يتراوح العبد في حياته بين خلطة وعزلة، واجتماع وخلوة، لا ينفكُّ عنهما. إلا أن حاله هو فيهما هو ما قد يختلف؛ ففي الخلطة هناك طَرَف حاضر متمثل في الناس، فيضعهم المرء في الحسبان وهو يقوم بأفعاله؛ فربما اعتنى أن يُظهر الجميل، وأن يُخفي القبيح. أما في الخلوة فلا رقابة عليه سوى من خالقه. ومن ثم كانت الخلوة مَحكّا حقيقيا يَزِن مقدار مراقبة العبد لربه؛ فإنْ هو وُفِّق لاغتنام العمل فيها في مرضات ربه، رزقه الله لذة إيمان يجد حلاوتها في جميع أحواله، وإنْ هو انتهك حرمات الله فيها، سلبه الله لذة الإيمان هذه، ووُكل إلى ما اقترفته نفسه، بل حُرِم استحضارَ رقابة الله عليه فضلا عن مخالفة أمره. فما السبيل إلى خلوة في طاعة؟ وما ثمارها؟ وما معوقاتها؟
إن إحاطة الله بخلقه عظيمة الشأن؛ فإنه سبحانه لا يشغله حال عن حال، وقد أحاط علمه وقدرته بظواهر الأشياء وبواطنها {ألا إنه بكل شيء محيط} [فصلت: ٥٤]، {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} [فصلت: ٣]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليم وسلم قال: “… اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء…” [مسلم]. يقول ابن القيم رابطا بين هذه الأسماء الأربعة وبين صفة الإحاطة لله تعالى: “فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهي إحاطتان: زمانية ومكانية، فأحاطت أوَّليَّتُه وآخِريَّتُه بالقَبل والبَعد، فكل سابق انتهى إلى أوليَّته، وكل آخر انتهى إلى آخِريَّته، فأحاطت أوَّليَّته وآخريَّته بالأوائل والأواخر. وأحاطت ظاهريَّتُه وباطنيَّتُه بكل ظاهر وباطنٍ، فما مِن ظاهر إلا واللهُ فوقه، وما مِن باطن إلا والله دونه، وما مِن أوَّلٍ إلا واللهُ قبلَه، وما مِن آخرٍ إلا والله بعدَه”.
ثم يسترسل رحمه الله في توضيح معاني الأسماء الأربعة فيقول: “فالأولُ قِدَمُه، والآخر دوامه وبقاؤه، والظاهر عُلوُّه وعظمتُه، والباطن قربُه ودُنُوُّه، فسبَق كلَّ شيء بأوليَّته، وبقِيَ بعد كل شيء بآخريَّته، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونِه، فلا تُواري منه سماءٌ سماءً، ولا أرضٌ أرضا، ولا يَحجُبُ عنه ظاهرٌ باطنا، بل الباطنُ له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسرُّ عنده علانية، فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد، فهو الأول في آخريَّته، والآخر في أوَّليته، والظاهرُ في بطونه، والباطنُ في ظهوره، لم يزَل أولا وآخرا وظاهرا وباطنا”.
هذه الحقائق الغيبية عن رب العالمين تحتاج إلى وعاء صالح من القلب لتُحدِث فيه أثرها الطيب. وليس المقصود بـ(الصالح) الفارغ الخالي، فهذا مُحال على رَحَى القلب التي لابد أن تطحن ثمة شيء؛ بل هو الوعاء المناسب الذي يُحسن استقبال هذه الحقائق لما فيه من تعلق بربه وحب له ويقين به. مع تقليلِه من هَمّ الانشغال المفرط بالدنيا وأحداثها، فضلا عن التفريط بالآثام التي تُفسد المَحِلَّ القابل لهذه الحقائق. قال تعالى: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا} [الأعراف: ٥٨]، يقول القرطبي عن هذه الآية: “وقيل: هذا مَثَل للقلوب؛ فقَلْبٌ يقبل الوعظ والذكرى، وقلبٌ فاسقٌ ينبو عن ذلك”. وجاء في تفسير الظلال: “الله عز وجل شبَّه قلب الإنسان بالتربة الزراعية، حيث تنبت المشاعر والأحاسيس والنوايا والاتجاهات في قلبه. لذلك فالقلب الطيب يَنبُت فيه الخير، مثل الأرض الطيبة التي تُنبِت الثمار الناضجة، والقلب الخبيث يَنبُت فيه الشر، مثل الأرض الخبيثة التي لا تُنبِت إلا هشيما. فالقلب الطيب يهدي لله ويعمل بما جاء في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والقلب الخبيث كالأرض البور يصد عن ذكر الله، ولا يُخرج منه إلا نكدا على نفس صاحبه وعلى المحيطين به من البشر”.
إنَّ هناك قدرا من الخير في قلب العبد لو حفظه فإنه يحسن الاستفادة من هذه المعاني، فتَزيده خيرا، وإنْ فرَّط في هذه القدر فإنه يُحرم استحضار هذه الحقائق. وإذا وُفِّق العبد لاستحضار هذه الحقائق فكانت شاغله الشاغل الذي يزاحم به بواطن أفكاره وظواهر الأحداث في حياته، وفَّقه الله لمراقبته سرّا وعلانية. فالخلوة إذن ليست مبدأ المطاف بل هي منتهاه؛ فإنه يسبقها ما وقر في صدر العبد من مراقبته لربه عز وجل.. إنها ثمرة مزاحمة تقوى الله لمختلف ما يمر به العبد من فتن.
