدتها الفضلاء.
وأما التمثيل الديني على حد تعبيرهم الفاسد، فكم فيه من ثـقـل في العرض وسماجة في الأداء. ولهذا فمن المشهور أن أكثر الخلق يعرضون عنها إلى مجالس لغو أخرى، ولا لوم، إذ يسمعون الممثل يقول بصوته التقليدي على خط وهمي (أنا القاضي شريح)، ويرون ماجنا يقول (أنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب)، نعوذ بالله من عقول لا تستهجن ذلك.
وبعض إحصائيات دول الغرب الكافرة في أقل الناس، ومتوسطهم، وأكثرهم مشاهدة للتلفاز أسبوعيا، وجدت أن أكثرهم مشاهدة من شخص أو أسرة في الأسبوع بمعدل ساعتين لبرامج معينة، أما لبني جلدتنا فقد استغرقوا في مشاهدته، أبصار شاخصة وألباب فارغة، تستلهم جميع برامجه فتمتص من دينه ومقومات حياته بقدر ما يبث فيها، ويستلهمه هذا المسكين، فالله المستعان.
سادسا: التمثيل، لا ينفك عن “الكذب” بحال، في الفعال والأقوال، بل كم من يمين غموس، وزواج، وطلاق.. وكله اختلاق.
والكذب أدوى الأدواء، ويطبع المؤمن على كل شيء خلا الخيانة والكذب.
ووجه عدم انفكاكه عن الكذب على ما يلي: إن كان أسطورة، فهذا من أساسه اختلاق، وبئس المطيـة لتوجيه الأمة وترفيهها بما هو كذب عليها، وملاعبة لعقولها. وإن كان يمثل معينا كصلاح الدين الأيوبي، وغيره من العظماء من قبل ومن بعد، فإنهم سيقولون (قال) وما قال، و(فعل) وما فعل، وهكذا في حركات وتصرفات هي محض افتراء، وتقـول عليه.
وإذا حرم الله شيئا مثل الكذب، حرم ما بني عليه، وأوصل إليه، والتمثيل سبيل إليه، فيحوي من الكذب ما تراه، فالله المستعان.
سابعا: التمثيل بنوعيـه: الديني والترفيهي، ردة فعل لدى المنهزمين من المسلمين، لمحاكاة ما لدى الأمم الكافرة من أساطير و”إلياذات” وهمية منسوجة يهرع إليها الناس.
فلدى اليونان: “إلياذة هوميروس” وهي مطبوعة في مجلدين.
ولديهم “التراجيديا اليونانية” التي اختلقها “أيسكولوس” ولدى الرومان أساطيرهم ونسجهم.
ثم يأتي المنهزمون من المسلمين فيلتقطوا من موائد هؤلاء ومن غيرهم، فيهيمون في التمثيل الترفيهي إلى حد بلغ القضاء المبرم على سمة المسلم، ووقته، وقواه، وتفكيره.
وعندئذ يأتي اختلاق “ألف ليلة وليلة” و”سيرة عنترة” و”البطال” و”السيد البطل”
وعلى غرارها في العصر الحاضر: الإستدلال من سيرة الأبطال، ومضاعفتها بالكذب والأوهام، كما في قصة “وضاح” و”عبيد بن الأبرش”، وغيرهما من أحاديث العرب وأخبارها في جاهلية وإسلام.
وفي التمثيل الديني يأتي التسلق إلى تمثيل أنبياء الله ورسله، والصحابة من المهاجرين والأنصار، وإلى عظماء الإسلام كافـة.
وكان من أبشع ما رأى الراؤون ما عمله طه حسين في كتابه “على هامش السيرة”، فهو ليس في حقيقتها، ولكن على هامشها بالاختلاق للتسلية.
إنها محاكاة دينية لإلياذة اليونان، وأساطير الرومان.
فجعل هذا العابث سيرة النبي ﷺ مسرحا للأساطير والكذب، وإدخال الباطل، وسل الصحيح. واختراع ما يسيئ إلى النبي ﷺ وإلى جميع المسلمين.
