واجب الوقت: دليل مختصر للسالكين على درب العلم والعمل – د. محمد مصطفى الشيخ

ومن هنا كان حريا بالناصح لإخوانه ولمعاشر المسلمين عموما أن يجتهد في تقريب ما عم الاحتياج له من أصول المنهج ومعالمه؛ فإن السبيل إلى تفاصيل العلوم وآحاد المواعظ والدروس ممهدة لا مشقة في تحصيلها، خلافا لكليات السير، وأسس التحصيل والعمل، فإن مظانها بعيدة الملتمس.

وهذه الرسالة تجتهد في رسم السبيل الذي يحقق المسلم العامل لدين الله من خلاله واجب الوقت، مبينة واقع المسلم الحالي والمفاهيم المغلوطة التي تعوق سيره. فإذا انضبطت هذه المعاني لديه واتسع أفقه، لم يعوزه سوى الوسائل العملية المباشرة التي سيتحرك من خلالها في مختلف الميادين. وما تعرضه هذه الورقات لمحات مختصرة في هذا الباب، تتحرى سرد النكت والفوائد، وتستغني بالإحالة والإشارة عن الإسهاب وتكرار العبارة.

من مقدمة الكتاب – د. محمد مصطفى الشيخ

الدين القيم: توحيد الله عز وجل – د. محمد مصطفى الشيخ

إن بيان أصول التوحيد والإيمان وتقرير ما يتعلق بهما من المسائل بالدلائل لا يستغني عنه عالم ولا متعلم، وهو – كما قيل – نور على نور. وهذا الكتاب الذي بين يديك “الدين القيم – توحيد الله عز وجل” هو بحث حول “توحيد الألوهية” أو “توحيد العبادة”، اجتهد فيه المصنف أن يجمع أطراف هذا الموضوع العظيم ويرسي عُمُد بنائه، ليكون مدخلا بين يدي طالب العلم لفهم قضية التوحيد من أساسها، وتمهيدا له لدَرسِ متعلقاتها وأحكامها فيما بعد على التفصيل، ومختصرا يرجع إليه الذين جالوا من قبل في رياض هذا العلم الشريف، وعونا ودليلا للسائرين على درب {قل هذه سبيلي}.

وقد انتظم “الدين القيم” جزأين كبيرين: الأول وهو “حقيقة التوحيد والإيمان”، واشتمل على قواعد وأصول في هذا الباب، مبينا إياها من منظور عقدي، كي يكون عونا للدارس على فهم حقيقة التوحيد والإيمان وما يضادهما، معتنيا بتبيان الأمور التي يصح أن يقال عنها إنها أصل الدين. والثاني هو “الحكم بالإسلام والكفر: قواعد وأصول”، وهو مبني على الأول، فموضوعه الثمرة الدنيوية للتوحيد والإيمان (أحكام الظاهر)، فاشتمل بذلك على قواعد وأصول في أحكام الإسلام والإيمان وناقضهما، وهي مباحث جديرة بأن تكون الصلة بين مباحث الاعتقاد والأصول من جهة، وبين مباحث الفروع من جهة أخرى.

