الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه وسلم. أما بعد،
فقد عرضنا في المقالة السابقة لحكم التمثيل عند من يمنعونه، ونستكمل بيان هذا الموضوع – حكم التمثيل – في السطور التالية.
مذهب المبيحين
من أباح التمثيل رأى أنه لا يعدو أن يكون نوعا من الحكاية للواقع لا أنه إخبار عن الواقع بخلاف ما هو عليه؛ إذ الأصل إباحة الحكاية إذا لم تكن على وجه التنقص والازدراء، للبراءة الأصلية.
وممن أجاز التمثيل بشروط: محمد رشيد رضا، وابن جبرين، وابن حميد، وابن عثيمين، والقرضاوي، وفتوى دار الإفتاء المصرية.
وقد جاءت بعض الأدلة الشرعية المؤكدة لأصل إباحة المحاكاة؛ فمن ذلك ما تقدم عن ذكره ابن مسعود رضي الله عنه حيث قال: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، ففيه حكاية من النبي بفعله وقوله لما جرى من ذلك النبي عليه السلام وهو دال على جواز هذه المحاكاة.
وقد عدوا للتمثيل مصالح كثيرة، فهو أشد أثرا في النفوس وأرسخ في الأذهان إذا ما تعلق بحادثة تاريخية أو دعوة لفضيلة أو نحو ذلك؛ لا سيما مع سعة انتشاره ووصوله لكافة قطاعات المجتمع.
ولأدلة المبيحين التفصيلية نقاش لا يتسع له المقام، كاستدلالهم بتمثل الملائكة للبشر، وبعض أفعال الأنبياء [أحكام فن التمثيل في الفقه الإسلامي، لمحمد الدالي].
لكن القائلين بإباحة التمثيل من أهل العلم – وهم كثر – وضعوا له شروطا وضوابط لا بد من التزامها والانضباط بها، ومتى تخلفت هذه الضوابط والشروط، صار التمثيل محرما وعد مخالفة شرعية [التمثيل.. الحظر والإباحة، لعبد الله صالح العجيري، مجلة البيان].
والإحاطة بهذه الشروط والضوابط والعلم بها متعين على كل من أراد الدخول في عالم التمثيل واقتحام فضاءاته، خصوصا المربين الذين يقومون على تربية الشباب في مختلف المناشط الخيرية، في المراكز الصيفية والمخيمات الشبابية والأنشطة التوعوية، ممن قد يستعملون هذه الوسيلة في التأثير.
وتزداد الحاجة إلى معرفة هذه الضوابط مع اتساع رقعة التمثيل في العمل الإسلامي باتساع رقعة الفضاء الإعلامي، وقيام الدعوات لتقديم البدائل الإسلامية في مجال: الفن، والدراما، والمسلسلات، والأفلام.. وغيرها.
ومن المؤلم دخول كثير من الأخيار هذا المجال مريدين للخير ونشر الدعوة؛ ثم تجد منهم ألوانا من التساهل المذموم في التزام هذه الضوابط مع تعلقهم بأقوال من أباح التمثيل من أهل العلم، وكأن أولئك العلماء ما تكلموا في شروط وضوابط؛ وكأنهم قد أباحوا كافة صور التمثيل.
فالواجب على من أراد التعلق بكلام أهل العلم في هذه المسألة مراعاة ما وضعوه من الضوابط والشروط، لا الأخذ بطرف من كلامهم وبتر أطراف.
أما ضوابط وشروط التمثيل المباح – عند من أباحه – فأهمها ما يلي:
أولا: وجود الحاجة الداعية إليه شرعا، تحقيقا لمصلحة معتبرة أو دفعا لمفسدة معتبرة، وثمة في الواقع حاجة بل حاجات تدعو إلى الاستفادة من التمثيل كوسيلة للدعوة إلى الأخلاق الحميدة والأفكار السليمة ومزاحمة الشر بالترفيه المباح، مع التنبه إلى تأخر رتبة هذه الوسيلة بالمقارنة مع غيرها من وسائل الدعوة القائمة على تبليغ القرآن وتبليغ السنة ونشر فقههما، بالموعظة والتذكير، والمحاورة والتعليم، والاقتداء والتأسي؛ فلا ينبغي التوسع فيه حتى يصير غاية في نفسه، أو يتوهم أنه الوسيلة الأهم في باب الدعوة، أو يتشاغل به عما هو أولى منه… وهكذا.
