ثلاثة عشر عاما من المشقة والكبد ليست بكافية كما يرى الكثيرون لإعداد جيل حمل الأرض على عواتقه الشداد وجاد في ذلك بعرق جبينه الذي لن يهون؛ أجل إنها ليست بكافية لإعداد جيل من الرجال ذوي البأس، فكيف وقد تبوأت تلك الأعوام القلائل في صفحات التاريخ مكانا لتوضع فيه، لتكون إعدادا للإنسان؛ الإنسان الذي يحمل هوية، ويبشر برسالة خالدة.
فهؤلاء الرجال قد جهزتهم الأقدار للنبأ العظيم على مدى سنين طوال قبل بلوغه إياهم؛ والطبيعة شاهدة قبل المعدن، والرمال حافظة الأثر، والشيم الأصيلة جاوزت الحد أحيانا، والنوازل تنازلت أمام متانة النفوس وصلابة المشاعر. والفصاحة نالت الدواب بل والأصنام فنسجت لها من الشعر قصائد وخرائد، وتحلى الزمان بعزة وأي عزة، حتى إن النهج الجديد عاملها بالتهذيب! والشاهد ليس في شيمهم أفي باطل أم حق، الشاهد في طبيعة النفسية، في الفرد السوي، الذي بلغ من القوة النفسية محل الاستقرار!
على أن أهل الجاهلية مع كل ما اعتادوه من الفواحش والكبائر تحت وطأة الجهل، لم تنل من نفوسهم هشاشة أو شية، ولم نر فيهم حالةً كنا قبلا نسميها خارمةً للمروءة.
ثلاثة عشر عاما من التربية والإعداد على شيم وقيم تكمل لهؤلاء الرجال ما تركوه، رفعت فيها قواعد قد كانت أرسيت، وربي فيها جيل هم خيار الخلق بعد الأنبياء، قام بذلك أصدقهم وآمنهم، النبي محمد ﷺ، مثلما سبقه أبواه إبراهيم عليه السلام وابنه إسماعيل إذ يرفعان القواعد من البيت الحرام بعد أن وضعتها الملائكة في الأرض. فقد أعد الله العرب ليبرعوا في “الرجولة”، والتزام المروءة وصلابة النفس! قبل أن يبعث النبي ﷺ لهذه الأخلاق متمما، فأعجز فصاحتهم التي برعوا فيها بالنبأ العظيم – القرآن. ليقطع كل موصول بجاهليتهم العمياء، ويمد حبلا أوطد يُعتصم به، ومنهاجا أعمق في الفكر يستنار به؛ في طريقهم لبناء خير أمة.
فإن كانت ثلاثة عشر عاما قد أعدت من ولدوا رجالا ليصيروا حملة للدين، فحري بنا في يومنا هذا تحري طرائق إخراج هؤلاء الرجال، ثم لنشرع – متى عزمنا – في إخراج تلك الأمة وقتما وجد الرجال!
وعلى أكتاف تلك العصبة، وهم الذين حازوا المرتبة الأولى في المجتمع المسلم الأول – السابقون الأولون – استكمل الرسول الخاتم بناء ذلك الجيل في عشر سنوات أخر، لتقوم دولة الإسلام قومة لا ذهاب لها بعد ثلاثة وعشرين عاما من التأسيس والبناء.
ويجب أن نتفق في البداية على شيء هام؛ وهو أن مشكلة ضخمة لم تعد في نقاش ثبوت عدة قضايا في الإسلام من عدمه، لم يعد الأمر متعلقا دوما بقضايا المرجعية الإسلامية أو هيمنة ولاية الراعي في نطاق رعيته، أو الرجوع لشرع الله حكما ونظاما. بل وكذلك لم يعد من المقبول – مع الكثيرين – الحديث عن الولاء والبراء كعنوان موقف أو مقام.
فقبل ذكر تلك المبادئ، يتعين أن نتأكد من قبول نفسية الإنسان لمصدرها أصلا!
وإن هاتين القضيتين، وغيرهما من القضايا الكبرى في شأن العقيدة والإسلام، ليستا سوى امتداد للب العقيدة نفسها. فلا حاجة لتفصيلها في تقديم خاص منفصل، وإنما يكفي التأسيس العقدي السليم، بتدريج القرآن والسيرة على نهج معلوم، حتى تترسخ بانسياب وتلقائية كما ترسخت في نفوس المسلمين الأوائل!
ويجب أن نتفق كذلك، أن النفوس المتلقية للعقيدة، لم يعد بها شدة عمر، ولا رأفة أبي بكر. إنما هي نفوس مشوهة لا يعرف لها طبع أصيل. ولم يعد بالنفوس المتلقية للعقيدة نفسا تعرف من معاني العزة ولو معنى البكاء! فصارت النفوس – إلا ما رحم الله – تساق على هينة نحو الاستسلام لحوادث الأيام والليالي.
