ليست انتباهة القلب قاصرة على من اهتدى بعد ضلال، كمن اعتنق الإسلام بعدما كان عليه من باطل، أو مَن يُطلَق عليه “التزم” بعد غيٍّ وانحراف، فهؤلاء وأولئك قبل هدايتهم لم يكونوا يعيشون الإسلام الحق. وعن حالهم يقول تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} [الأنعام: ١٢٥]. وليس هذا محل تفصيل الحديث لا عن الكافرين ولا عن المنافقين؛ فحياة قلوبهم -إذا شاء الله لها الحياة- هي بدخولهم باب الإسلام {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} [المائدة: ١٦].
ولكن الكلام عن انتباهة قلب الظالم لنفسه من المؤمنين، والذي يخاطبه ربه تعالى بقوله: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم} [الحديد: ١٦]، وقد قال ابن مسعود: “ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين” [مسلم]، ويقول: “فجعل ينظر بعضنا إلى بعض ويقول: ما أحدثنا؟!” قال الحسن: “استبطأهم وهم أحب خلقه إليه”. وليس ما قاله الصحابة مقتضيا أنهم من أولئك الذين ذكرهم الله بهذه الآية، ولكنهم -وهم خير الخلق بعد الأنبياء- يخشون آفة القسوة حذرا وحيطة. فالخطاب إذن للمؤمنين وليس للضالين والمكذبين، والآفة هي قسوة القلب، وسببها طول الأمد، وعلاجها خشوع القلب لذكر الله. فما سبب هذه القسوة؟ وما علاجها؟
إنَّ الذي يسلك سبيل الحق ابتداءً، ثم لا يتعاهد نفسه بزيادة إيمان بالعلم النافع، والعمل الصالح، يعتاد مع مرور الزمن هذا القدر من الطاعة الذي داوم عليه ابتداءً. لذا كان أبو الدرداء يقول: “من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه”، وكان ابن مسعود يقول: “اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها”. وقد علَّمَنا ربُّنا دعاء الراسخين في العلم إذ يقولون: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} [آل عمران: ٨]، يقول عنها الطبري: “لا تُمِلْها فتصرفها عن هُدَاك بعد إذ هديتنا له”. وكان من دعاء النبي ﷺ كما رواه عمرو بن العاص رضي الله عنهما: “اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك” [مسلم].
فمن لم يتعاهد إيمانه بالزيادة يتسلل الذبول إلى عمله، فتنقص لذة الطاعة التي كان يعيشها في صفاء الابتداء. وإذا انتقصت لذة الإيمان برز التلذذ بالشهوات المحرمة والانشغال المفرط بالمتاع المباح؛ فهما لذتان لا تجتمعان في قلب واحد، يقول تعالى عن تزيين لذة الإيمان: {ولكنَّ الله حبَّب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم} [الحجرات: ٧]، ويقول عن تزيين لذة الشهوة: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث} [آل عمران: ١٤]. وفي ذلك يقول ابن تيمية رحمه الله: “فلو كانت اللذة الإيمانية الكاملة موجودة لما قدَّم عليها لذة تبغضها وتزيلها، ولهذا يجد العبد في قلبه إذا كان مخلصا لله واجدا لحلاوة العبادةِ والذكرِ المعرفةَ الصارفة لقلبه عن هذه المحرمات، فلا يلتفت إليها؛ كالمشغول بالجوهر إذا لاحت له قشور البصل. بخلاف ما إذا عُدم هذه الحلاوة الإيمانية، فإنه حينئذ يميل إلى شيء من المحرمات”.
إنَّ لقسوة قلب الظالم لنفسه مظاهر كثيرة من تثاقل عن الطاعة، واقتراف للمعصية، وتعلق بالدنيا، وضعف لتعظيم الله، وقلة تأثر بالقرآن… ويشعر صاحب هذا القلب في مبدأ الزيغ بانبعاث داخلي أولا تجاه ما لا يرضي ربه، رغم ما في المعصية من ألم وتنغيص. ثم تستحكم الشهوة في القلب مع اقترافها وتكرارها بلا توبة، ولكنه لا يقوى على التحرر منها. فيصير الحال كـ(الأَسر المذموم المحبوب) في ذات الوقت؛ أسرٌ لضعف القدرة على طرحه والخروج عنه، ومذمومٌ لأن أصل الفطرة والإيمان يمُجُّه ويلفظه، ومحبوبٌ لداعي الغريزة البشرية لخلق الإنسان من طين. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن/ ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن” [متفق عليه]. فهنا انتفى عنه الإيمان الواجب حال اقترافه الكبيرة؛ فهما لا يجتمعان في حال واحدة.