ثانيا: ألا يقترن به محرم: كوجود آلات اللهو والمعازف، ومثلها الأناشيد المشتملة على الإيقاعات والمؤثرات التي هي في حكم الموسيقى، أو ظهور النساء للرجال ولو بحجاب، أو الاختلاط بين الجنسين وما قد يتبعه من مصافحة وضم وغيره، أو الإسفاف والابتذال، أو نشر الفجور وبث الرذيلة، أو وصل الشعر طلبا للتجمل؛ فإن خلا من قصد التجمل، فمحل تردد والأحوط تركه، أو السخرية والاستهزاء بمعين أو طائفة: كتمثيل أعرج أو أخرس أو أعمى أو جنسية أو لهجة قوم على وجه التنقص؛ فإن لم يكن على وجه التنقص فلا بأس به، وغير ذلك من عموم الذنوب والمعاصي.
ثالثا: عدم تمثيل من يحرم التشبه بهم، أو من يكون في تمثيلهم انتقاص من قدرهم، كالأنبياء والملائكة – قطعا – ومثلهم الصحابة، وكبار العلماء والصالحين على خلاف بين أهل العلم فيهم.
وأما من يحرم تمثيلهم لحرمة التشبه بهم؛ فتمثيل الرجال لأدوار النساء والعكس، وكذا التشبه بالحيوانات في حركاتها أو أصواتها إلا ما كان يسيرا على وجه مداعبة الأطفال خاصة، والأصل حرمة تمثيل أدوار الكفار والعصاة، وقد يستثنى من هذا الأصل ما كان فيه مصلحة راجحة بشرط أن لا يصدر من صاحبه قول أو فعل مكفر أو معصية حقيقية: كسجود لصنم، أو سب الله والدين، أو شرب الدخان، أو حلق اللحية أو غير ذلك، ومثله العاصي فيجوز تمثيله والتظاهر بفعل المعصية لا فعلها حقيقة، طلبا للتنفير منها في حال المصلحة الراجحة، خصوصا فيما شاع من المعاصي، أما ما لم ينتشر منها فالأولى عدم التنبيه إليها، خشية من إذاعتها ونشرها.
والأولى بكل حال اجتناب الخوض في هذا الاستثناء ما أمكن؛ إذ هو على خلاف الأصل، ومحل شبهة؛ ينبغي على من يعالج تربية الشباب الصالح أن يتجنبه ولا يتوسع فيه.
رابعا: عدم تمثيل عوالم الغيب: فلا يجوز تمثيل أدوار الملائكة ونحوهم، أو وقائع يوم القيامة: كالبعث والحشر وعرض صحائف الأعمال ومشهد الحوض والورود على الصراط.. وغير ذلك، وكذا أحوال الجنة والنار وسائر المغيبات؛ فإن في تمثيل هذه المشاهد قولا على الله – تعالى – بغير علم، وتوهينا من قدرها ومنزلتها.
خامسا: ألا يتضمن التمثيل دعوة لمحرم، من عقائد كفرية، أو بدع ردية، أو معاص وذنوب؛ إذ الدعوة للحرام حرام، بل قد يكون صاحبه أشد إثما ووزرا.
سادسا: أن لا يتضمن التمثيل كذبا وتزويرا للواقع والتاريخ، أو الأشخاص والطوائف، أو على الشرع والدين. فلا بد من تحري الصدق والأمانة.
سابعا: ألا يؤدي التمثيل إلى أمر محرم: كالصد عن ذكر الله، أو التشاغل عما هو أوجب منه، أو تضييع للأوقات والطاقات والأموال بما لا يفي بمصلحة التمثيل.
