إذا امتنَّ الله تعالى على عبده بالهداية إلى صراطه المستقيم فإنه يرزقه زادا من الإيمان يعينه على سلوك سبيل الحق ويثبته عليه {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم} [النور: ٢١]. فيفتح الله لعبده المهتدي بابا من الطاعة، له من اللذة ما يغنيه عن المعصية ويُثَبِّتُه على طريق الخير {ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون} [الحجرات: ٧]. هذا التحبيب والتزيين للإيمان في القلب -والذي يؤدي إلى هذه اللذة- مطلبٌ أساسٌ للثبات على الطاعة، فإذا خبا شقَّت الطاعة، وتخلخل ثبات بنيان الإيمان، ونازعت النفسَ هواجسُ المعصية، وانكشفت ثَلَمَةٌ ينفذ منها الشيطان ليصرف العبد عن طاعة ربه. وما ذاك إلا لافتقاد هذه اللذة حال ظاهر الطاعة.
وتتمثل هذه اللذة في عمل القلب عند الطاعة خوفا ورجاء وحبا وإنابة وشوقا واحتياجا وتذللا وخشوعا… قال تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} [المؤمنون: ٦٠]. وعن الحسن فيها: “يعملون ما عملوا من أعمال البر، وهم يخافون ألا ينجيهم ذلك من عذاب ربهم”؛ وذلك خوفا من تقصيرهم في القيام بشروط الطاعة على الوجه الذي يليق بأنها معروضة على ربهم. ومن ثَمَّ جَمَعَ هؤلاء بين أمرين: مداومة الطاعة، وتفاعل القلب معها. فظاهر الطاعة لا يكفي وحده لإحداث لذة الإيمان الباطنة، وإن ترتب عليه نوعُ ثواب، ولكن لا ينفك باطنٌ عن ظاهرٍ حال الاستقامة.
وللمداومة وجهان؛ فأما وجهها الحسن فهو ملمح الثبات فيها، وهو ناشئ عن اعتياد الطاعة وتكرارها ومجاهدة ما يعوق عن إتيانها. ولكنْ تتسلل هنا آفةٌ لا يرقبها إلا من بصَّره الله بها: إنها الإلف المذموم.. ذلك المزلق الذي يباعد بين ظاهر الطاعة وباطن التفاعل معها. فكيف يتسلل هذا الإلف المذموم؟ وما علاجه؟
إن تواطؤ الباطن مع الظاهر ينشأ عن انتقال الحال؛ أي أن العبد قد انتقل من حال جهل إلى معرفة، أو من حال معصية إلى طاعة، أو من حال غفلة إلى تذكرة… فهذا يجعله يأتي الطاعة وهو يذوق معها لذةً نشأت من ضدها.. من افتقادها.. من روعة العثور عليها.. من شهود التوفيق إليها. فجمعت هذه الملابساتُ قلبَه حال إتيان الطاعة، فذاق لها لذة الإيمان التي ذكرنا بعضا من معالمها.
فإذا تكررت الطاعة لزمه استحضار ما شهده أول مرة حتى تدوم له مثل هذه اللذة. ولا يكون ذلك إلا بانتقال جديد؛ أي معرفة جديدة، أو تذكرة جديدة، أو صحبة جديدة، أو أي ملابسة جديدة يكون من شأنها جمع تلابيب القلب على الطاعة بغية المحافظة على مثل هذه اللذة. ولنا هنا أن نتصور الفرق بين حال العبد الذي يأتي ذات الطاعة للمرة العاشرة أو المائة أو الألف دون أن يزداد في علم أو تذكرة… وبين من جمع إلى ظاهر الطاعة في كل مرة من الزاد ما يجدد الإيمان في قلبه ويورثه لذتها!
إن الإلف المذموم للطاعة يُخَلِّف ظاهرا باهتا ذابلا فاترا يوشك أن يخبو ويخفت، فيصاب العبد بعد حين بالتكاسل والتراخي والتباطؤ والفتور والاستثقال للطاعة، مع الانجذاب والضعف والسقوط نحو المعصية. ويتساءل العبد عما غيَّر حاله بعد الجِدِّ والهمة والنشاط؟ إن من أسباب ذلك الإلف المذموم الذي يحتاج إلى تجديد الإيمان بالعلم والتذكرة. قال تعالى: {إنَّ الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} [الأعراف: ٢٠١].