من مقدمة الكتاب – د. محمد مصطفى الشيخ

قوانين البيت المسلم: 1-النظافة والطهارة

قال رسول الله ﷺ: “الطهور شطر الإيمان” [مسلم]. من أولى ميزات المسلم في نفسه وفي بيته وفي دائرة بيته نظافته، وقد يشترك غير المسلم مع المسلم بالنظافة ولكن المسلم يتميز بالطهارة، والطهارة حكم شرعي مرتبط بأسبابه قد يتلازم مع النظافة وقد لا يتلازم؛ فالكحول مثلاً منظف ولكنه غير مطهر، إلا أن ارتباط الطهارة بالماء في الغالب يجعل هناك تلازمًا إلى حدٍ كبير بين الطهارة والنظافة، فالمسلم يعني بالطهارة والنظافة بآن واحد، وهذا ما يجعله متميزًا عن أصناف الناس، فهو يتحاشى الأوساخ والنجاسات، ويزيلها حسية ومعنوية.
ولتحقيق النظافة والطهارة في النفس يلاحظ المسلم أن يكون على طهارة البدن دائمًا ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. ومع المحافظة على طهارة البدن فإن المسلم يحرص على طهارة الثياب.
ومع الحرص على طهارة الثوب والبدن ونظافتهما فإن المسلم يحرص على الطهارة والنظافة في بيته، ومن ثَمَّ فإنه يلاحظ طهارة البيت وطهارة أدواته وطهارة أثاثه ما أمكن، ويتعين عليه تخصيص مكان الصلاة بمزيد عناية في الطهارة، ويراعى أن تكون سلال المهملات كافية حتى لا تبعثر الأوساخ في البيت، ويخص الحمام والمرحاض بمزيد عناية، ويلاحظ تراكم الغبار على كل شيء في البيت فينظَّف، ومع ملاحظته النظافة داخل بيته فهو يحرص على النظافة في ما يحيط بالبيت، فيلاحظ أن يبقى فناء البيت نظيفًا من الأوساخ والأقذار والغبار، وكل ما يؤذي النظر من مناظر.
وليلحظ المسلم لتحقيق النظافة ما يلي:
أولاً: أن يُعوِّدَ المسلم نفسه وأهل بيته ألا يلقوا شيئًا من الأوراق أو المستعملات إلا في سلات المهملات وخاصة الأوراق التي يستعملها للطهارة، فلا يلقيها داخل الحمام إلا في سلة المهملات. ومما يحسن أن يلاحظ بألا تلقى أوساخ المطبخ إلا في المكان المخصص لها وضمن صندوق خاص ذي غطاء بعيدًا عن متناول أيدي الأطفال، وأن ينظف الصندوق ومكانه دائمًا ويعقَّمان. ومن المناسب ألا تلقى أوساخ الأواني المستعملة في مصارف المياه مثلاً لئلا تؤدي إلى انسدادها، ويستحسن أن تتلقى بمصفاة توضع تحت صنابير المياه عند التنظيف، ثم تلقى بقايا الطعام وغيرها في مكان آخر مناسب لها.
ثانيًا: أن تنظم المرأة أوقات غسيل الثياب وغسيل أدوات الطعام وكل ما يتَّسخ في البيت في مواعيد محددة.
ثالثًا: يلاحظ أهل البيت الأشياء التي يتجمع فيها الغبار فيخصوها بالنظافة.
رابعًا: أن تكون هناك مواعيد محددة لكنس البيت بما يتفق مع وضع أهل البيت.
خامسًا: أن ينظم أهل البيت غسل أجسامهم حيث لا يمر أسبوع بدون اغتسال، ومن السنة الاغتسال كل يوم جمعة، واستعمال السواك لتنظيف الأسنان وتقوية اللثة فإن لم يكن فاستعمال الفرشاة مع المعجون، وهذا يحافظ على الأسنان من التسوس والتلف ويساعد على بقاء رائحة الفم طيبة، واستعمال السواك سنة يستحسن اتباعها والمحافظة عليها.
سادسًا: أن ينظم أهل البيت أمر التخلص من النفايات بحيث لا تؤذيهم ولا تؤذي غيرهم. وأهم ما يلاحظ في النظافة: المطبخ والحمام والعقوبات التي تصيب البيت بسبب إهمال تهويته.
سابعًا: وقد يصاب أحد من أفراد البيت المسلم بالوسوسة بنظافة أو الطهارة فيغلو في ذلك، وقد يصاب بالتساهل فيفرط وكل منهما يحتاج إلى علاج، والعلاج في العلم، ولكن علاج الوسوسة يختلف عن علاج التساهل، فالموسوس يُعرّف على رخص المذاهب في الطهارة، والمتساهل يعرف على ما ورد في السنة في التشديد في الطهارة، والوسوسة تضييع للمال والجهد والوقت، فهي تدخل أصحابها في دائرة الإسراف لذلك كان علاجها ضرورياً وذلك من خلال التعرف برخص المذاهب.
فمن رخص المالكية:
– أن الطهارة من النجاسة الحسية في الثوب والجسم والمكان سنة وليست فريضة.
– أن الماء ولو كان قليلاً إذا أصابته نجاسة فلم تغير لونه أو طعمه أو ريحه يبقى طاهرًا.
ومن رخص الحنفية:
– أن حبل الغسيل ولو كان نجسًا إذا كان جافّا ونشر عليه الغسيل فإن الغسيل لا يتنجس.
– أن سجاد (الموكيت) إذا كان ملصقًا بالأرض فله حكم الأرض، فجفاف النجاسة وزوال أثرها مطهر له.
– أنه إذا أصيب ثوب أو مكان بنجاسة ولم يعرف مكانها، فأي مكان غلب على الظن أنه هو وغسل طهر به الشيء.
– أن السجاد أو الحصير إذا كان نجساً وجفّ وداس عليه المتوضئ برجله المبلولة ولم يظهر أثر النجاسة على رجله، فإن ذلك لا ينجسها.
ومن رخص الشافعية:
– أن ورود الماء على النجاسة الحكمية كالبول الناشف يطهر النجاسة ويبقى الماء طاهراً، وفروع هذه المسألة كثيرة، فإذا أصيب حصير أو سجاد ببول مثلاً، ونشف فإنه يكفي أن يصب عليه الماء، فيطهر المكان ويبقى الماء طاهراً، فإذا ترك المكان للجفاف يطهر تلقائياً، ولو أن ثوباً أصيب بنجاسة حكمية فصب على المكان ماء فالمكان طهر والماء طاهر، فما تناثر منه على بقية الجسد أو الثوب فهو طاهر، ولو أن امرأة وضعت ثياب طفلها في الغسالة الخالية ثم صبت عليها ماءً، فالثياب تطهر والماء طاهر، فما أصابها منه طاهر لا يُنجِّس، وإذا فاض الماء في إناءٍ فيه ثياب نجسة بحيث صبّ من جوانب الإناء طهر الإناء وما فيه عند الحنفية. إن معرفة رخص المذاهب نوع علاج للوسوسة.
ومن رخص المذاهب أن الكحول أو الخمرة أو ما ينتج عن الكحول من عطور وأدوية ليست نجسة نجاسة حسية، فالخمر نفسها عند هؤلاء نجسة نجاسة معنوية.
لكن مثل هذه المسائل نعرف عليها من أصيب بالوسوسة ليشفى منها، أما المتساهل فندربه على المحافظة العملية على طهارته ونظافته.

فالله هو الولي

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين

يقول تعالى في كتابه العزيز: {ألا إن أولياء الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم * ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم} [الشورى: 62-65].

تلك هى البشارة، وذلك هو شرطها. وما أعظمها من بشارة، وما أحرانا أن نستكمل شرطها. كل امرئ في هذه الحياة قد تعلق واستنصر بوليه، فلا يقوم أمره إلا به، ولا يتعلق قلبه إلا بسببه، لكن شتان بين ولي وولي. فأما المؤمنون فقد اتخذوا الله وحده وليهم، لأنه الولي على الحقيقة فاطر السموات والأرض.. {أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي} [الشورى: 9] {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} [البقرة: 257] وما أوهن هذه العلاقة.. {كمثل العنكبوت اتخذت بيتا} [العنكبوت: 41].