إن الارتباط وثيق بين مفسدات القلوب وبين استحضار العبد لما يؤمن به بالغيب؛ فكلما قَلَّ استحضار القلب لموعود الله بالغيب، زاد انبعاثه نحو ما يفسد قلبه، ثم تكتمل الحلقة النكدة بأنه كلما اقترف العبد من مفسدات القلب نقص استحضاره لما يؤمن به بالغيب. وعن مثل هذا القلب يقول ابن القيم رحمه الله: “قلب قد استنار بنور الإيمان وأُوقِد فيه مصباحه، لكن عليه ظلمة الشهوات وعواصف الأهوية، فللشيطان هنالك إقبالٌ وإدبارٌ، ومجالاتٌ ومطامع، فالحرب دُوَل وسِجال، وتختلف أحوال هذا الصِّنف بالقلَّة والكثرة، فمنهم مَن أوقات غلبته لعدوِّه أكثر، ومنهم مَن أوقات غلبة عدوه له أكثر، ومنهم مَن هو تارة وتارة”. ولا خروج من هذه الحلقة النكدة إلا بمجاهدة تُعيد التَذَوُّق للذة الإيمان حتى ينصرف العبد عن معصية ربه، ويقبل على الطاعة المتوهجة من جديد.
وأولى مراحل انتباهة القلب من غفلته هي مكثه في بيئة الطاعة؛ فسماعها، والخلطة بأهلها، والتواجد في أجوائها… كل ذلك لا يكلف العبدَ سوى القرار! لن يمكث في بيئة الفساد، ولكنه سيذهب بقدميه إلى بيئة الصلاح، ممتثلا لما رواه أبو سعيد رضي الله عنه عن النبي ﷺ فيما قاله العالِم لقاتل المائة نفس: “انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإنَّ بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء” [مسلم]. ولا يظن العبد بذلك أنه حتما سيجد لذة الندم على اقتراف ما فرط منه! ربما نعم.. وربما لا، ولكنه حتما يكون بذلك قد دخل المشفى، وعرَّض قلبه للعلاج. فحتى وإن لم يشعر في العودة إلى الحق بلذته بادئ ذي بدء، ولكنه قد سلك السبيل الصحيح. هذه الخطوة تحمل من المجاهدة بهجر المنكر والإعراض عنه والإقبال على الطاعة من جديد ما يفتح الباب للتوفيق لما بعدها.
وهنا يبدأ الارتقاء بتيسير الله وتوفيقه لمزيد من المجاهدة والعمل، يقول تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: ١٧]، فينفسح صدر العبد للإتيان بطاعة جديدة، وهذه فرصته! فأعمال الخير كثيرة، وكلها -ما دامت وافقت الحق نيةً واتباعا- تؤتي أُكُلَها في طريق التزكية {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون} [المائدة: ٣٥]، يقول الطبري: “واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه”. ولكن أقوى الطاعات أثرا هو: تلاوة القرآن في صلاة جوف الليل منفردا.. إنه الوحي ينزل على القلب المريض حال الوقوف بين يدي الملك الحق الذي يدنو في هذا الوقت من عباده، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: “ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟” [متفق عليه]، ويدفع الحديث إلى أمر آخر بجانب كلام الله المتلوّ.. إنه الدعاء.. لا سيما حال السجود ليلقى الدعاءُ ربا سميعا قريبا يبادر عبده بسؤاله وهو الغني عنه، وفيه يقول تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} {وادعوه خوفا وطمعا} [الأعراف: ٥٥، ٥٦]. إن المداومة على الاستعانة بالله تعالى بهذه الوسيلة كفيلة بأن تصلح ما فسد من القلب.
وليست المجاهدة بالرحلة التي تنجح في كل محطاتها؛ فقد يسقط العبد تارة، وينجح أخرى، ولكنَّ المُوَفَّق من يستعين بربه وينهض من كبوته فيكمل طريق المجاهدة. ومع المجاهدة يتذوق العبد حلاوة الإيمان من جديد، فيفرح بأنه صار يجد ما يغنيه عن اللذة المنغصة بالمفسدات؛ فإن الأنس والشكوى واللذة والتعلق صارت موجهة للملك سبحانه.. فأُشبعت هذه الحاجات على نحو نقي صافٍ بعدما كانت تقع في غير محلها من بشر أو آلة أو ما يزيد فساد قلب العبد، ولا يملك الطاقة للخروج عنه.. إنه الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب، فحق حينئذ أن يفرح العبد كما قال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} [يونس: ٥٨]، يقول عنها الطبري: “فإن الإسلام الذي دعاهم إليه، والقرآن الذي أنـزله عليهم، خيرٌ مما يجمعون من حُطام الدنيا وأموالها وكنوزها”.
ويأتي العلم مثبتا ومعمقا على طريق التزكية، فيزيد العبد رسوخا على سبيل الإيمان، كما قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران: ١٦٤]، فجمع سبحانه بين التزكية والتعليم على هذا الترتيب كما قال تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله} [البقرة: ٢٨٢]. ولا يصلح علم بغير تزكية ولا تزكية بغير علم؛ فإنه تعالى يقول في فاتحة كتابه عن دعاء أهل الحق: {اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: ٦، ٧]، يقول ابن تيمية رحمه الله: “اليهود يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، ولا يتبعونه لما فيهم من الكِبْر والحسد الذي يوجب بغض الحق ومعاداته. والنصارى لهم عبادة، وفي قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها، لكن بلا علم، فهم ضُلَّال. هؤلاء لهم معرفة بلا قصد صحيح، وهؤلاء لهم قصد في الخير بلا معرفة له”.