ثامنا: يجب أن يأتي التمثيل كوسيلة للدعوة إلى الله في مرتبة متأخرة عن الوسائل السنية الشريفة وهي الكتاب والسنة وهدي السلف.
ومما نؤكد عليه أن ما علق من الأحكام والضوابط على تحقق المصلحة الراجحة فالمقصود مراعاة المصلحة الشرعية المعتبرة التي يقدرها أهل العلم؛ فإن الفقه الحقيقي في معرفة محال هذه المصالح والمفاسد، وإدراك خير الخيرين وشر الشرين، والموازنة بين منازل المصالح والمفاسد، وهذه خاصية أهل العلم؛ فالأصل الرجوع إليهم في تحقيق هذه المسائل واستشارتهم بتصوير حقيقة النازلة من كافة جهاتها، وبيان ما يمكن أن يترتب عليها من المصالح والمفاسد، ويترك لهم الحكم بعد ذلك فيها، عملا بقول الله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43].
وإذا أخذ من هذا الأسلوب ينبغي الأخذ بقدر؛ فإن في الإكثار من هذه الوسيلة تشاغلا عما هو أولى وأحرى، وهو مظنة الوقوع في شيء من المحظورات والتخفف من بعض الضوابط، والواقع شاهد بهذا.
ومهما قيل عن فوائد التمثيل والإنشاد ونحوهما، فينبغي التأكيد على أنه من الخطأ البالغ أن يبالغ المربون في صرف الشباب الصالح إلى مثل تلك المناشط التي تصدهم – غالبا – عما هو أنفع لهم في أمر دينهم؛ من التزود من العلم النافع، والعمل الصالح، وحفظ كتاب الله، والتفقه فيه، وتربية النفوس على التقوى والخشية والخوف من الله.
وأما عامة الناس ومخاطبتهم بلغة التمثيل فقد يكون لهم في هذا الباب فقه أوسع وأرحب من فقه من تقدم.
والمصالح المعتبرة في حقهم لا تساوي ضرورة المصالح المعتبرة في حق الشباب الصالح، وما يليق بهم وبأحوالهم قد يكون أوسع دائرة من اللائق بأحوال أهل الاستقامة.
نظرية “البديل الإسلامي”
لقد ظهرت قنوات فضائية ومؤسسات إعلامية تهدف إلى تقديم البديل الإسلامي، ومن ذلك الأعمال التمثيلية الإسلامية، هدفها بيان جوانب الإسلام من خلال هذا الفن سواء من الناحية العقدية أو الخلقية أو غيرها.
ومن تأمل الدور الذي يؤديه الممثل يتبين له أنه بات وسيلة مؤثرة في نشر الأفكار والمفاهيم والدعوة إليها حقا كانت أم باطلا. فهل من خلال هذا الدور يمكن النظر في إمكانية استخدام التمثيل كوسيلة في الدعوة إلى الله وبيان الحق ودحض الباطل الذي انتشر؟ وفي حال كان الجواب بالإيجاب، فما ضوابط ذلك؟ لا شك أننا أجبنا عن هذا فيما سبق بوجه.
لكن المتحمسين لفكرة البديل الإسلامي يدعمون توجها قويا في هذا العصر لإيجاد البدائل المرئية الهادفة، المشتملة على عناصر النجاح، القادرة على المنافسة في عالم أصبحت فيه الأسر والأطفال متابعين بشدة لشاشات التلفاز وأفلام الفيديو وصفحات الإنترنت.. بناء على أن إعداد مثل هذه المواد حاجة ماسة، ومصلحة راجحة، يغتفر في سبيلها ما دونها مما يصنف في خانة المخالفات الشرعية بالنظر الجزئي، وذلك لأمور، منها:
أولا: عموم البلوى بالنظر إلى الأفلام بأنواعها، ومن عامة طبقات المجتمع، ومعلوم أن أغلب ما يشاهد – إن لم يكن كله – مما لا يتفق وآداب الإسلام، بل هو خارج عن هديه خروجا كليا أو جزئيا. وليس من الحكمة ولا من النظر السديد أن يترك هؤلاء فريسة لهذه الأفلام الهدامة بحجة أن التصوير مثلا أو التمثيل حرام، في حين أنه تم استثناء بعض الأحوال كالتصوير للتوثيق، والتمثيل للتعليم.. ونحو ذلك. وما نحن بصدده أعظم خطرا في أثره وأولى بالاستثناء والاعتبار.