فانظر إلى هذا العنوان الأثيم “على هامش السيرة”، وإلى ما احتوته من الاختلاق العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثامنا: ولما نشأت ظاهرة “القصص الكاذب” في عهد أمير المؤمنين عمـر رضي الله عنه بغـية الوعظ والتذكير، منع ذلك عمـر رضي الله عنه وشدد النكير على القصاص والمذكرين.
وقد توالت كلمة العلماء على إنكار ذلك، وأنه دجل وتلاعب بالعقول، وكذب مختلق لا يجوز، وتشويه لصورة الإسلام وشيوع للموضوعات والمختلقات.
وإنه وإن ظهر بمظهر الوعظ وإيقاظ النفوس، فهو مرض شهوة حب المال، والجاه، والظهور.
وقد أغنانا الله بقرآن يـتلى، فيه أنواع القصص والعبر، بل فيه أحسن القصص.
وقد ألف العلماء في الإنكار عليهم – أي الوضاعين – تآليف مفردة لشدة خطرهم، وعظيم ضررهم.
واليوم: يعود الكذب بمسلاخ آخر (التمثيل)، فبالأمس “الحديث الموضوع” واليوم “التمثيل المكذوب” كلا أو بعضا، وجعله قربة يحبب الإسلام إلى النفوس؟!
تاسعا: التمثيل “محاكاة)”، والمحاكاة خاصية “القردة” من الحيوانات، والمسلم منهي عن التشبه بالحيوانات، والله تعالى يقول: {ولقد كرمنا بني آدم} [الإسراء: 70]. قال الحافظ ابن حجر: (ومن خصاله – أي القرد -: أنه يضحك، ويطرب، ويحكي ما رآه) [فتح الباري، لابن حجر].
عاشرا: أجمع القائلون بالجواز المقيد على تحريمه في حق أنبياء الله ورسله عليهم والصلاة والسلام وعلى تحريمه في حق أمهات المؤمنين زوجات النبي ﷺ وولده عليهم السلام وفي حق الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم؛ فنسأل المجيز مقيدا والرسول قد قال: «كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه» [متفق عليه] وهو الذي حرم المحاكاة، وحرم الكذب، فلماذا نهدر هذه الحرمات في حق بقية سلف هذه الأمة وصالحها، وفيهم العشرة المبشرون بالجنة، وأعمام النبي ﷺ، ولحمة قريش وسداها ممن أسلموا هم عشيرته وقراباته، والنبي قد اوصى بعترته أهل بيته، وهكذا في كوكبة الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
حادي عشر: إن التمثيل الديني (البدعي) لا يظن قائل يفتي بمزاولته في بيت من بيوت الله، كصحن المسجد الحرام، وأروقة المسجد النبوي الشريف، وهكذا في سائر المساجد. وهذه حلق التدريس والوعظ تعقد في المساجد كابرا عن كابر إلى يومنا هذا، والتمثيل في نظر المجيز “درس هادف” ومستحب ومرغوب فيه، فهل يقول عاقل سليم الفطرة بعقدها في رحاب المساجد؟
اللهم لا، وإن فطرة المسلمين تأبى هذا، ولا عبرة بمن مالت به الأهواء فتردى.
أما من جهة موضوعه وما يفضي إليه، فإن قاعدة الشريعة: أن الشيء إذا كان في أصله مباح ثم احتوى على محرم أو أفضى إليه أنه يكون حراما.
وهكذا التمثيل، إذا قيل أنه في الأصل يلتحق باللهو المباح ثم خالطه محرم أو أفضى إليه، فإنه يكون حراما: أداء، وعرضا، ومشاهدة، طردا لقاعدة الشريعة المذكورة.
ومن هذه الفعلات المحرمة، والأقوال المنكرة، والنتائج المؤلمة، التي قد يشتمل التمثيل على واحدة منها فأكثر ما يلي:
- أن يحوي القيام بفعل أو قول عن الله سبحانه وتعالى وتقدس عن أن يشبهه شيء.
- أن يكون فيه القيام بدور عن أحد من أنبياء الله ورسله عليهم الصلاة والسلام.
- أو عن أحد من صحابة رسول الله من الخلفاء الراشدين وزوجاته أمهات المؤمنين رضي الله عن الجميع.
