خلق الله تعالى الإنسان من طين، ثم نفخ فيه من روحه التي لا يعلم حقيقتها إلا هو سبحانه؛ فصار في الإنسان مادتان مختلفتان: مادة تُغَذِّي بدنه، وأخرى تُغَذِّي قلبه. ولا انفكاك للبشر عن كليهما من حيث أصل الخلقة، ولكنْ لكليهما زادٌ للحياة لو افتُقِد فليس إلا الموت.
فأما عن المادة الأولى فهي ظاهرة لذوي الأنظار؛ بَدَنٌ يتغذى بالطعام والشراب، ويسكن بالنوم، ويتكاثر بالنكاح، ويستكين بالجو المعتدل، وغير ذلك من احتياجاته الضرورية وغيرها. وأما المادة الثانية فهي باطنة لا تُرى بالبصر، وإنما تَتَلَمَّس أحوالَها البصيرةُ؛ قلبٌ يتزوَّد بالطاعة، ويطمئن بذكر الله، ويسكن بالقرب منه، ويفرح بتلاوة آياته.
فما أثر كلٍّ من المادتين على الأخرى؟
عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب” [متفق عليه]. ويعلق ابن رجب على الحديث بقوله: “ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح”. ومن هنا نلمس الميزان الرباني: فالمؤمن يسعى أولا لإصلاح قلبه ليَصلُح جسده.
ولكن أليس الجسد يصلح بالطعام والشراب والنكاح مما ذكرنا من قبل؟ فما الداعي من إقحام القلب في المعادلة؟
الحق أن البدن بلا قلب يحكُمُه، يتغذى فيتعسر شبعه! ويشرب فلا يطيب رِيُّه! ويستزيد من متعته فلا يُقضَى وطَرُه! غصةٌ ووحشةٌ تلاحقه قبل الطلب وأثناءه وبعده؛ فيسعى صاحب الجسد لإذهابها بمزيد من الزاد المحسوس، فلا يُجدي الإسرافُ إلا عطشا، وتظل اللذة منقوصة؛ بل يزداد تحولها إلى نقيضها كلما ضعُف منه القلب حتى يصير إلى الشقاء الذي قال عنه تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} [طه: ١٢٤].
ولسنا هنا في معرض الحديث عن الضنك المطلق الذي هو جزاء الإعراض المطلق، فهذا حال أصحاب القلوب التي علاها الصدى والران والطبع والقفل والختم. وَصَفَهم مِن قبل الحسن البصري في قولته البليغة: “إنهم وإن طَقْطَقَتْ بهم البغال وهَمْلَجَتْ بهم البراذين، فإنَّ ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه”. وإنما نريد مزيد اعتناء بالحصة؛ أي ما ينتاب المؤمن من أحوال الغفلة التي تؤثر سلبا على قلبه. يقول تعالى: {ومن يعْشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} [الزخرف: ٣٦]. والعَشا يبدأ من التقصير وينتهي بالإعراض، والجزاء المذكور في الآية -من تقييض الشيطان كقرين لمن عشى عن ذكر ربه- هو الغاية التي تكون كملازمة الظل لأصله.
ولكنْ لِذِي الغفلة الوقتية نصيبٌ من تسلط الشيطان عليه. وذلك كما في النوع الثاني من الأنواع الثلاثة للقلوب، والذي يشير إليه ابن القيم رحمه الله بقوله: “القلب الثاني: قلب قد استنار بنور الإيمان وأُوقِد فيه مصباحه، لكن عليه ظلمة الشهوات وعواصف الأهوية، فللشيطان هنالك إقبالٌ وإدبارٌ، ومجالاتٌ ومطامع، فالحرب دُوَل وسِجال، وتختلف أحوال هذا الصِّنف بالقلَّة والكثرة، فمنهم مَن أوقات غلبته لعدوِّه أكثر، ومنهم مَن أوقات غلبة عدوه له أكثر، ومنهم مَن هو تارة وتارة”.