ثانيا: لا وجه لترك الناس ـ على جهة المعاقبة لهم على إدخال التلفاز أو الأطباق الفضائية ـ والتخلية بينهم وبين شياطين الإنس والجن، يعبثون بعقائدهم وأخلاقهم وأعراضهم، ونقف مكتوفي الأيدي، سلبيين، نكتفي بالنقد واللوم والتهديد بالعقاب وبالآثار السيئة، جزاء ما فعل الناس بأنفسهم. وهذا وإن كان ضروريا، فإنه غير كاف في حجز الناس عن الباطل.. بل لا بد من العمل الإيجابي ومواجهة الباطل بمثل سلاحه، وإيجاد البديل المقنع، جنبا إلى جنب مع الدعوة والبيان والتحذير، وإلا فإننا لم نستفرغ الوسع في النصح، ولم نتماش مع ما تمليه قواعد الشريعة ومقاصدها ؛ يبين ذلك الوجه الثالث.
ثالثا: مع التسليم بوجود بعض المحاذير الشرعية التي لا ينفك عنها مثل هذا النوع من العمل الإعلامي، فهو عامل مهم في تخفيف الشر ومزاحمته، وتخفيف الشر ما أمكن أمر اعتبره الشارع، إذ هو معنى ما تقرر من أن ارتكاب أخف الضررين، ودفع كبرى المفسدتين مصلحة شرعية. وقد جاء الشرع بتحصيل المصالح وتكميلها، ودفع المفاسد وتقليلها. ولو أمكن – عمليا – دفع مفاسد الأفلام بمجرد التحذير منها لم يجز عمل البديل لمجرد التسلية والمتعة، ولكن الواقع ينطق بغير ذلك.
رابعا: أن الأفلام الخالية من صور النساء المتبرجات ومن الموسيقى، ذات الأهداف الخيرة في مضامينها وإخراجها؛ كالتعليم وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وذكر وقائع التاريخ والإشادة بأعلام الإسلام.. وما شابه ذلك من المعاني والمقاصد الصحيحة، هذه الأفلام تترك أثرا طيبا على النشء وعلى المشاهد عموما، في زمن اختفت فيه القدوة الصالحة من وسائل الإعلام إلا ما ندر فيه، وأصبح المهرجون والمغنون واللاعبون – ذكورا وإناثا – هم وجوه الناس ومثلهم العليا!
خامسا: أن إيجاد البديل المناسب جزء من إقامة الحجة على القائمين على القنوات الفضائية وأجهزة التلفاز، وأصحاب محلات الفيديو، من جهة، وعلى المشاهد والمستهلك من جهة أخرى.. الذين يجلبون إلى الناس وإلى بيوتهم الأفلام الماجنة، وإذا قيل لهم في ذلك، قالوا: هذا هو الموجود! ومع التسليم بخطأ هذا المنطق، إلا أنه – ومرة أخرى – لا يكفي أن يكون منطقهم هذا نقطة مفاصلة بيننا وبينهم، فالدمار والعقوبات الإلهية والفوضى والانحلال سوف يكتوي بنارها الجميع، كما أننا يجب أن نقف من الناس موقف الأطباء من المرضى، فنعمل على حجب أسباب المرض، ونؤخر ما أمكن أسباب الهلاك وموجبات العقوبة.
سادسا: أن واجب حماية المجتمعات الإسلامية من أسباب الانحلال والفساد هو واجب الحكام والحكومات بالدرجة الأولى، لأن بيدهم قرار المنع، وإليهم يرجع تشجيع البديل الأفضل وإحلاله. يلي ذلك العلماء وأهل الإصلاح في الدعوة وإقامة الحجة، والاجتهاد في حث الناس على مقاومة الفساد وأسبابه بالوسائل المناسبة، ومنها تشجيع القادرين من أهل المال والاختصاص بالتعاون والتفكير في إيجاد البدائل، وتذليل العقبات لهم، وفي مقدمتها: دراسة الأمر من وجوهه المختلفة، والنظر في المصالح العامة والمقاصد الشرعية، وتنزيل النصوص منازلها منها، وتشجيعهم وضبط مسيرتهم.