لكن ولاية الله أمر غيبي، وولاية المخلوق ظاهرة لها بريق ورونق. ولهذا كان شرط الولاية الأول هو الإيمان. وحين تخالط بشاشتة القلوب تصبح ولاية الله ومعيته أقوى من كل سبب ظاهر، ويصير ما في يد الله أوثق مما في يد العبد. والمؤمنون في سيرهم إلى الله يؤمنون بذلك على الجملة ويقرون به، فتأتي المحن والخطوب لتمحص قلوبهم. العبد يظن أنه بانتسابه لأهل الإيمان قد صار من أولياء الله، وأنه ببذله القليل في سبيل الله فقد دخل في زمرتهم، ويغُره في أثناء ذلك ثناء من الناس قد يجده، أو فتح يفتحه الله عليه، أو ستر الله المرخى عليه. لكن ميزان الناس أمر وميزان الله أمر آخر، إنه عليم بذات الصدور، يعلم السر وأخفى. إنه سبحانه مطلع على شهوة خفية في النفس، على شيء من حب الظهور أو الثناء، على كراهة اطلاع الإخوان على المثالب والعيوب، على استثقال أمر الدعوة وخطرها، على شيء من الخوف من المستقبل أو خشية فوات الرزق، على لمة من التعلق بالزوجة والأنس إليها، على حرص على الذرية.. وفي نفس كل منا شيء من هذا أو ذاك، وأثر للشرك الخفي. والمولى يريدك له وحده لأنه مولاك وأنت عبده، فتأتي المحنة – وهي آتية ولا بد – لتكشف بعضا من ذلك.. ولا أقول كل ذلك.. لأن العرض سيكون في الآخرة: {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} [الحاقة: 18] نسأل الله العافية والستر فى الدنيا والآخرة، والمحنة لا تأخذ صورة واحدة، لكن مدارها على الابتلاء {بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات} [البقرة: 155] {لتبلون في أموالكم وأنفسكم} [آل عمران: 186].. {سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} [الفتح: 23]. فحينئذ ينكشف المنافق الذي كان يقول ما لا يفعل ويظهر غير ما يبطن – وما أكثرهم عافانا الله – ويتمحص الصادق.. «من يرد الله به خيرا يُصب منه» فيطهره من السيئات وآثارها، ويوفقه للتوبة والرجوع والإنابة، {وما يتذكر إلا من ينيب} [غافر: 13]. وحينئذ يذوق المؤمن حلاوة الولاية، وتنكشف له حقائقها، ويراها رأي العين؛ والغافل ليس له منها سوى الاسم.. {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم} [محمد: 11].

في غمرة البلاء والكرب يوم أحد يأمر النبي ﷺ أصحابه أن يصدعوا بهذه الحقيقة لرأس الكفر.. «ألا تجيبون؟» قالوا: وماذا نقول؟ «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم».

وفي كل عصر يأوي المؤمنون إلى هذا الركن الشديد إذ يأوي المجرمون إلى “عُـزّاهم”. ويكون حال المؤمن مع مولاه أعظم من حال أهل الدنيا مع أوليائهم. فهو إذ يسأل لا يسأل إلا مولاه. وإذ يخضع لا يخضع إلا له. وحين يسأل فهو واثق في الإجابة كأشد ما تكون الثقة. لا يستبطئ النصر ولا يستطيل الطريق. وإذ يسمع وعد ربه يَقر عينًا به. وإذ يسمع داعي مولاه لا يتلبث عن النفير. وإذ يرى تخذيل بعض إخوانه لا يفت في عضده. وإذ يقرعه تخويف أعدائه لا يوهن من عزمه. ثم هو حاله في المحنة كحاله قبل المحنة وكحاله بعد المحنة، فهو عبد لمولاه في كل حال لا يختار لنفسه شيئا. وكيف يختار لنفسه وقد كفاه بذلك مولاه، فلنعم المولى ونعم النصير {أليس الله بكاف عبده} [الزمر: 36].

فإذا انجلت المحنة فهو لا يرى لنفسه فضلا ولا منة، بل لله الفضل والمنة. وهو على وجل ألا يكون الله قد تقبل منه عمله، وهو على عزم أن يبذل المجهود من نفسه في ذات الله، وعلى وجل من أن يختم له بالسيئة وبينه وبين الجنة ذراع. نسأل الله تعالى أن يتولانا فيمن تولى، وأن يوزعنا شكر نعمته، وأن يختم بالصالحات أعمالنا، وأن يجعلنا ممن {تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} [النحل: 32].

وصلى الله على محمد وآله وسلم.

التمثيل ونظرية البديل الإسلامي – 2

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه وسلم. أما بعد،

فقد عرضنا في المقالة السابقة لحكم التمثيل عند من يمنعونه، ونستكمل بيان هذا الموضوع – حكم التمثيل – في السطور التالية.

