الحسنى وزيادة

مما يعين المؤمن على حسن القيام بتكاليف دينه، وعلى تحمل ما يلقاه من مشقات في دنياه، قوةُ استحضاره لما أعده الله من حسن الجزاء لأهل طاعته في الجنة. والاستحضار عمل للقلب يختلف عن مجرد العلم؛ فالعلم هو البوابة، ويتجدد بالتذكر عند النسيان. أما الاستحضار فإنه إحياء معاني ما تعلمه، أي أن يكون لهذه المعاني تأثير واضح متجدد على القلب ثم على الجوارح. فإن كان الحديث عن الجنة ونعيمها فيتجدد الاشتياق، والرجاء، والحب، والرغبة، والتطلع، والإقبال.. إن الإرادة تستنفر لنيل المحبوب والحصول عليه. ولكن السؤال: هذا هو العلم قد حصلناه من مظانه مسموعا أو مقروءا.. فمن أين نتحلى بالاستحضار لما نؤمن به بالغيب من نعيم لأهل الطاعة؟
ليس للعبد إلا قلب واحد {ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه} [الأحزاب: ٤]، فإما أن يملأه بزاد الإيمان حتى يصير قلبه سليما، أو أن يُنقِص منه فيمرض قلبه على قدر ما فرَّط. وليس الكلام لمن يملأ قلبَه بالباطل فيصير في غُلف عياذا بالله، بل ليس الكلام عما يصيب القلب المريض من الآثار السيئة جميعها من ظلمة ووهن ووحشة وذل ونكد وقلق وضنك وغير ذلك… إنما الحديث مخصوص عما يصيب القلبَ المريضَ من ضعف في استحضارٍ لموعود الله للمؤمن في الجنة. فقوة الاستحضار بحسب سلامة القلب. وعليه فإن القلب المريض يُحرَم من الاستحضار بحسب مرضه؛ ذلك لأن فيه قدرا من يَبَسٍ جامد جثا على صفحته بسبب صخرتين:

  • فأما الصخرة الأولى: فإنها الذنوب.. تلك النكات السوداء التي إذا تراكمت على القلب بلا توبة نسجت حوله غشاءً يتكاثف شيئا فشيئا، فيمنع بلوغ المعاني للقلب {بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين: ١٤]. وليس هذا بحالٍ ثابت لمن يرجو ثواب الله وجنته؛ فإنه لا يترك نفسه لاجتماع الذنوب على قلبه بلا توبة، وإنما يجتهد في المراغمة والمجاهدة. فبقدر ما يستجلب استحضار نعيم ربه فإنه يتحرر من أَسْر المعصية، وبقدر ما يتحرر من أَسْر المعصية يزداد استحضاره لنعيم ربه، ويَقْصُر عن اقترافِ مزيدٍ من الذنوب، ويتدارك ما بَدَرَ منه من تفريط.. وهكذا يؤثر كلٌّ من الباطن والظاهر في الآخر. والمجاهدةُ مرحلةٌ ليست بالهَيِّنة، ولكنها قنطرةٌ لابد منها للعبد المفَرِّط بُغية الوصول إلى لذة الإيمان، فيعيش شيئا من نعيم الجنة وهو يحيا في الدنيا.
  • وأما الصخرة الثانية: فإنها الغفلة.. تلك التي تنشأ عن الانشغال بالمباحات -كالنوم والأكل والشرب والنظر والكلام والمسكن والزينة والدابة واللباس والنكاح والأشغال…- بلا نية قربى إلى الله تعالى؛ وذلك كالأكل بلا نية التقَوِّي على طاعة الله تعالى، والنوم للاستراحة دون نية القيام النشيط إلى العبادة، والاستمتاع بزوجته حال الذهول عن نية كفِّ نفسه وبصره عن الحرام، ولا لقضاء حقها، ولا لتحصيل ولد صالح. فكلما انشغل القلب بأحداث دنياه سواء المتعة المباحة منها أو الهموم المنغصة دون أن يُرجع ذلك إلى موازينه الإيمانية بالشكر عند النعمة، والصبر عند النقمة، والاتعاظ عند التذكرة.. فإن ذلك يؤثر بالتشويش على استحضار القلب للنعيم الغيبي الذي أعده الله لأهل كرامته. فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة، إنْ أُعطي رضي، وإنْ لم يُعطَ لم يرض” [البخاري].
    فبقدر ما تنجلي هذه المعوقات عن صفحة القلب فإن الله تعالى يُرِي العبدَ بما رزقه من علم يقيني ما يجعله يعيش ومضاتٍ من الدار الآخرة وهو يمشي على قدميه في الدنيا.. تلك الومضات هي البديل الدنيوي عما طلبه موسى عليه السلام وقد دفعه الشوق: {رب أرني أنظر إليك قال لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين} [الأعراف: ١٤٣]، فلا طاقة لعبدٍ برؤية ربه تعالى في الدنيا مهما ارتقى في مراتب العبودية والتجرد؛ بل إن الجبل على ثباته ورسوخه دكَّه ربه عند تَجَلِّيه له، فخرَّ موسى صعقا مهابةً ورهبةً وإجلالا لهذا المشهد، ثم سبَّح ربه وتاب إليه وجدد إيمانه لَمَّا أفاق من صعقته. واحتجب سبحانه بالنور عن نبيه صلى الله عليه وسلم في المعراج كما رواه أبو ذر رضي الله عنه قال: سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل رأيتَ ربك؟ قال: “نور.. أنى أراه؟” وفي رواية: “رأيتُ نورا” [متفق عليه].
    فعندما يتلو العبد قوله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} [القيامة: ٢٢، ٢٣]، يتساءل متأثرا وقد استوقفته الآية: هل سينعم يوما بأن يصبح وجهه -الذي لطالما ينظر إليه في المرآة- على هذه الحال من السرور والنعيم والغبطة والحسن والجمال والبهاء حين يرى خالقه في الجنة؟! وقد جاء عن الحَسَن: “وحُقَّ لها أن تَنْضُر وهي تنظر إلى الخالق”. إنَّ هذه القيمة الجليلة لن يستشعرها العبد إلا ببذلٍ طويلٍ كبيرٍ في سبيل ربه الذي يعبده بالغيب، فتطمع نفسه لرؤية معبوده حقيقةً، فعندما يعلم أنها ليست إلا في الجنة يَحِلّ الشوق إليها على نحو يدفعه للإحسان في الطاعات واجتناب الموبقات.
    ومثلما اشتاق إلى رؤية ربه تعالى، فإنه يخاف أن يُحجب عنه؛ فيستوقفه قوله تعالى: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون} [المطففين: ١٥]، يقول الطبري وابن كثير: “محجوبون عن رؤية ربهم”. يقول الشافعي: “لَمَّا أنْ حجب هؤلاء في السخط، كان في هذا دليلٌ على أن أولياءه يرونه في الرضى”، ويقول أيضا: “في هذه الآية دليل على أن المؤمنين يرونه عز وجل يومئذ”. وما أحسن ما استدل به الحسين بن الفضل بقوله: “لما حجبهم في الدنيا عن نور توحيده حجبهم في الآخرة عن رؤيته”. عندئذ يخاف العبد أن يُحرَم تحقيق التوحيد بإخلاص عبادة ربه في الدنيا، فتكون العاقبة مثل هذا الحرمان في الآخرة.
    ويتفكر في حاله: هل سيكون ممن يُسألون في الجنة كما روى صهيب رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيُكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل” وفي رواية: “ثم تلا هذه الآية: {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة} [يونس: ٢٦]” [مسلم]. فالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم.
    وقد ورد الحجاب فيما رواه أبو موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه” [متفق عليه]، وهو الذي يقول عنه رب العالمين في الحديث القدسي: “العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعني في واحد منهما عذَّبته” [مسلم]. قال عياض: “استعار لعظيم سلطان الله وكبريائه وعظمته وهيبته وجلاله -لمانع إدراك أبصار البشر مع ضعفها- استعار لذلك رداء الكبرياء”. وكما صحَّ ذكر حجاب الكبرياء فقد صحَّ ذكر حجاب النور وحجاب النار، قال أبو موسى رضي الله عنه: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمس كلمات، جاء فيها عن الله تعالى: “حجابه النور -وفي رواية أبي بكر: النار- لو كشفه لأحرقت سبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه” [مسلم]. ولكنه تعالى في الدار الآخرة يكمل خلق المؤمنين، ويقويهم على النظر إليه تعالى فينعمون بذلك، بل هو أعلى نعيمهم في الجنة.
    واترك زمام عقلك لينصت إلى ما قاله جرير بن عبد الله رضي الله عنه: كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ نظر إلى القمر ليلة البدر فقال: “إنكم سترون ربكم، كما ترون هذا القمر، لا تضامُّون في رؤيته…” [متفق عليه]، أي لا تتعبون أو لا تختلفون فسل نفسك أخي: كم مرة رأيتَ فيها البدر، واستحضرتَ هذا المشهد؟ إن استحضاره -على وضوحه- فضلٌ من ربك، يرزقه لمن تحرر قلبه من المعوقات من ذنب وغفلة، واشتاق لليوم الذي تقر فيه عينه بالرؤية الحقة الواضحة لربه.
    يبقى أن تعلم أن استحضار هذه المشاهد الجليلة يتجدد بتجدد تفاصيل أحداث يومك؛ أي أن الحدث يقع، فتزاحمه بقلب نقي من الذنب والغفلة، وتُذَكِّره مثل هذه المشاهد سواء بمجالسة الصالحين، أو بمراجعة العلم، أو بالتدبر، أو مجالس الذكر، فكأن هذه المشاهد تكتسب جلالتها للمرة الأولى. وتقع التذكرة فيحيا العبد في دنياه وقلبه معلق بآخرته، وصدق الله تعالى: {جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى} [طه: ٧٦].

أضف تعليق