الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين
يقول تعالى في كتابه العزيز: {ألا إن أولياء الله لاخوف عليهم ولاهم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم * ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم} [الشورى: 62-65].
تلك هى البشارة، وذلك هو شرطها. وما أعظمها من بشارة، وما أحرانا أن نستكمل شرطها. كل امرئ في هذه الحياة قد تعلق واستنصر بوليه، فلا يقوم أمره إلا به، ولا يتعلق قلبه إلا بسببه، لكن شتان بين ولي وولي. فأما المؤمنون فقد اتخذوا الله وحده وليهم، لأنه الولي على الحقيقة فاطر السموات والأرض.. {أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي} [الشورى: 9] {والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} [البقرة: 257] وما أوهن هذه العلاقة.. {كمثل العنكبوت اتخذت بيتا} [العنكبوت: 41].
لكن ولاية الله أمر غيبي، وولاية المخلوق ظاهرة لها بريق ورونق. ولهذا كان شرط الولاية الأول هو الإيمان. وحين تخالط بشاشتة القلوب تصبح ولاية الله ومعيته أقوى من كل سبب ظاهر، ويصير ما في يد الله أوثق مما في يد العبد. والمؤمنون في سيرهم إلى الله يؤمنون بذلك على الجملة ويقرون به، فتأتي المحن والخطوب لتمحص قلوبهم. العبد يظن أنه بانتسابه لأهل الإيمان قد صار من أولياء الله، وأنه ببذله القليل في سبيل الله فقد دخل في زمرتهم، ويغُره في أثناء ذلك ثناء من الناس قد يجده، أو فتح يفتحه الله عليه، أو ستر الله المرخى عليه. لكن ميزان الناس أمر وميزان الله أمر آخر، إنه عليم بذات الصدور، يعلم السر وأخفى. إنه سبحانه مطلع على شهوة خفية في النفس، على شيء من حب الظهور أو الثناء، على كراهة اطلاع الإخوان على المثالب والعيوب، على استثقال أمر الدعوة وخطرها، على شيء من الخوف من المستقبل أو خشية فوات الرزق، على لمة من التعلق بالزوجة والأنس إليها، على حرص على الذرية.. وفي نفس كل منا شيء من هذا أو ذاك، وأثر للشرك الخفي. والمولى يريدك له وحده لأنه مولاك وأنت عبده، فتأتي المحنة – وهي آتية ولا بد – لتكشف بعضا من ذلك.. ولا أقول كل ذلك.. لأن العرض سيكون في الآخرة: {يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية} [الحاقة: 18] نسأل الله العافية والستر فى الدنيا والآخرة، والمحنة لا تأخذ صورة واحدة، لكن مدارها على الابتلاء {بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات} [البقرة: 155] {لتبلون في أموالكم وأنفسكم} [آل عمران: 186].. {سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} [الفتح: 23]. فحينئذ ينكشف المنافق الذي كان يقول ما لا يفعل ويظهر غير ما يبطن – وما أكثرهم عافانا الله – ويتمحص الصادق.. «من يرد الله به خيرا يُصب منه» فيطهره من السيئات وآثارها، ويوفقه للتوبة والرجوع والإنابة، {وما يتذكر إلا من ينيب} [غافر: 13]. وحينئذ يذوق المؤمن حلاوة الولاية، وتنكشف له حقائقها، ويراها رأي العين؛ والغافل ليس له منها سوى الاسم.. {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم} [محمد: 11].
في غمرة البلاء والكرب يوم أحد يأمر النبي ﷺ أصحابه أن يصدعوا بهذه الحقيقة لرأس الكفر.. «ألا تجيبون؟» قالوا: وماذا نقول؟ «قولوا الله مولانا ولا مولى لكم».
وفي كل عصر يأوي المؤمنون إلى هذا الركن الشديد إذ يأوي المجرمون إلى “عُـزّاهم”. ويكون حال المؤمن مع مولاه أعظم من حال أهل الدنيا مع أوليائهم. فهو إذ يسأل لا يسأل إلا مولاه. وإذ يخضع لا يخضع إلا له. وحين يسأل فهو واثق في الإجابة كأشد ما تكون الثقة. لا يستبطئ النصر ولا يستطيل الطريق. وإذ يسمع وعد ربه يَقر عينًا به. وإذ يسمع داعي مولاه لا يتلبث عن النفير. وإذ يرى تخذيل بعض إخوانه لا يفت في عضده. وإذ يقرعه تخويف أعدائه لا يوهن من عزمه. ثم هو حاله في المحنة كحاله قبل المحنة وكحاله بعد المحنة، فهو عبد لمولاه في كل حال لا يختار لنفسه شيئا. وكيف يختار لنفسه وقد كفاه بذلك مولاه، فلنعم المولى ونعم النصير {أليس الله بكاف عبده} [الزمر: 36].
فإذا انجلت المحنة فهو لا يرى لنفسه فضلا ولا منة، بل لله الفضل والمنة. وهو على وجل ألا يكون الله قد تقبل منه عمله، وهو على عزم أن يبذل المجهود من نفسه في ذات الله، وعلى وجل من أن يختم له بالسيئة وبينه وبين الجنة ذراع. نسأل الله تعالى أن يتولانا فيمن تولى، وأن يوزعنا شكر نعمته، وأن يختم بالصالحات أعمالنا، وأن يجعلنا ممن {تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون} [النحل: 32].
وصلى الله على محمد وآله وسلم.