مذهب المبيحين

من أباح التمثيل رأى أنه لا يعدو أن يكون نوعا من الحكاية للواقع لا أنه إخبار عن الواقع بخلاف ما هو عليه؛ إذ الأصل إباحة الحكاية إذا لم تكن على وجه التنقص والازدراء، للبراءة الأصلية.
وممن أجاز التمثيل بشروط: محمد رشيد رضا، وابن جبرين، وابن حميد، وابن عثيمين، والقرضاوي، وفتوى دار الإفتاء المصرية.
وقد جاءت بعض الأدلة الشرعية المؤكدة لأصل إباحة المحاكاة؛ فمن ذلك ما تقدم عن ذكره ابن مسعود رضي الله عنه حيث قال: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، ففيه حكاية من النبي بفعله وقوله لما جرى من ذلك النبي عليه السلام وهو دال على جواز هذه المحاكاة.
وقد عدوا للتمثيل مصالح كثيرة، فهو أشد أثرا في النفوس وأرسخ في الأذهان إذا ما تعلق بحادثة تاريخية أو دعوة لفضيلة أو نحو ذلك؛ لا سيما مع سعة انتشاره ووصوله لكافة قطاعات المجتمع.
ولأدلة المبيحين التفصيلية نقاش لا يتسع له المقام، كاستدلالهم بتمثل الملائكة للبشر، وبعض أفعال الأنبياء [أحكام فن التمثيل في الفقه الإسلامي، لمحمد الدالي].
لكن القائلين بإباحة التمثيل من أهل العلم – وهم كثر – وضعوا له شروطا وضوابط لا بد من التزامها والانضباط بها، ومتى تخلفت هذه الضوابط والشروط، صار التمثيل محرما وعد مخالفة شرعية [التمثيل.. الحظر والإباحة، لعبد الله صالح العجيري، مجلة البيان].
والإحاطة بهذه الشروط والضوابط والعلم بها متعين على كل من أراد الدخول في عالم التمثيل واقتحام فضاءاته، خصوصا المربين الذين يقومون على تربية الشباب في مختلف المناشط الخيرية، في المراكز الصيفية والمخيمات الشبابية والأنشطة التوعوية، ممن قد يستعملون هذه الوسيلة في التأثير.
وتزداد الحاجة إلى معرفة هذه الضوابط مع اتساع رقعة التمثيل في العمل الإسلامي باتساع رقعة الفضاء الإعلامي، وقيام الدعوات لتقديم البدائل الإسلامية في مجال: الفن، والدراما، والمسلسلات، والأفلام.. وغيرها.
ومن المؤلم دخول كثير من الأخيار هذا المجال مريدين للخير ونشر الدعوة؛ ثم تجد منهم ألوانا من التساهل المذموم في التزام هذه الضوابط مع تعلقهم بأقوال من أباح التمثيل من أهل العلم، وكأن أولئك العلماء ما تكلموا في شروط وضوابط؛ وكأنهم قد أباحوا كافة صور التمثيل.
فالواجب على من أراد التعلق بكلام أهل العلم في هذه المسألة مراعاة ما وضعوه من الضوابط والشروط، لا الأخذ بطرف من كلامهم وبتر أطراف.
أما ضوابط وشروط التمثيل المباح – عند من أباحه – فأهمها ما يلي:

أولا: وجود الحاجة الداعية إليه شرعا، تحقيقا لمصلحة معتبرة أو دفعا لمفسدة معتبرة، وثمة في الواقع حاجة بل حاجات تدعو إلى الاستفادة من التمثيل كوسيلة للدعوة إلى الأخلاق الحميدة والأفكار السليمة ومزاحمة الشر بالترفيه المباح، مع التنبه إلى تأخر رتبة هذه الوسيلة بالمقارنة مع غيرها من وسائل الدعوة القائمة على تبليغ القرآن وتبليغ السنة ونشر فقههما، بالموعظة والتذكير، والمحاورة والتعليم، والاقتداء والتأسي؛ فلا ينبغي التوسع فيه حتى يصير غاية في نفسه، أو يتوهم أنه الوسيلة الأهم في باب الدعوة، أو يتشاغل به عما هو أولى منه… وهكذا.

ثانيا: ألا يقترن به محرم: كوجود آلات اللهو والمعازف، ومثلها الأناشيد المشتملة على الإيقاعات والمؤثرات التي هي في حكم الموسيقى، أو ظهور النساء للرجال ولو بحجاب، أو الاختلاط بين الجنسين وما قد يتبعه من مصافحة وضم وغيره، أو الإسفاف والابتذال، أو نشر الفجور وبث الرذيلة، أو وصل الشعر طلبا للتجمل؛ فإن خلا من قصد التجمل، فمحل تردد والأحوط تركه، أو السخرية والاستهزاء بمعين أو طائفة: كتمثيل أعرج أو أخرس أو أعمى أو جنسية أو لهجة قوم على وجه التنقص؛ فإن لم يكن على وجه التنقص فلا بأس به، وغير ذلك من عموم الذنوب والمعاصي.

ثالثا: عدم تمثيل من يحرم التشبه بهم، أو من يكون في تمثيلهم انتقاص من قدرهم، كالأنبياء والملائكة – قطعا – ومثلهم الصحابة، وكبار العلماء والصالحين على خلاف بين أهل العلم فيهم.
وأما من يحرم تمثيلهم لحرمة التشبه بهم؛ فتمثيل الرجال لأدوار النساء والعكس، وكذا التشبه بالحيوانات في حركاتها أو أصواتها إلا ما كان يسيرا على وجه مداعبة الأطفال خاصة، والأصل حرمة تمثيل أدوار الكفار والعصاة، وقد يستثنى من هذا الأصل ما كان فيه مصلحة راجحة بشرط أن لا يصدر من صاحبه قول أو فعل مكفر أو معصية حقيقية: كسجود لصنم، أو سب الله والدين، أو شرب الدخان، أو حلق اللحية أو غير ذلك، ومثله العاصي فيجوز تمثيله والتظاهر بفعل المعصية لا فعلها حقيقة، طلبا للتنفير منها في حال المصلحة الراجحة، خصوصا فيما شاع من المعاصي، أما ما لم ينتشر منها فالأولى عدم التنبيه إليها، خشية من إذاعتها ونشرها.
والأولى بكل حال اجتناب الخوض في هذا الاستثناء ما أمكن؛ إذ هو على خلاف الأصل، ومحل شبهة؛ ينبغي على من يعالج تربية الشباب الصالح أن يتجنبه ولا يتوسع فيه.