فليتتبع العبد إذن ما موقع مراقبته لربه خلال جميع وقته؟ فإن كان لسانه رطبا بذكر الله، وجوارحه وقَّافة عند حدود الله، وقلبه يتزود من العلم والتذكرة، والخير يفيض منه لمن حوله أمرا بمعروف ونهيا عن منكر وعونا لمحتاج وإجابة لسؤال… وغير ذلك من أعمال البر الظاهرة والباطنة، فليستبشر خيرا بما سيورثه الله تعالى حال خلوته، فلعله يصير أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله كما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه” [متفق عليه]. ومحال أن يبكي العبد لربه وقلبه مشغول عنه! قال القرطبي: “وفيض العين بحسب حال الذاكر، وبحسب ما يُكشف له، ففي حال أوصاف الجلال يكون البكاء من خشية الله، وفي حال أوصاف الجمال يكون البكاء من الشوق إلى الله”.
وعلى الطرف الآخر، هناك من يتحيَّن وقت الخلوة ليستسرَّ بمعصية ربه. فمثل هذا لم تقف مصيبته عند حد الوقوع في الزلل فحسب، بل الأشد من ذلك حرمانه من استحضار معنى المراقبة لربه، وهذا الذي يجعله يكرر الزلل ولا يبالي. وقد وصف الله تعالى هؤلاء الذين يستخْفون بمعصيته بالخيانة {الذين يختانون أنفسهم} [النساء: ١٠٧]، فقال عنهم: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا} [النساء: ١٠٨]، يقول عنها السعدي رحمه الله: “وهم مع ذلك قد بارزوا الله بالعظائم، ولم يبالوا بنظره واطلاعه عليهم. وهو معهم بالعلم في جميع أحوالهم، خصوصا في حال تبييتهم ما لا يرضيه من القول”. وكذا قوله تعالى: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: ١٠]، يقول عنها الطبري: “والذي هو مستخفٍ بالليل في ظلمته بمعصية الله… وظاهر بالنهار في ضوئه، لا يخفى عليه شيء من ذلك. سواءٌ عنده سِرُّ خلقه وعلانيتهم، لأنه لا يُستسرّ عنده شيء ولا يخفى”.
وبين المستمتع بعبادة ربه في خلوته والمنتهك لحرمات الله فيها، هناك من يجاهد نفسه، فيتقي موطن الخلوة بصحبة لئلا تَزِلَّ نفسه فيها، أو يجتهد في إيجاد ما يشغله فيها إن اضطر إليها. وفي هذا خير، ولكن لا ينبغي الاكتفاء به؛ فهو دواء ناقص لم يكتمل، فلذة الإيمان الحقَّةُ في أعمال السر الخفية التي لا يراها سوى الله تعالى. فعلى العبد ألا يحرم نفسه من لذة إيمان تخفف عنه أعباء ما يلقاه من جرّاء التزامه بأوامر ربه في جاهلية الحياة. قال تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} [فصلت: ٣٠]. ولذة الإيمان هذه هي المقصودة من كلام ابن القيم: “إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة”، وهي ما رُوي عن أحد السلف: “مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها”، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: “محبه الله تعالى ومعرفته وذكره والأنس به”.
وحتى وإن فرطت سقطات من العبد في رحلة المجاهدة فزَلَّ في خلوته، فلينهضْ مستعينا بربه ولا يهتكْ ستر الله عليه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإنَّ من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملتُ البارحة كذا وكذا؛ وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه” [متفق عليه]. ويتفق هذا الستر في الدنيا مع مغفرة الله تعالى لعبده يوم القيامة كما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “يُدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه عليه، فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: رب أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى صحيفة حسناته” [متفق عليه].
وما أجمل ما شبَّه به وهب بن منبه تلك العلاقة الوطيدة بين السر والعلن إذ يقول: “ولا تظن أن العلانية هي أنجح من السريرة، فإنَّ مَثَل العلانية مع السريرة كمَثَل ورق الشجر مع عرقها، العلانية ورقها، والسريرة عرقها. إن نُخِر العرق هلكت الشجرة كلها، ورقها وعودها، وإن صلحت صلحت الشجرة كلها، ثمرها وورقها. فلا يزال ما ظهر من الشجرة في خير ما كان عرقها مستخفيا لا يُرى منه شيء. كذلك الدين لا يزال صالحا ما كان له سريرة صالحة، يُصَدِّق الله بها علانيته؛ فإن العلانية تنفع مع السريرة الصالحة، كما ينفع عرقُ الشجرة صلاحَ فرعِها. وإنْ كان حياتها من قِبَل عرقها فإنَّ فرعها زينتها وجمالها، وإن كانت السريرة هي ملاك الدين فإنَّ العلانية معها تُزَيِّن الدين وتجمله إذا عملها مؤمن لا يريد بها إلا رضاءَ ربه”. ويقول ابن القيم في تفسيره لقوله تعالى: {يوم تُبلى السرائر} [الطارق: ٩]: “في التعبير عن الأعمال بالسر لطيفة: وهو أنَّ الأعمال نتائج السرائر الباطنة، فمن كانت سريرته صالحة كان عمله صالحا، فتبدو سريرته على وجهه نورا وإشراقا وحياء، ومن كانت سريرته فاسدة كان عمله تابعا لسريرته، لا اعتبارا بصورته، فتبدو سريرته على وجهه سوادا وظلمة وشينا. وإن كان الذي يبدو عليه في الدنيا إنما هو عمله لا سريرته، فيوم القيامة تبدو عليه سريرته، ويكون الحكم والظهور لها”.