أيها الحافظ العامل، قطعتَ -بحفظك لكتاب الله- شوطا في رحلة ثباتك على صراط الله، فلن تعدم ومضاتِ تذكيرٍ تَزيدُك رسوخا في مُضِيِّك. أحسب أنك تراعي بعض الأمور كونك حاملا للقرآن؛ فترطبَ لسانَك بتلاوته، وتتعاهدَ مراجعته، وتستشهدَ في المواقف المتعددة بآياتِه، وتعظَ به من احتاج الموعظة ممن حولَك، وتفتحَ على من أخطأ فيه ممن أَمَّك في صلاتك.
فدونك بعض الكلمات تربط ظاهرك الحسَن بحقيقة باطنك؛ فثمة سؤال: كيف يتمكَّن القرآن من تغييرك؟ أقصد بالتغيير هنا ما يتعلق بقلبك. تلك المضغة شديدة التقلب والتأثر بما تواجهه من أحداث، فتراك تارة ساكنا مطمئنا صالح البال، وتارة ضائقا متململا مضطرب الحال. ما من البشر أحد يخلو من مثل هذا التقلب، ولكن للقرآن أثر معجز في ضبط هذه الأحوال، كونه وحيا من كلام رب العالمين {إنْ هو إلا وحي يوحى} [النجم: ٤]، فما أثر هذا الوحي الذي تحمله على قلبك؟ دعنا نستطرد قليلا في مقدماتٍ لهذا الأثر.
إنك لا تستطيع أن ترى قلبك الذي هو في صدرك، ولا أن تدرك كيفية عمله؛ فهو خفي عنك. حسبك أن ترى آثار تقلبه في انفعالاتك. ولكن يمكنك أن تتلقى هذه الحقائق من الوحي؛ فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، يقول إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “إنَّ قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء” [مسلم]. ومن ثم فإنك لا تستطيع أن تغير في انفعالات قلبك شيئا بإرادتك، فالذي يملك ذلك هو ربك. فإن أردتَ السكون والطمأنينة وصلاح البال فلن يكون ذلك إلا من عند الله تعالى، ومبدأ ذلك أن تُعَرِّض قلبك لكلام الله عز وجل.. انتبه! أن تُعَرِّض قلبك وليس جوارحك فحسب، علما بأن الجوارح هي بوابات القلب، ولكن الشاهد ألا تقف الآيات على عتبات جوارحك، وإنما تتعدَّاها لتصل إلى الباطن. ويظل السؤال: كيف ذلك؟
إنَّ كل ما تتلقاه بحواسك في العالم الملموس يؤثر على قلبك في عالم الغيب، ثم إنَّ لقلبك إرادة خلقها الله تعالى فيه؛ فإما أن يترك سبيلا لتلك المؤثرات أو أن يغلق بابه دونها. وقد تعمدتُ لفظة (المؤثرات) لتحمل بين طياتها الإيجابيات والسلبيات، أو ما يُزَكِّي القلب وما يُدَسِّيه. فتحصل لدينا حالات أربعة لا يخرج المرء عنها:
- فإما أن يتواجد في بيئة خير، فيتقبَّل قلبه مؤثراتها الطيبة، فيزكو.
- أو أن يتواجد في بيئة شر، فيرد قلبه مؤثراتها الخبيثة، فيزكو.
- أو أن يتواجد في بيئة خير، فيرد قلبه مؤثراتها الطيبة، فيدسو.
- أو أن يتواجد في بيئة شر، فيتقبل قلبه مؤثراتها الخبيثة، فيدسو.
أي أن معوَّل صلاح القلب أمران: البيئة الخارجية، والإرادة الداخلية. ولن أستفيض كثيرا في اختيار البيئة فإنه يعترضها حتميات أو أدوار دعوية لازمة، تجعل من المشقة في كثير من الأحيان أن يلزم المرء بيئة الخير وأن يترك بيئة الشر فيُنَفّذ الوصية التي وجهها أهل العلم لقاتل المائة نفس كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه فيما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإنَّ بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء” [مسلم]. وحسبنا في أمر هذه البيئة ما رواه حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “تعرض الفتن على القلوب عرض الحصير، فأي قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء، وأي قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، حتى تصير القلوب على قلبين: أبيض مثل الصفا لا يضره فتنة ما دامت السموات والأرض، والآخر أسود مربد كالكوز مُجَخِّيا -وأمال كفه- لا يعرف معروفا، ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه” [مسلم].