رابعا: عدم تمثيل عوالم الغيب: فلا يجوز تمثيل أدوار الملائكة ونحوهم، أو وقائع يوم القيامة: كالبعث والحشر وعرض صحائف الأعمال ومشهد الحوض والورود على الصراط.. وغير ذلك، وكذا أحوال الجنة والنار وسائر المغيبات؛ فإن في تمثيل هذه المشاهد قولا على الله – تعالى – بغير علم، وتوهينا من قدرها ومنزلتها.

خامسا: ألا يتضمن التمثيل دعوة لمحرم، من عقائد كفرية، أو بدع ردية، أو معاص وذنوب؛ إذ الدعوة للحرام حرام، بل قد يكون صاحبه أشد إثما ووزرا.

سادسا: أن لا يتضمن التمثيل كذبا وتزويرا للواقع والتاريخ، أو الأشخاص والطوائف، أو على الشرع والدين. فلا بد من تحري الصدق والأمانة.

سابعا: ألا يؤدي التمثيل إلى أمر محرم: كالصد عن ذكر الله، أو التشاغل عما هو أوجب منه، أو تضييع للأوقات والطاقات والأموال بما لا يفي بمصلحة التمثيل.

ثامنا: يجب أن يأتي التمثيل كوسيلة للدعوة إلى الله في مرتبة متأخرة عن الوسائل السنية الشريفة وهي الكتاب والسنة وهدي السلف.
ومما نؤكد عليه أن ما علق من الأحكام والضوابط على تحقق المصلحة الراجحة فالمقصود مراعاة المصلحة الشرعية المعتبرة التي يقدرها أهل العلم؛ فإن الفقه الحقيقي في معرفة محال هذه المصالح والمفاسد، وإدراك خير الخيرين وشر الشرين، والموازنة بين منازل المصالح والمفاسد، وهذه خاصية أهل العلم؛ فالأصل الرجوع إليهم في تحقيق هذه المسائل واستشارتهم بتصوير حقيقة النازلة من كافة جهاتها، وبيان ما يمكن أن يترتب عليها من المصالح والمفاسد، ويترك لهم الحكم بعد ذلك فيها، عملا بقول الله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43].
وإذا أخذ من هذا الأسلوب ينبغي الأخذ بقدر؛ فإن في الإكثار من هذه الوسيلة تشاغلا عما هو أولى وأحرى، وهو مظنة الوقوع في شيء من المحظورات والتخفف من بعض الضوابط، والواقع شاهد بهذا.
ومهما قيل عن فوائد التمثيل والإنشاد ونحوهما، فينبغي التأكيد على أنه من الخطأ البالغ أن يبالغ المربون في صرف الشباب الصالح إلى مثل تلك المناشط التي تصدهم – غالبا – عما هو أنفع لهم في أمر دينهم؛ من التزود من العلم النافع، والعمل الصالح، وحفظ كتاب الله، والتفقه فيه، وتربية النفوس على التقوى والخشية والخوف من الله.
وأما عامة الناس ومخاطبتهم بلغة التمثيل فقد يكون لهم في هذا الباب فقه أوسع وأرحب من فقه من تقدم.
والمصالح المعتبرة في حقهم لا تساوي ضرورة المصالح المعتبرة في حق الشباب الصالح، وما يليق بهم وبأحوالهم قد يكون أوسع دائرة من اللائق بأحوال أهل الاستقامة.

نظرية “البديل الإسلامي”

لقد ظهرت قنوات فضائية ومؤسسات إعلامية تهدف إلى تقديم البديل الإسلامي، ومن ذلك الأعمال التمثيلية الإسلامية، هدفها بيان جوانب الإسلام من خلال هذا الفن سواء من الناحية العقدية أو الخلقية أو غيرها.
ومن تأمل الدور الذي يؤديه الممثل يتبين له أنه بات وسيلة مؤثرة في نشر الأفكار والمفاهيم والدعوة إليها حقا كانت أم باطلا. فهل من خلال هذا الدور يمكن النظر في إمكانية استخدام التمثيل كوسيلة في الدعوة إلى الله وبيان الحق ودحض الباطل الذي انتشر؟ وفي حال كان الجواب بالإيجاب، فما ضوابط ذلك؟ لا شك أننا أجبنا عن هذا فيما سبق بوجه.
لكن المتحمسين لفكرة البديل الإسلامي يدعمون توجها قويا في هذا العصر لإيجاد البدائل المرئية الهادفة، المشتملة على عناصر النجاح، القادرة على المنافسة في عالم أصبحت فيه الأسر والأطفال متابعين بشدة لشاشات التلفاز وأفلام الفيديو وصفحات الإنترنت.. بناء على أن إعداد مثل هذه المواد حاجة ماسة، ومصلحة راجحة، يغتفر في سبيلها ما دونها مما يصنف في خانة المخالفات الشرعية بالنظر الجزئي، وذلك لأمور، منها:

أولا: عموم البلوى بالنظر إلى الأفلام بأنواعها، ومن عامة طبقات المجتمع، ومعلوم أن أغلب ما يشاهد – إن لم يكن كله – مما لا يتفق وآداب الإسلام، بل هو خارج عن هديه خروجا كليا أو جزئيا. وليس من الحكمة ولا من النظر السديد أن يترك هؤلاء فريسة لهذه الأفلام الهدامة بحجة أن التصوير مثلا أو التمثيل حرام، في حين أنه تم استثناء بعض الأحوال كالتصوير للتوثيق، والتمثيل للتعليم.. ونحو ذلك. وما نحن بصدده أعظم خطرا في أثره وأولى بالاستثناء والاعتبار.