تجلى الطفرة بين الجيل والجيل أكثر ما تتجلى في جيل Z وهو جيل المواليد الواقع منذ 1997م نزولا إلى الألفية الثالثة. فشاعت فيه مظاهر الهشاشة النفسية، بكل ما مروا به من سد لآفاقهم الحالمة؛ فاستحال أبناء الجيل ضحايا للشعور بالخواء، والذي يجعلهم أكثر عرضة لإلحاق الضرر بأنفسهم، نفسيا وجسديا، ومن حولهم، تعلقا واحتكاكا. واتسموا كذلك بالحساسية الزائدة، والتي تُنتج بدورها الكثير من المفاهيم التي توحي بالرغبة في الانعزال عن كل ما هو بنّاء، ك “المساحة الآمنة” الذي حوّر عن أصله ليكون “الحماية من أي فكرة معادية أو سلبية”.
وانسابوا في تسويغ أفعالهم بدعوى الحالة النفسية، وعزو أي شعور سلبي لأزمة تستدعي زيارة طبيب نفسي أو معالج.
وكذلك يتسم هؤلاء بالتهرب من الحكم، وكراهية الحكم على الأشخاص؛ (لا تحكم علي!) العبارة التي تتردد على مسامعنا باستمرار في حُلل شتى (لا تحكم على الكتاب من غلافه)، دائما تقترن تلك العبارات في كل موقف تمارَس فيه فريضة الأمر بالمعروف، أو حتى إبداء رأي خاص بأسلوب مهذب. فيصاب الناس بهاجس أنه مهما صدق في نصيحته وزينها، سيأتيه الرد اللاذع بـ (انشغل بنفسك، ودع الخلق للخالق). فتجد الكثيرين قد اندمجوا في المناخات التي لا يعترض فيها أحد على أحد، هروبا من عناء الحكم عليهم من الناس؛ نعم ذلك الذي تغيب فيه تماما معالم إحقاق الحق وإبطال الباطل. ولعل هذا هو ما نبه عليه ابن قدامة رحمه الله قائلًا: (كان السلف رحمهم الله يحبّون من ينبههم على عيوبهم، أما نحن الآن فأبغض الناس إلينا من يعرّفنا عيوبنا).
وقد يهيأ للقارئ أن ما سبق هو المرض الرئيس الذي يعاني منه جيلنا الهش. لكن مع تدقيق بسيط في تلك الظواهر، التي يبدو ظاهريا أن البعض منها مستقل عن بعضه، وأن كلا منها يحتاج تشخيصا وعلاجا خاصا بذاته، كالفراغ العاطفي، والشعور بالخواء، وتعظيم المشاعر، وغيرها؛ يتبين أنها ما هي إلا سلسلة من الأعراض لمرض أعم، وهو غياب المركزية الإلهية وحلول مركزية الإنسان محلها، فليست التربية الإيجابية – التي أساسها الدلال والتقدير التام – إلا صور تأليه الإنسان، من الإحساس بالتفرد والاستحقاق، وتغذية الأنانية الشعورية.
والأمر يبدو فعلا أنه معقد وعسير! لكن التغيير في الطبع ممكن، لأن التغيير في الطبع مطلوب..
وقد علَق الإمام الغزالي – رحمه الله – في كتابه ”إحياء علوم الدين”، تعليقا لطيفا على هذه النقطة، في معرض بيان أن كل إنسان قابل للتغيير عموما، وقابل كذلك له من تلقاء نفسه، فقال:
(فنقول: لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير، لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات، ولما قال رسول الله ﷺ حسنوا أخلاقكم! وكيف ينكر هذا في حق الآدمي، وتغيير خلق البهيمة ممكن؟ إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد..)
وعلى هذا وذاك، لم يعد أمر الدعوة بتلك السهولة! فقبول الناس للمصدر صار أبعد لعدة عوامل فكرية ونفسية..
وإن المراد من الدعاة – الآن وفي كل وقت – صار عميقا في أغوار النفس الإنسانية؛ حتى ليتعين على الداعية تقويم منطق البشر، ومعالجة النفسيات الهشة التي جالت في أنفس الشباب. وصار على الداعية تحديد موضع “الورم” النفسي، واختيار الفكرة الإسلامية المتناسبة مع ذلك الورم بعناية.
صار على الداعية احتواء من يدعوه قبل تبليغه، فيلتمس منه موضع الصدود عن دين الله فيزيله. وما بات الصدود شبهات فكرية تزول بجدال بالتي هي أحسن، ولكن أصبح كذلك حوائل نفسية تزول بالعقيدة نفسها، وبمعرفة الله وصفاته!
ثم على الداعية تبليغ ذلك كله باللغة والمنطق الذي يتماشى مع فكره وبيئته، إلى أن يحيل كل ظلمة في النفس إلى نور الإيمان.. والله ولي الهداية والتوفيق.