الإلف المذموم

إذا امتنَّ الله تعالى على عبده بالهداية إلى صراطه المستقيم فإنه يرزقه زادا من الإيمان يعينه على سلوك سبيل الحق ويثبته عليه {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم} [النور: ٢١]. فيفتح الله لعبده المهتدي بابا من الطاعة، له من اللذة ما يغنيه عن المعصية ويُثَبِّتُه على طريق الخير {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} [الحجرات: ٧]. هذا التحبيب والتزيين للإيمان في القلب -والذي يؤدي إلى هذه اللذة- مطلبٌ أساسٌ للثبات على الطاعة، فإذا خبا شقَّت الطاعة، وتخلخل ثبات بنيان الإيمان، ونازعت النفسَ هواجسُ المعصية، وانكشفت ثَلَمَةٌ ينفذ منها الشيطان ليصرف العبد عن طاعة ربه. وما ذاك إلا لافتقاد هذه اللذة حال ظاهر الطاعة.
وتتمثل هذه اللذة في عمل القلب عند الطاعة خوفا ورجاء وحبا وإنابة وشوقا واحتياجا وتذللا وخشوعا… قال تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} [المؤمنون: ٦٠]. وعن الحسن فيها: “يعملون ما عملوا من أعمال البر، وهم يخافون ألا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم”؛ وذلك خوفا من تقصيرهم في القيام بشروط الطاعة على الوجه الذي يليق بأنها معروضة على ربهم. ومن ثَمَّ جَمَعَ هؤلاء بين أمرين: مداومة الطاعة، وتفاعل القلب معها. فظاهر الطاعة لا يكفي وحده لإحداث لذة الإيمان الباطنة، وإن ترتب عليه نوعُ ثواب، ولكن لا ينفك باطنٌ عن ظاهرٍ حال الاستقامة.
وللمداومة وجهان؛ فأما وجهها الحسن فهو ملمح الثبات فيها، وهو ناشئ عن اعتياد الطاعة وتكرارها ومجاهدة ما يعوق عن إتيانها. ولكنْ تتسلل هنا آفةٌ لا يرقبها إلا من بصَّره الله بها: إنها الإلف المذموم.. ذلك المزلق الذي يباعد بين ظاهر الطاعة وباطن التفاعل معها. فكيف يتسلل هذا الإلف المذموم؟ وما علاجه؟
إن تواطؤ الباطن مع الظاهر ينشأ عن انتقال الحال؛ أي أن العبد قد انتقل من حال جهل إلى معرفة، أو من حال معصية إلى طاعة، أو من حال غفلة إلى تذكرة… فهذا يجعله يأتي الطاعة وهو يذوق معها لذةً نشأت من ضدها.. من افتقادها.. من روعة العثور عليها.. من شهود التوفيق إليها. فجمعت هذه الملابساتُ قلبَه حال إتيان الطاعة، فذاق لها لذة الإيمان التي ذكرنا بعضا من معالمها.
فإذا تكررت الطاعة لزمه استحضار ما شهده أول مرة حتى تدوم له مثل هذه اللذة. ولا يكون ذلك إلا بانتقال جديد؛ أي معرفة جديدة، أو تذكرة جديدة، أو صحبة جديدة، أو أي ملابسة جديدة يكون من شأنها جمع تلابيب القلب على الطاعة بغية المحافظة على مثل هذه اللذة. ولنا هنا أن نتصور الفرق بين حال العبد الذي يأتي ذات الطاعة للمرة العاشرة أو المائة أو الألف دون أن يزداد في علم أو تذكرة… وبين من جمع إلى ظاهر الطاعة في كل مرة من الزاد ما يجدد الإيمان في قلبه ويورثه لذتها!
إن الإلف المذموم للطاعة يُخَلِّف ظاهرا باهتا ذابلا فاترا يوشك أن يخبو ويخفت، فيصاب العبد بعد حين بالتكاسل والتراخي والتباطؤ والفتور والاستثقال للطاعة، مع الانجذاب والضعف والسقوط نحو المعصية. ويتساءل العبد عما غيَّر حاله بعد الجِدِّ والهمة والنشاط؟ إن من أسباب ذلك الإلف المذموم الذي يحتاج إلى تجديد الإيمان بالعلم والتذكرة. قال تعالى: {إنَّ الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} [الأعراف: ٢٠١].