وإذا قصر هؤلاء وأولئك في أماناتهم وتخلوا عن مسؤولياتهم، فأي مصير مجهول ينتظر هذه المجتمعات المغلوبة على أمرها، التي فقدت النصح والتوجيه على كل المستويات؟
إن من غير المقبول أن نعجز عن حماية المجتمع الإسلامي من أسباب الرذيلة وطرق الانحراف، ثم يضيق أفقنا أو نتقاعس عن تيسير المخارج الأقل خطرا، من باب رفع الحرج عن الناس والتدرج في استصلاحهم.
سابعا: إن تغير وسائل التخاطب وأنماط الحياة وأساليب التأثير حقيقة ماثلة لا يمكن تجاهلها بعدم التعامل معها، أو تجاوزها واختزالها، ومطلوب منا نحن المسلمين أن نعيش عصرنا بالإسلام، وأن نجتهد لكل نازلة بما يتناسب وطبيعتها وظروفها، وأن نقر بشدةِ وطأة أعداء الإسلام الإعلامية والثقافية على بلاد المسلمين، وأن وسائل المسلمين في مقاومة هذا الغزو ضعيفة جدا، وأنها حرب غير متكافئة، وإذا كنا نسلم بجواز مصالحة العدو مرحليا في حال الضعف، حتى نتمكن من أسباب القوة والمقاومة، فإننا أمام حرب لا تجدي معها المهادنة، بل المطلوب هو التسليم المطلق وبدون شروط.
أفلا يكون إفساح المجال أمام الأفلام الهادفة ـ والحالة هذه ـ ضمن قيود تراعي خصوصيتنا الإسلامية، لتحقيق الكفاية أو مقاربتها، ألصق بالحكمة ومقاصد الشريعة من إغلاق الباب في وجوه أصحاب النوايا الحسنة الراغبين في سد هذا الثغر، لنصبح عيالا على البديل الأسوأ، بحجة أن هؤلاء كفار، دينهم ما تهواه نفوسهم، ونحن مسلمون، لنا موازيننا في القبول والرفض، فكيف سمحنا لهذه الموازين أن تختل في تلقي زبالة أفكارهم وقمامة رذائلهم! ولم نجتهد – وفق موازيننا – في إبداع الوسائل المقاومة لهم!
وإذا كنا نعذر أنفسنا في الأول بالعجز عن منع المنكر، فلا عذر لنا في الثاني بمقاومته بكل وسيلة هي أقل ضررا منه. هذا مقتضى العقل وعين مقاصد الشرع.
ولا بد أن نفرق بين من يدعو إلى التنازل عن الثوابت، واقتحام المحرمات لذاتها، مجاراة لأعداء الإسلام وتزينا أمامهم.. وبين من أفزعه الواقع المؤلم، ونهض لإيجاد البديل، مرتكبا أخف الضررين، دون توسع، مجتنبا الوقوع في المحرم لذاته، متذرعا بما وسع بعض المجتهدين من أهل العلم المعتبرين في التجوز فيه، فيما يتعلق بالمحرم لغيره، إذا دعت مصلحة راجحة لاستخدامه.
كما لا بد أن نفرق في الأمر المنكر الذي يشيع في الناس:
بين ما تكون الحكمة في الردع عنه تغليظ العقوبة فيه، كما فعل عمر رضي الله عنه في حد شارب الخمر، لما فشا في الناس شربها؛ حيث جعل الحد ثمانين جلدة، ووافقه الصحابة رضي الله عنهم في ذلك.