بينما التجديد المحمود يضفي على الطاعة ليس ثباتا ولذة فحسب، بل زيادة وتعلقا واشتياقا ورغبة وإطالة كذلك، كما قال تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} [الأنفال: ٢]، وقد أحسن السعدي في تفسيره لها إذ يقول: “ووجه ذلك أنهم يُلقون له السمع، ويُحضِرون قلوبهم لتدبره فعند ذلك يَزيد إيمانُهم؛ لأن التدبر من أعمال القلوب، ولأنه لا بد أن يبين لهم معنى كانوا يجهلونه، أو يتذكرون ما كانوا نسوه، أو يُحدِث في قلوبهم رغبةً في الخير، واشتياقا إلى كرامة ربهم، أو وجلا من العقوبات، وازدجارا عن المعاصي، وكل هذا مما يزداد به الإيمان”.
فالحسنةُ من خيرِ الحسنةِ الأولى، والسيئةُ من شرِّ السيئة الأولى، وهذه قاعدةٌ جليلة القدر في (الحسنات والسيئات)، لذا قال بعضُ السلف: “من ثواب الحسنة: الحسنة بعدها، ومن عقوبة السيئة: السيئة بعدها”، قال تعالى: {ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى} [الروم: ١٠]، ويقول شيخ الإسلام: “عاقبة الحسنات حسنات؛ وعاقبة السيئات سيئات”. ويقول ابن القيم: “… فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها: اعملني أيضا، فإذا عملها قالت الثانية كذلك، وهلُمَّ جرا، فيتضاعف الربح وتتزايد الحسنات. وكذلك كانت السيئات أيضا، حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة”.
لذا أمر الله تعالى المؤمنين بتعاهد إيمانهم في قوله: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل} [النساء: ١٣٦]. يقول ابن كثير في تفسيرها: “يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشعبه وأركانه ودعائمه، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه. كما يقول المؤمن في كل صلاة: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: ٦] أي: بصِّرنا فيه، وزدنا هدى، وثبِّتنا عليه. فأمرهم بالإيمان به وبرسوله، كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله} [الحديد: ٢٨]”.
ولا يحسبنَّ أحدٌ أن المطلوب هو التذكرة بلا نسيان، أو الطاعة بلا معصية؛ فهذا حال الملائكة {يُسَبِّحون الليل والنهار لا يفترون} [الأنبياء: ٢٠]. وهذا ما يشرحه حديث حنظلة بن الربيع الأسيدي رضي الله عنه وهو يقول: لقيني أبو بكر رضي الله عنه فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله! ما تقول؟! قلت: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يُذَكِّرنا بالجنة والنار كأنا رَأْيَ عينٍ، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا، قال أبو بكر رضي الله عنه: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: نافق حنظلة يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وما ذاك؟” قلت: يا رسول الله، نكون عندك تُذَكِّرُنا بالنار والجنة كأنَّا رَأْيَ العين فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات نسينا كثيرا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “والذي نفسي بيده أنْ لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة” [مسلم].
كما ينبغي ألا يُظَنَّ أنَّ في ذلك دعوة إلى عدم إتيان ظاهر الطاعة إلا حال تواطؤ القلب. فأحيانا تكون المجاهدة على إتيان الطاعة ولو ظاهرا سبيلا إلى إقبال القلب عليها. إن الاقتصاد في الطاعة وإتيان المستطاع منها مقصد معتبر في الشرع؛ فهو يعين على حضور القلب، فعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة قال: من هذه؟ قالت: هذه فلانة تذكر من صلاتها قال: “مه! عليكم بما تطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تمَلُّوا، وكان أحب الدِّين إليه ما داوم صاحبه عليه” [متفق عليه]، ومعنى “لا يمَلُّ الله” أي: لا يقطع ثوابه عنكم وجزاء أعمالكم، ويعاملكم معاملة المالِّ “حتى تمَلُّوا” فتتركوا، فينبغي لكم أن تأخذوا ما تطيقون الدوام عليه ليدوم ثوابه لكم وفضله عليكم. ويقول النووي شارحا لحديث عائشة رضي الله عنها: “فيه الحث على الاقتصاد في العبادة، والنهي عن التعمق، والأمر بالإقبال عليها بنشاط، وأنه إذا فَتُر فليقعد حتى يذهب عنه الفتور”.
الدعوة هنا إذن إلى تدارك الأمر من مبدئه، ومعرفة سببه وعلاجه ومنتهاه؛ فالآفة هي الإلف المذموم، وسببها عدم تجدد العلم والتذكرة، وعلاجها هو التعاهد الدائم بالعلم النافع والتذكرة المؤثرة والتدبر المستمر والصحبة الصالحة وعدم استمراء الانتظام الفاتر في أداء الطاعات، والغاية هي تواطؤ القلب مع ظاهر الطاعة. كل ذلك بُغْيَةَ تذوُّق لذة الإيمان التي تُثَبِّت صاحبها على الطاعة، وتغنيه عن الالتفات إلى المعصية.