بينما التجديد المحمود يضفي على الطاعة ليس ثباتا ولذة فحسب، بل زيادة وتعلقا واشتياقا ورغبة وإطالة كذلك، كما قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} [الأنفال: ٢]، وقد أحسن السعدي في تفسيره لها إذ يقول: “ووجه ذلك أنهم يُلقون له السمع، ويُحضِرون قلوبهم لتدبره فعند ذلك يَزيد إيمانُهم؛ لأن التدبر من أعمال القلوب، ولأنه لا بد أن يبين لهم معنى كانوا يجهلونه، أو يتذكرون ما كانوا نسوه، أو يُحدِث في قلوبهم رغبةً في الخير، واشتياقا إلى كرامة ربهم، أو وجلا من العقوبات، وازدجارا عن المعاصي، وكل هذا مما يزداد به الإيمان”.
فالحسنةُ من خيرِ الحسنةِ الأولى، والسيئةُ من شرِّ السيئة الأولى، وهذه قاعدةٌ جليلة القدر في (الحسنات والسيئات)، لذا قال بعضُ السلف: “من ثواب الحسنة: الحسنة بعدها، ومن عقوبة السيئة: السيئة بعدها”، قال تعالى: {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى} [الروم: ١٠]، ويقول شيخ الإسلام: “عاقبة الحسنات حسنات؛ وعاقبة السيئات سيئات”. ويقول ابن القيم: “… فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها: اعملني أيضا، فإذا عملها قالت الثانية كذلك، وهلُمَّ جرا، فيتضاعف الربح وتتزايد الحسنات. وكذلك كانت السيئات أيضا، حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة”.
لذا أمر الله تعالى المؤمنين بتعاهد إيمانهم في قوله: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل} [النساء: ١٣٦]. يقول ابن كثير في تفسيرها: “يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه. كما يقول المؤمن في كل صلاة: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: ٦] أي: بصِّرنا فيه، وزدنا هدى، وثبِّتنا عليه. فأمرهم بالإيمان به وبرسوله، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله} [الحديد: ٢٨]”.
ولا يحسبنَّ أحدٌ أن المطلوب هو التذكرة بلا نسيان، أو الطاعة بلا معصية؛ فهذا حال الملائكة {يُسَبِّحون الليل والنهار لا يفترون} [الأنبياء: ٢٠]. وهذا ما يشرحه حديث حنظلة بن الربيع الأسيدي رضي الله عنه وهو يقول: لقيني أبو بكر رضي الله عنه فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله! ما تقول؟! قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يُذَكِّرنا بالجنة والنار كأنا رَأْيَ عينٍ، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا، قال أبو بكر رضي الله عنه: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وما ذاك؟” قلت: يا رسول الله، نكون عندك تُذَكِّرُنا بالنار والجنة كأنَّا رَأْيَ العين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده أنْ لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة” [مسلم].
كما ينبغي ألا يُظَنَّ أنَّ في ذلك دعوة إلى عدم إتيان ظاهر الطاعة إلا حال تواطؤ القلب. فأحيانا تكون المجاهدة على إتيان الطاعة ولو ظاهرا سبيلا إلى إقبال القلب عليها. إن الاقتصاد في الطاعة وإتيان المستطاع منها مقصد معتبر في الشرع؛ فهو يعين على حضور القلب، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة قال: من هذه؟ قالت: هذه فلانة تذكر من صلاتها قال: “مه! عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تمَلُّوا، وكان أحب الدِّين إليه ما داوم صاحبه عليه” [متفق عليه]، ومعنى “لا يمَلُّ الله” أي: لا يقطع ثوابه عنكم وجزاء أعمالكم، ويعاملكم معاملة المالِّ “حتى تمَلُّوا” فتتركوا، فينبغي لكم أن تأخذوا ما تطيقون الدوام عليه ليدوم ثوابه لكم وفضله عليكم. ويقول النووي شارحا لحديث عائشة رضي الله عنها: “فيه الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق، والأمر بالإقبال عليها بنشاط، وأنه إذا فَتُر فليقعد حتى يذهب عنه الفتور”.
الدعوة هنا إذن إلى تدارك الأمر من مبدئه، ومعرفة سببه وعلاجه ومنتهاه؛ فالآفة هي الإلف المذموم، وسببها عدم تجدد العلم والتذكرة، وعلاجها هو التعاهد الدائم بالعلم النافع والتذكرة المؤثرة والتدبر المستمر والصحبة الصالحة وعدم استمراء الانتظام الفاتر في أداء الطاعات، والغاية هي تواطؤ القلب مع ظاهر الطاعة. كل ذلك بُغْيَةَ تذوُّق لذة الإيمان التي تُثَبِّت صاحبها على الطاعة، وتغنيه عن الالتفات إلى المعصية.

أضف تعليق