ثانيا: لا وجه لترك الناس ـ على جهة المعاقبة لهم على إدخال التلفاز أو الأطباق الفضائية ـ والتخلية بينهم وبين شياطين الإنس والجن، يعبثون بعقائدهم وأخلاقهم وأعراضهم، ونقف مكتوفي الأيدي، سلبيين، نكتفي بالنقد واللوم والتهديد بالعقاب وبالآثار السيئة، جزاء ما فعل الناس بأنفسهم. وهذا وإن كان ضروريا، فإنه غير كاف في حجز الناس عن الباطل.. بل لا بد من العمل الإيجابي ومواجهة الباطل بمثل سلاحه، وإيجاد البديل المقنع، جنبا إلى جنب مع الدعوة والبيان والتحذير، وإلا فإننا لم نستفرغ الوسع في النصح، ولم نتماش مع ما تمليه قواعد الشريعة ومقاصدها ؛ يبين ذلك الوجه الثالث.

ثالثا: مع التسليم بوجود بعض المحاذير الشرعية التي لا ينفك عنها مثل هذا النوع من العمل الإعلامي، فهو عامل مهم في تخفيف الشر ومزاحمته، وتخفيف الشر ما أمكن أمر اعتبره الشارع، إذ هو معنى ما تقرر من أن ارتكاب أخف الضررين، ودفع كبرى المفسدتين مصلحة شرعية. وقد جاء الشرع بتحصيل المصالح وتكميلها، ودفع المفاسد وتقليلها. ولو أمكن – عمليا – دفع مفاسد الأفلام بمجرد التحذير منها لم يجز عمل البديل لمجرد التسلية والمتعة، ولكن الواقع ينطق بغير ذلك.

رابعا: أن الأفلام الخالية من صور النساء المتبرجات ومن الموسيقى، ذات الأهداف الخيرة في مضامينها وإخراجها؛ كالتعليم وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وذكر وقائع التاريخ والإشادة بأعلام الإسلام.. وما شابه ذلك من المعاني والمقاصد الصحيحة، هذه الأفلام تترك أثرا طيبا على النشء وعلى المشاهد عموما، في زمن اختفت فيه القدوة الصالحة من وسائل الإعلام إلا ما ندر فيه، وأصبح المهرجون والمغنون واللاعبون – ذكورا وإناثا – هم وجوه الناس ومثلهم العليا!

خامسا: أن إيجاد البديل المناسب جزء من إقامة الحجة على القائمين على القنوات الفضائية وأجهزة التلفاز، وأصحاب محلات الفيديو، من جهة، وعلى المشاهد والمستهلك من جهة أخرى.. الذين يجلبون إلى الناس وإلى بيوتهم الأفلام الماجنة، وإذا قيل لهم في ذلك، قالوا: هذا هو الموجود! ومع التسليم بخطأ هذا المنطق، إلا أنه – ومرة أخرى – لا يكفي أن يكون منطقهم هذا نقطة مفاصلة بيننا وبينهم، فالدمار والعقوبات الإلهية والفوضى والانحلال سوف يكتوي بنارها الجميع، كما أننا يجب أن نقف من الناس موقف الأطباء من المرضى، فنعمل على حجب أسباب المرض، ونؤخر ما أمكن أسباب الهلاك وموجبات العقوبة.

سادسا: أن واجب حماية المجتمعات الإسلامية من أسباب الانحلال والفساد هو واجب الحكام والحكومات بالدرجة الأولى، لأن بيدهم قرار المنع، وإليهم يرجع تشجيع البديل الأفضل وإحلاله. يلي ذلك العلماء وأهل الإصلاح في الدعوة وإقامة الحجة، والاجتهاد في حث الناس على مقاومة الفساد وأسبابه بالوسائل المناسبة، ومنها تشجيع القادرين من أهل المال والاختصاص بالتعاون والتفكير في إيجاد البدائل، وتذليل العقبات لهم، وفي مقدمتها: دراسة الأمر من وجوهه المختلفة، والنظر في المصالح العامة والمقاصد الشرعية، وتنزيل النصوص منازلها منها، وتشجيعهم وضبط مسيرتهم.
وإذا قصر هؤلاء وأولئك في أماناتهم وتخلوا عن مسؤولياتهم، فأي مصير مجهول ينتظر هذه المجتمعات المغلوبة على أمرها، التي فقدت النصح والتوجيه على كل المستويات؟
إن من غير المقبول أن نعجز عن حماية المجتمع الإسلامي من أسباب الرذيلة وطرق الانحراف، ثم يضيق أفقنا أو نتقاعس عن تيسير المخارج الأقل خطرا، من باب رفع الحرج عن الناس والتدرج في استصلاحهم.