وبين ما تكون الحكمة حجز الناس عنه بالرفق واللين، وإعطاءهم بعض ما يحبون حتى ينكفوا عما وراءه مما هو أعظم منه، كما فعل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في حمل الناس على الأمر الأول، وقد بعدوا عنه بعض الشيء! فكان يعطيهم الحلوة من الدنيا رجاء أن يقبلوا معها ما يريده رضي الله عنه منهم من أمر الدين.
ولا شك أن ما نحن بصدده هو من جنس الأمر الثاني.
فلهذه الأسباب ونحوها فإن إنتاج وتصوير المسرحيات الهادفة، المنضبطة بالضوابط المذكورة سابقا أشبه بالصواب، تيسيرا على الناس، واستصلاحا لما أمكن، وتخفيفا للشر ومزاحمة له، وإقامة للحجة في ترك ما هو أعظم شرا منها، ومراعاة لاختلاف أحوال الناس في طرائق التعلم والتلقي، ومخاطبة الناس باللغة التي هي أكثر تأثيرا من غيرها، وأن ما يرتكب في سبيل ذلك مما لا بد منه من مخالفات، لا تبلغ ما ذكرنا من المحاذير التي لا يتأول في تجاوزها، فإنه مغتفر مغمور بالمصلحة الكبرى المرجوة، على أن يجتهد أهل العلم والمختصون بالبحث الدائم عن الوسائل التي تؤدي الغرض، وتكون أسلم وأبعد من المخالفات الشرعية حسب الإمكان. والله تعالى أعلم [الشبكة الإسلامية].
بين الارتجال والاحتراف
وهذا الإمام الشاطبي رحمه الله يعُد الإنشاد على وجه الصناعة والاحتراف ضربا من البدع، بالرغم من أن الصحابة (ربما أنشدوا الشعر في الأسفار الجهادية؛ تنشيطا لكِلالِ النفوس، وتنبيها للرواحل أن تنهض بأثقالها. وهذا حسن. لكن العرب لم يكن لها من تحسين النغمات، ما يجري مجرى ما الناس عليه اليوم؛ بل كانوا ينشدون الشعر مطلقا، من غير أن يتعلموا هذه الترجيعات التي حدثت بعدهم. بل كانوا يُرقِّقون الصوت ويُمططونه على وجه يليق بأمية العرب الذين لم يعرفوا صنائع الموسيقى – وذكر آثارا إلى أن قال – هذا وما أشبهه كان فعل القوم. وهم مع ذلك: لم يقتصروا في التنشيط للنفوس ولا الوعظ على مجرد الشعر؛ بل وعظوا أنفسهم بكل موعظة. ولا كانوا يستحضرون لذكر الأشعار المُغنين؛ إذ لم يكن ذلك من طَلِباتهم. ولا كان عندهم من الغناء المستعمل في أزماننا شيء. وإنما دخل في الإسلام بعدهم، حين خالط العجمُ المسلمين. – ثم نقل قول القرافي – : (إن الماضين من الصدر الأول، حجةٌ على مَن بعدهم. ولم يكونوا يُلحِّنون الأشعارَ، ولا ينغمونها بأحسن ما يكون من النغَم؛ إلا من وجه إرسالِ الشعر، واتصال القوافي. فإن كان صوتُ أحدهم أشجى من صاحبه؛ كان ذلك مردودا إلى أصل الخِلقة، لا يتصنعون ولا يتكلفون) – ثم أسهب الشاطبي في ذكر ذم السلف لذلك -) [الاعتصام، للشاطبي].
ولكل ما سبق فإننا نختم المقالة بالخلاصة الآتية.
إن التمثيل في الأصل وافد غريب على الهوية الإسلامية من تيارات اليونان وعباد الأوثان قديما، ونفثات الحضارة الغربية حديثا. وهو مجافٍ لآداب الإسلام وسمت أبنائه وهديهم، لا يمتهنه أصحاب المروءات والمعروفين بالشرف والفضل في مجتمعهم.