حرِيٌّ بنا إِذَن أن ننتبه لأنفسنا، وإلا فالأمر حتما سيطول التقصير في الواجبات واقتراف المحرمات إن استمر التهاون عن تدارك الحال بالتوبة النصوح والاستغفار الدائم. لذا روى الأغر المزني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنه ليُغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم مائة مرة” [رواه مسلم]. فلعلها الأمور الجبلية التي جعلت هناك غَيْنٌ وتغطية حتى على قلب خير الخلق صلى الله عليه وسلم، فكانت مسارعته الدائمة بالاستغفار الكثير. فما بال المخلطين المسرفين في المباحات لا يعبؤون؟! والغين يتراكم بالتدريج على قلوبهم. يقول ابن القيم رحمه الله: “المؤمن قوته من قلبه، وكلما قوي قلبه قوي بدنه، وأما الفاجر فإنه -وإن كان قوي البدن- فهو أضعف شيء عند الحاجة، فتخونه قوته أحوج ما يكون إلى نفسه، فتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها، وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم”.
إن الإسراف في المباحات من المأكولات أو الكلام أو الملابس أو المساكن أو الأثاث أو الدواب أو النوم أو الترويح أو التنزه أو الأسفار أو الخلطة أو الزيارات أو السماع أو الأشغال أو الهوايات أو اللهو أو الزينة أو غيرها من المتاع.. كل ذلك مؤذن بشيء من فساد القلب زاد أو نقص! بل هناك صور حديثة تظهر كالمكث الطويل لتصفح وسائل التواصل الاجتماعي -وإن خلت من ظاهر المحرمات- إلا أنها صارت تغزو نقالات أهل الصلاح، فينسَلُّون خُفية في ركابها دون التفات إلى عواقبها.
ولتقريب مغبة ذلك النوع من الإسراف في المباحات، دعنا نتصور حال المسرف إذا أقبل على ربه في الصلاة هل يجد من خشوع القلب الحدَّ المجزئ من التدبر؟! وإن رأى أو سمع من المنكرات ما يستلزم على الأقل إنكار القلب، فهل يجد هذا التمعُّر من داخله؟! وإذا تُليت عليه آيات ربه أو تلاها فهل يجد نصيبا من الزجر مما تحمله من موعظة وحث على مرضات الله وترك مساخطه؟! فإذا كان في معرض أمر بمعروف أو نهي عن منكر فهل يواطئ قلبه لسانه في التذكير والوعظ؟! قُل مثل ذلك في الإقبال على الطاعات واجتناب المعاصي بعامة، والشوق للجنة، والفرار من النار، وتحصيل العلم النافع، والهم بقضايا المسلمين، والسعي في نصرة الدين..
إن الإسراف في المباحات سيؤدي حتما إلى الإخلال بالواجبات، وكل ذلك لأن القلب أصيب بالتشويش في مراقبة الجوارح. يقول ابن القيم رحمه الله: “فواجبات القلوب أشد وجوبا من واجبات الأبدان وآكد منها، وكأنها ليست من واجبات الدين عند كثير من الناس، بل هي من باب الفضائل والمستحبات! فتراه يتحرَّج من ترك واجب من واجبات الأبدان، وقد ترك ما هو أهمُّ واجبات القلوب وأفْرَضُها، ويتحرَّج من فعل أدنى المحرمات، وقد ارتكب من محرمات القلوب ما هو أشد تحريما وأعظم إثما”.
حُقَّ حينئذ لأهل الصلاح أن يسارعوا في الأوبة إلى ربهم. وأول مراحل الاستشفاءِ الاستعانةُ، وفيها روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء”، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك”. [رواه مسلم]. إذن فهو الابتهال إلى الله بصلاح القلب.
ثم يعقب هذه الاستعانةُ من الطاعات الكثيرَ يتقدمها النية ذاتها وهي صلاح القلب، وهنا يبدو التأثير المُكمِّل وهو أثر أعمال الطاعات بالجوارح على أعمال القلب؛ فالجوارح هي منافذ القلب وثغوره. وهل في الإمكان استيعاب ما تورثه الصلاة من رضا وطمأنينة وخشوع وإنابة؟ أو ما يورثه الصوم من يقين وتوكل وإخلاص؟ أو ما يورثه الجهاد من محبة واستسلام وثبات؟.. وهكذا سائر الطاعات.
ومع انزياح الغَيْن تدريجيا يقوى العبد على مجاهدة آفاته، وتَحِلُّ لذة الإيمان محل اللذة المُتَوَهَّمَة من جرَّاء الإسراف. كل ذلك لا يحدث دفعة واحدة، وإنما هي رحلة يقطعها القلب لبلوغ مقامه الذي يليق به.. مقام المَلِك على الجوارح.. رحلة يقول عنها سبحانه: {ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها” [الشمس: ٧-١٠]، والغاية في آخر المطاف: {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: ٨٨، ٨٩].