- أو عن معيـن من المسلمين حي أو ميـت.
- أو مسلم يقوم بدور شيطان، أو كافر بالله تعالى.
- أو عكسه من كافر يقوم بدور مسلم.
- أو مسلم عن حيوان.
- أو رجل يمثل امرأة أو عكسه.
- أو محاكاة معـين على سبيل الإضحاك، أو السخرية، أو الإيذاء، أو محاكاة مجـردة.
- أو تبني غير الرشدة.
- أو يكون التمثيل مركبا من رجال ونساء، وما وراء ذلك من خلوة، واختلاط، ومصافحة، وسفر بلا محرم.
- عرض دور ولدان شباب مرد حسان.
- كشف عورة مغلظة او غير مغلظة من رجل، أو امرأة.
- اشتماله على المعازف، والغناء المحرم، والرقص من نساء ورجال.
- اشتماله على التصوير المحرم.
- التزيي بزي يسخر منه، كاللحى المصطنعة ووصل الشعر.
- القيام بأفعال فيها رعونة، وسخرية، وخرم مروءة.
- اشتماله على قول محرم من السباب، والشتم، واللغو، والقذف، والغزل.
- احتواؤه على الكذب، والاختلاق، أو في فرع منها مثل دعوى الزواج، والهزل بالطلاق.
- قيامه على اختلاق أسطورة مكذوبة في مشوار طويل من الكذب والوهم.
- اشتماله على تعظيم شعائر الكفر كالمعابد الكنسية والوثنية، وبيوت النار.
- اشتماله على مواقف الشعوذة، والدجل، كالوقوع في النار وتحت الأثقال.
- نشر أخلاق وعادات الكافرين، والمبتدعة، والفاسقين.
- الخوض، واللعب، والاستهزاء، وأي من الهزل في أي من أحكام دين الله وشرعه.
- اشتماله على أي ناقض للعبادة من الخوف، والرجاء، والحب، والبغض، والولاء، والبراء.
- تمثيل قصص وحكايات عن أشخاص لا تصح عنهم، فهي قلب لحقائق التاريخ وتشويه له.
- إفضاؤه إلى نشر رذيلة، أو إشاعة فساد ومنكر.
- نشر الرعب، والخوف، والقنوط، واليأس.
- إلحاق الأذى بالشخص الممثل عينا، في لباس، أو نطق، أو شعور مصطنعة، أو هيئة معينة، مثل العلماء، والزهاد، والفرسان.
- إثارة الشبهات والشهوات
وهكذا في عدد من هتك الحرمات، وما يفضي إليه من المحرمات. وبه يظهر: أن التمثيل قد يجمع أسباب التحريم الثلاثة: لذاته، ولموضوعه، ولما يفضي إليه. وأنه لا تنفك الحرمة عنه، إن حالا أو مآلا.
وفي المقالة التالية، نعرض إن شاء الله تعالى لمذهب المبيحين، وخلاصة ما يتبين في الجمع بين الأقوال. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
(*) مارون النقاش (1817-1855) هو تاجر بيروتي لبناني كان من الداعمين لفكرة المسرح العربي. قضى سنوات عدة في إيطاليا حيث اكتشف هذا الفن الجديد وشغف به. فلما عاد إلى لبنان ترجم بالتصرف مسرحية موليير الشهيرة L’Avare تحت عنوان “البخيل” سنة 1848، فعرضت المسرحية على خشبة أقامها بمنزله. وكان الممثلون رجالا من أهله (لم تبدأ النساء في التمثيل إلا في وقت لاحق). وحقق بهذه المبادرة بعض النجاح وسمحت له السلطات العثمانية ببناء قاعة مسرح حقيقية. وسنة 1850، أخرج مسرحيته الثانية “أبو الحسن المغفل وهارون الرشيد” واستلهم موضوعها من ألف ليلة وليلة. غير أن النقاش تعرض لاعتراضات المحافظين ورجال الدين وانتابته الشكوك والإحساس بالذنب فحول مسرحه إلى كنيسة قبيل موته وهو في الثامنة والثلاثين.