سابعا: إن تغير وسائل التخاطب وأنماط الحياة وأساليب التأثير حقيقة ماثلة لا يمكن تجاهلها بعدم التعامل معها، أو تجاوزها واختزالها، ومطلوب منا نحن المسلمين أن نعيش عصرنا بالإسلام، وأن نجتهد لكل نازلة بما يتناسب وطبيعتها وظروفها، وأن نقر بشدةِ وطأة أعداء الإسلام الإعلامية والثقافية على بلاد المسلمين، وأن وسائل المسلمين في مقاومة هذا الغزو ضعيفة جدا، وأنها حرب غير متكافئة، وإذا كنا نسلم بجواز مصالحة العدو مرحليا في حال الضعف، حتى نتمكن من أسباب القوة والمقاومة، فإننا أمام حرب لا تجدي معها المهادنة، بل المطلوب هو التسليم المطلق وبدون شروط.
أفلا يكون إفساح المجال أمام الأفلام الهادفة ـ والحالة هذه ـ ضمن قيود تراعي خصوصيتنا الإسلامية، لتحقيق الكفاية أو مقاربتها، ألصق بالحكمة ومقاصد الشريعة من إغلاق الباب في وجوه أصحاب النوايا الحسنة الراغبين في سد هذا الثغر، لنصبح عيالا على البديل الأسوأ، بحجة أن هؤلاء كفار، دينهم ما تهواه نفوسهم، ونحن مسلمون، لنا موازيننا في القبول والرفض، فكيف سمحنا لهذه الموازين أن تختل في تلقي زبالة أفكارهم وقمامة رذائلهم! ولم نجتهد – وفق موازيننا – في إبداع الوسائل المقاومة لهم!
وإذا كنا نعذر أنفسنا في الأول بالعجز عن منع المنكر، فلا عذر لنا في الثاني بمقاومته بكل وسيلة هي أقل ضررا منه. هذا مقتضى العقل وعين مقاصد الشرع.
ولا بد أن نفرق بين من يدعو إلى التنازل عن الثوابت، واقتحام المحرمات لذاتها، مجاراة لأعداء الإسلام وتزينا أمامهم.. وبين من أفزعه الواقع المؤلم، ونهض لإيجاد البديل، مرتكبا أخف الضررين، دون توسع، مجتنبا الوقوع في المحرم لذاته، متذرعا بما وسع بعض المجتهدين من أهل العلم المعتبرين في التجوز فيه، فيما يتعلق بالمحرم لغيره، إذا دعت مصلحة راجحة لاستخدامه.
كما لا بد أن نفرق في الأمر المنكر الذي يشيع في الناس:
بين ما تكون الحكمة في الردع عنه تغليظ العقوبة فيه، كما فعل عمر رضي الله عنه في حد شارب الخمر، لما فشا في الناس شربها؛ حيث جعل الحد ثمانين جلدة، ووافقه الصحابة رضي الله عنهم في ذلك.
وبين ما تكون الحكمة حجز الناس عنه بالرفق واللين، وإعطاءهم بعض ما يحبون حتى ينكفوا عما وراءه مما هو أعظم منه، كما فعل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في حمل الناس على الأمر الأول، وقد بعدوا عنه بعض الشيء! فكان يعطيهم الحلوة من الدنيا رجاء أن يقبلوا معها ما يريده رضي الله عنه منهم من أمر الدين.
ولا شك أن ما نحن بصدده هو من جنس الأمر الثاني.

فلهذه الأسباب ونحوها فإن إنتاج وتصوير المسرحيات الهادفة، المنضبطة بالضوابط المذكورة سابقا أشبه بالصواب، تيسيرا على الناس، واستصلاحا لما أمكن، وتخفيفا للشر ومزاحمة له، وإقامة للحجة في ترك ما هو أعظم شرا منها، ومراعاة لاختلاف أحوال الناس في طرائق التعلم والتلقي، ومخاطبة الناس باللغة التي هي أكثر تأثيرا من غيرها، وأن ما يرتكب في سبيل ذلك مما لا بد منه من مخالفات، لا تبلغ ما ذكرنا من المحاذير التي لا يتأول في تجاوزها، فإنه مغتفر مغمور بالمصلحة الكبرى المرجوة، على أن يجتهد أهل العلم والمختصون بالبحث الدائم عن الوسائل التي تؤدي الغرض، وتكون أسلم وأبعد من المخالفات الشرعية حسب الإمكان. والله تعالى أعلم [الشبكة الإسلامية].

بين الارتجال والاحتراف

وهذا الإمام الشاطبي رحمه الله يعُد الإنشاد على وجه الصناعة والاحتراف ضربا من البدع، بالرغم من أن الصحابة (ربما أنشدوا الشعر في الأسفار الجهادية؛ تنشيطا لكِلالِ النفوس، وتنبيها للرواحل أن تنهض بأثقالها. وهذا حسن. لكن العرب لم يكن لها من تحسين النغمات، ما يجري مجرى ما الناس عليه اليوم؛ بل كانوا ينشدون الشعر مطلقا، من غير أن يتعلموا هذه الترجيعات التي حدثت بعدهم. بل كانوا يُرقِّقون الصوت ويُمططونه على وجه يليق بأمية العرب الذين لم يعرفوا صنائع الموسيقى – وذكر آثارا إلى أن قال – هذا وما أشبهه كان فعل القوم. وهم مع ذلك: لم يقتصروا في التنشيط للنفوس ولا الوعظ على مجرد الشعر؛ بل وعظوا أنفسهم بكل موعظة. ولا كانوا يستحضرون لذكر الأشعار المُغنين؛ إذ لم يكن ذلك من طَلِباتهم. ولا كان عندهم من الغناء المستعمل في أزماننا شيء. وإنما دخل في الإسلام بعدهم، حين خالط العجمُ المسلمين. – ثم نقل قول القرافي – : (إن الماضين من الصدر الأول، حجةٌ على مَن بعدهم. ولم يكونوا يُلحِّنون الأشعارَ، ولا ينغمونها بأحسن ما يكون من النغَم؛ إلا من وجه إرسالِ الشعر، واتصال القوافي. فإن كان صوتُ أحدهم أشجى من صاحبه؛ كان ذلك مردودا إلى أصل الخِلقة، لا يتصنعون ولا يتكلفون) – ثم أسهب الشاطبي في ذكر ذم السلف لذلك -) [الاعتصام، للشاطبي].