إلا أنَّ في كلا البيئتين قد يزكو القلب أو يدسو، هنا يأتي دور الزاد القلبي الذي يضبط ما يدخل القلب وما يلفظه. فيأتي ذكر الله على كل حال، والتفكر في آياته وآلائه، ومجالسة الصالحين، وطلب العلم، وفعل الخير.. كل ذلك وغيره يضبط ما يدخل القلب وما يُرَدُّ.
وعلى رأس الزاد يا صاحب القرآن يأتي ما تحمله في صدرك، حال قيامك به الليل، {إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا * إنَّ ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا} [المزمل: ٥، ٦]. إذن فقد أمسكتَ بطرف مهمة جليلة ستجعل للقرآن أثرا ملموسا على باطنك. ولعلك ذقتَ مثل هذا الأثر من قبل في مرحلة صفاء الابتداء، يقول تعالى عنها: {ما كنتَ تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا} [الشورى: ٥٢]. ثم ما لبث أن طال عليك الأمد فقسا قلبك، واعتراك من الفتور والاعتياد ما أفقدك بعض طاقتك على مواصلة المسير، وتسلَّل بعضٌ من الضعف والوهن والاستكانة إلى قلبك، فما عاد للقرآن وهجه الأول الذي كان يردعك عن المذامّ ويدفعك للمحابّ. فماذا عليك أن تفعل حينئذ كي تعيد سيرتك الأولى؟
أنت تحمل العلاج في صدرك {بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم} [العنكبوت: ٤٩]، ولكنك في غفلة عن كيفية اغتنامه. إن في القرآن سرا معجزا يستطيع أن يقيلك من عثراتك في كل مراحل حياتك، كما استطاع أن ينقلك إلى حقل الالتزام من قبل. إن المجاهدة بالقرآن قائمة في كل المراحل، يقول سبحانه: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإنَّ الله لمع المحسنين} [العنكبوت: ٦٩]. والمجاهدة مرحلة من المشقة تطول وتقصر، وتُقبل وتدبر، وتنجح وتفشل.. إنها مزاحمة الغيب للشهادة. فعليك بأمور لابد من أن تستصحبها في رحلة مجاهدتك للقيام بكتاب الله؛ منها: - الأولوية: فكلما حاز القيام بكتاب الله عندك حيزا كبيرا من الهم والعزم والحرص في طيات انشغالات يومك، كان التوفيق من الله حليفك.
- الدعاء: فالانكسار إلى الله بـ”لا حول ولا قوة إلا بالله” هو مفتاح العون والإذن على الطاعة؛ فهي شرف لا ينيله الله لأي أحد من عباده.
- العلم: فكلما ازددت معرفة بالمقصود من كلام ربك كان أرجى لأن يتجدد تأثير كلامه عليك، فيحدث الأثر المطلوب في القلب ثم الجوارح، {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به} [البقرة: ١٢١].
- المداومة: فالصبر على الطاعة وتكرارها على كل حال، حَرِيٌّ بأن يزيل ما تغشى القلب، وحال بينه وبين صفائه.
ولرحلة المجاهدة في القيام بالقرآن أعمال أخرى لا تقل أهمية عما سبق؛ كالابتعاد عن الذنوب، والإكثار من الطاعات لا سيما الصدقات، والإعراض عن فضول الدنيا، وضبط أوقات النوم واليقظة… وقد يثقل على المرء بعض تلك الأعمال في وقت دون وقت، إلا أن تلك الأعمال وغيرها بينها وبين القيام بالقرآن تأثير متبادل؛ أي أنها تؤدي إلى التوفيق للقيام بالقرآن، كما أنها من ثماره الطيبة أيضا. فكلٌّ من الأعمال الصالحة والقيام بالقرآن يؤثر في الآخر، فلنحرص أن يكون لنا نصيب من كلٍّ إلى أن يستقيم المسير.