وإن حكاية النبي ﷺ لفعل أو قول مرة من المرات، أو إتيان ملك من الملائكة في صورة رجل، أو إنشاد الصحابة على وجه عارض، لا يصح أن تؤصل هذه الوقائع لانتهاج ألوان من صور اللهو أو الترفيه – ولو كان هادفا – هي غريبة ودخيلة على نسيج الأمة الإسلامية. ومن الجهة الأصولية فإن اعتياد بعض المباحات ينقلها – كما بين الشاطبي – من جهة الإباحة إلى جهة الكراهة أو التحريم، كما عد علماؤنا من عرف بالغناء والإنشاد أو المحاكاة ونحو هذه الأمور ساقط المروءة مردود الشهادة.
ولا ننكر أن من أهل العلم المعتبرين من جوز التمثيل بل وعده من وسائل الدعوة إلى الخير والفضيلة. لكن إذا نظرنا إلى الضوابط فسنجدها أشبه بالقيد الثقيل الذي وضعه الله تعالى في أول مرحلة لتحريم الخمر: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى}، لأنه من الجهة العملية كلما هم المرء بالفعل الجائز ظاهرا – كشرب الخمر – وجد نفسه مقبلا على صلاة من الصلوات!
فمن ذا الذي يلتزم بتلك الضوابط على الوجه المذكور؟ وما أسهل أن نقول “يجوز بشرطه”! كما ذكر ابن القيم في آفات الإفتاء والمفتين.
ولسنا ننكر أثر التمثيل في عقول الناس وأخلاقهم، وأهمية الاستفادة منه في تبليغ الخير ومزاحمة الشر خصوصا في هذا الزمان، الذي كثرت فيه وسائل الشر وطرائقه، وأعيد تشكيل عقول الناس ووعيهم.
كما لا ننكر أن بعض الأعمال الفنية اليوم هي مشروعات كبرى تدعمها دول تريد أن تنفض عنها غبار العلمانية والتغريب وتعيد أمجاد الإسلام ليتذكرها أجيال استحوذت عليهم الغفلة.
لكن التساهل في الحرام طلبا لتحصيل الخير لا شك في حرمته؛ إذ الغاية لا تبرر الوسيلة، وإرادة الخير لا تبرر الخطأ، وكم من مريد للخير لم يصبه، بل الواجب تحصيل المقاصد الحسنة بالوسائل الحسنة، وسلوك طريق الخير لتحصيل الخير. أما الحرام فليس طريقا للخير، ولم يجعل الله شفاء أمته فيما حرم عليها.
وقديما كان باب الفن والتمثيل مقصورا على أهل الفساد والنفاق فكان المسلمون في عافية لوضوح الوسيلة والغاية الخبيثتين الدخيليتين لا سيما عند كل ملتزم متمسك بدينه أو مثقف سوي الفطرة متمسك بأصوله وأخلاقه السوية. فلِم نفتح بابا للتخليط يكون حجة لمبتغي الفتنة لكي يأتيها متذرعا بواقع جديد سنرسخه وهو أن التمثيل كالشعر وكالغناء حسنه حسن وقبيحه قبيح!
ثم إن في ذلك إماتة تدريجية لأصول العلم الصالح والعمل النافع والدعوة إلى الله ومبدؤها {اقرأ}! ويكفي للاعتبار أن المثقفين لا يعدلون بقراءة القصص – سواء التاريخية أو الروائية – بديلا تمثيليا، نظرا لما يفقدونه كثيرا إذا ما شاهدوا المحاكاة المرئية للمكتوب.
إن ما ذكرناه من ضوابط وشروط ليست هي محل اتفاق بين أهل العلم – وإن كان جلها كذلك – بل منها ما يتسع فيه الخلاف ويسع فيه الاجتهاد. كما أنه لا يجوز الاتكاء على مجرد وجود الخلاف في المسألة لإباحة فعلها، أو الاستدلال باختلاف أهل العلم في ضابط للتفلت منه، بل الواجب النظر في دلالات الشريعة ومقتضيات الأدلة طلبا لحكم الله في المسائل؛ فمن وفق إلى بذل الجهد طلبا لمراد الله، فهو الموفق للأجر وإن أخطأ، وإلا كان مخطئا في فعله أصاب الحق في المسألة أو أخطأه.
وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما كثيرا