ولكل ما سبق فإننا نختم المقالة بالخلاصة الآتية.

إن التمثيل في الأصل وافد غريب على الهوية الإسلامية من تيارات اليونان وعباد الأوثان قديما، ونفثات الحضارة الغربية حديثا. وهو مجافٍ لآداب الإسلام وسمت أبنائه وهديهم، لا يمتهنه أصحاب المروءات والمعروفين بالشرف والفضل في مجتمعهم.
وإن حكاية النبي ﷺ لفعل أو قول مرة من المرات، أو إتيان ملك من الملائكة في صورة رجل، أو إنشاد الصحابة على وجه عارض، لا يصح أن تؤصل هذه الوقائع لانتهاج ألوان من صور اللهو أو الترفيه – ولو كان هادفا – هي غريبة ودخيلة على نسيج الأمة الإسلامية. ومن الجهة الأصولية فإن اعتياد بعض المباحات ينقلها – كما بين الشاطبي – من جهة الإباحة إلى جهة الكراهة أو التحريم، كما عد علماؤنا من عرف بالغناء والإنشاد أو المحاكاة ونحو هذه الأمور ساقط المروءة مردود الشهادة.
ولا ننكر أن من أهل العلم المعتبرين من جوز التمثيل بل وعده من وسائل الدعوة إلى الخير والفضيلة. لكن إذا نظرنا إلى الضوابط فسنجدها أشبه بالقيد الثقيل الذي وضعه الله تعالى في أول مرحلة لتحريم الخمر: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى}، لأنه من الجهة العملية كلما هم المرء بالفعل الجائز ظاهرا – كشرب الخمر – وجد نفسه مقبلا على صلاة من الصلوات!
فمن ذا الذي يلتزم بتلك الضوابط على الوجه المذكور؟ وما أسهل أن نقول “يجوز بشرطه”! كما ذكر ابن القيم في آفات الإفتاء والمفتين.
ولسنا ننكر أثر التمثيل في عقول الناس وأخلاقهم، وأهمية الاستفادة منه في تبليغ الخير ومزاحمة الشر خصوصا في هذا الزمان، الذي كثرت فيه وسائل الشر وطرائقه، وأعيد تشكيل عقول الناس ووعيهم.
كما لا ننكر أن بعض الأعمال الفنية اليوم هي مشروعات كبرى تدعمها دول تريد أن تنفض عنها غبار العلمانية والتغريب وتعيد أمجاد الإسلام ليتذكرها أجيال استحوذت عليهم الغفلة.
لكن التساهل في الحرام طلبا لتحصيل الخير لا شك في حرمته؛ إذ الغاية لا تبرر الوسيلة، وإرادة الخير لا تبرر الخطأ، وكم من مريد للخير لم يصبه، بل الواجب تحصيل المقاصد الحسنة بالوسائل الحسنة، وسلوك طريق الخير لتحصيل الخير. أما الحرام فليس طريقا للخير، ولم يجعل الله شفاء أمته فيما حرم عليها.
وقديما كان باب الفن والتمثيل مقصورا على أهل الفساد والنفاق فكان المسلمون في عافية لوضوح الوسيلة والغاية الخبيثتين الدخيليتين لا سيما عند كل ملتزم متمسك بدينه أو مثقف سوي الفطرة متمسك بأصوله وأخلاقه السوية. فلِم نفتح بابا للتخليط يكون حجة لمبتغي الفتنة لكي يأتيها متذرعا بواقع جديد سنرسخه وهو أن التمثيل كالشعر وكالغناء حسنه حسن وقبيحه قبيح!
ثم إن في ذلك إماتة تدريجية لأصول العلم الصالح والعمل النافع والدعوة إلى الله ومبدؤها {اقرأ}! ويكفي للاعتبار أن المثقفين لا يعدلون بقراءة القصص – سواء التاريخية أو الروائية – بديلا تمثيليا، نظرا لما يفقدونه كثيرا إذا ما شاهدوا المحاكاة المرئية للمكتوب.
إن ما ذكرناه من ضوابط وشروط ليست هي محل اتفاق بين أهل العلم – وإن كان جلها كذلك – بل منها ما يتسع فيه الخلاف ويسع فيه الاجتهاد. كما أنه لا يجوز الاتكاء على مجرد وجود الخلاف في المسألة لإباحة فعلها، أو الاستدلال باختلاف أهل العلم في ضابط للتفلت منه، بل الواجب النظر في دلالات الشريعة ومقتضيات الأدلة طلبا لحكم الله في المسائل؛ فمن وفق إلى بذل الجهد طلبا لمراد الله، فهو الموفق للأجر وإن أخطأ، وإلا كان مخطئا في فعله أصاب الحق في المسألة أو أخطأه.
وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما كثيرا