وبين متاعب المجاهدة تولد لذة الإيمان من جديد، وتظل تنمو مع استمرار المجاهدة حتى تتمكن من القلب. هنالك يحلِّق القلب في مشاهد من القرآن تنقله بعيدا عما يخالطه في عالم الشهادة، فتراه يسافر بقلبه في عوالم أخرى.. عوالم يتقلب فيها بين التذكير بنعم الله كما قال تعالى: {ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا} [الفرقان: ٤٥]، ويعود إلى الأزمنة الساحقة فيرى فيها بدء الخليقة، وأصل الصراع بين آدم وإبليس، وقصص الأنبياء مع أقوامهم، والسنن الربانية، ومصارع الغابرين {قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين} [آل عمران: ١٣٧]، ثم يُحَوِّل دفة الزمان إلى المستقبل فكأنه يرى القيامة وعلاماتها، ثم أهل الجنة وهم فيها يتنعمون، وأهل النار وهم فيها يتضاغَون {ولو ترى إذ وُقفوا على النار} [الأنعام: ٢٧]، {ولو ترى إذ وُقفوا على ربهم} [الأنعام: ٣٠]، {ويستنبئونك أحق هو؟ قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين} [يونس: ٥٣]، ويتدبر في أسماء الله وصفاته وأفعاله {ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير * ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض} [البقرة: ١٠٦-١٠٧]، ويتلقى حدود الله من أوامر ونواه.. إنه من الإعجاز في القرآن أن هداياته لا تنتهي، ومعانيه لا تنضب، كيف وهو كلام الله تعالى وصفة من صفاته جل وعلا؟
إذن ليس المقام -أخي- هو تصنيف الأعمال إلى فرائض ونوافل، بل هو سلوك محابِّ الله والمجاهدةُ على لزوم ذلك. والغاية هي أن يذوق القلب من لذة الإيمان ما يجعله يشتاق إلى إتيان الطاعات والمداومة عليها بل والإطالة فيها لخِفَّتها عليه وتعلقه بها، وما يعينه على اجتناب الموبقات، ويطرد عنه المعصية بل هواجسها، ويدفعه لتدارك ما فاته من تفريط أو ذنب بصدق وعزم، ويحرره بصدر منشرح من أسر الذنب الذي كان يضيق صدره، وما يزهده في متاع الدنيا الفاني، ويرغبه في نعيم الآخرة الباقي، ويخيفه من عذاب الجبار، ويعلقه بجنة الرحمن، ويهون عليه كربات الدنيا، ويوفقه في معاملات المخلوقين، ويعيد ضبط موازين القوة عنده بين قدرة الله وقَدْر الأسباب، ويشعره بالخشوع بلا مشتتات، ويسيل التأثر عليه من الموعظة والتذكير…
مثل هذه الثمرات المعنوية هي التي تطيب بها حياة المؤمن في الدنيا، قال تعالى: {من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة} [النحل: ٦٧]، وهي التي جعلت النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما روى أبو هريرة رضي الله عنه: “والذي نفسي بيده وددت أني أقاتل في سبيل الله فأُقتل، ثم أُحيا فأُقتل، ثم أُحيا فأُقتل” [البخاري]. وهي ما قال عنه إبراهيم بن أدهم: “لو يعلم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السعادة لجالدونا عليها بالسيوف”، وهي ما عناه شيخ الإسلام بقوله: “ما يفعل أعدائي بي؟ إن جنتي وبستاني في صدري؛ إنَّ قتلي شهادة، وسجني خلوة، ونفيي سياحة”، وهي المقصود من كلام ابن القيم: “إنَّ في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة”، وهي ما روي عن أحد السلف: “مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها”، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: “محبة الله تعالى ومعرفته وذكره والأنس به”.