جديد المقالات
الغين والإسراف
خلق الله تعالى الإنسان من طين، ثم نفخ فيه من روحه التي لا يعلم حقيقتها إلا هو سبحانه؛ فصار في الإنسان مادتان مختلفتان: مادة تُغَذِّي بدنه، وأخرى تُغَذِّي قلبه. ولا انفكاك للبشر عن كليهما من حيث أصل الخلقة، ولكنْ لكليهما زادٌ للحياة لو افتُقِد فليس إلا الموت.
فأما عن المادة الأولى فهي ظاهرة لذوي الأنظار؛ بَدَنٌ يتغذى بالطعام والشراب، ويسكن بالنوم، ويتكاثر بالنكاح، ويستكين بالجو المعتدل، وغير ذلك من احتياجاته الضرورية وغيرها. وأما المادة الثانية فهي باطنة لا تُرى بالبصر، وإنما تَتَلَمَّس أحوالَها البصيرةُ؛ قلبٌ يتزوَّد بالطاعة، ويطمئن بذكر الله، ويسكن بالقرب منه، ويفرح بتلاوة آياته.
فما أثر كلٍّ من المادتين على الأخرى؟
عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “ألا وإنَّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب” [متفق عليه]. ويعلق ابن رجب على الحديث بقوله: “ويلزم من صلاح حركات القلب صلاح حركات الجوارح”. ومن هنا نلمس الميزان الرباني: فالمؤمن يسعى أولا لإصلاح قلبه ليَصلُح جسده.
ولكن أليس الجسد يصلح بالطعام والشراب والنكاح مما ذكرنا من قبل؟ فما الداعي من إقحام القلب في المعادلة؟
الحق أن البدن بلا قلب يحكُمُه، يتغذى فيتعسر شبعه! ويشرب فلا يطيب رِيُّه! ويستزيد من متعته فلا يُقضَى وطَرُه! غصةٌ ووحشةٌ تلاحقه قبل الطلب وأثناءه وبعده؛ فيسعى صاحب الجسد لإذهابها بمزيد من الزاد المحسوس، فلا يُجدي الإسرافُ إلا عطشا، وتظل اللذة منقوصة؛ بل يزداد تحولها إلى نقيضها كلما ضعُف منه القلب حتى يصير إلى الشقاء الذي قال عنه تعالى: {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا} [طه: ١٢٤].
ولسنا هنا في معرض الحديث عن الضنك المطلق الذي هو جزاء الإعراض المطلق، فهذا حال أصحاب القلوب التي علاها الصدى والران والطبع والقفل والختم. وَصَفَهم مِن قبل الحسن البصري في قولته البليغة: “إنهم وإن طَقْطَقَتْ بهم البغال وهَمْلَجَتْ بهم البراذين، فإنَّ ذل المعصية لا يفارق قلوبهم، أبى الله إلا أن يذل من عصاه”. وإنما نريد مزيد اعتناء بالحصة؛ أي ما ينتاب المؤمن من أحوال الغفلة التي تؤثر سلبا على قلبه. يقول تعالى: {ومن يعْشُ عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} [الزخرف: ٣٦]. والعَشا يبدأ من التقصير وينتهي بالإعراض، والجزاء المذكور في الآية -من تقييض الشيطان كقرين لمن عشى عن ذكر ربه- هو الغاية التي تكون كملازمة الظل لأصله.
ولكنْ لِذِي الغفلة الوقتية نصيبٌ من تسلط الشيطان عليه. وذلك كما في النوع الثاني من الأنواع الثلاثة للقلوب، والذي يشير إليه ابن القيم رحمه الله بقوله: “القلب الثاني: قلب قد استنار بنور الإيمان وأُوقِد فيه مصباحه، لكن عليه ظلمة الشهوات وعواصف الأهوية، فللشيطان هنالك إقبالٌ وإدبارٌ، ومجالاتٌ ومطامع، فالحرب دُوَل وسِجال، وتختلف أحوال هذا الصِّنف بالقلَّة والكثرة، فمنهم مَن أوقات غلبته لعدوِّه أكثر، ومنهم مَن أوقات غلبة عدوه له أكثر، ومنهم مَن هو تارة وتارة”.
حرِيٌّ بنا إِذَن أن ننتبه لأنفسنا، وإلا فالأمر حتما سيطول التقصير في الواجبات واقتراف المحرمات إن استمر التهاون عن تدارك الحال بالتوبة النصوح والاستغفار الدائم. لذا روى الأغر المزني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إنه ليُغان على قلبي حتى أستغفر الله في اليوم مائة مرة” [رواه مسلم]. فلعلها الأمور الجبلية التي جعلت هناك غَيْنٌ وتغطية حتى على قلب خير الخلق صلى الله عليه وسلم، فكانت مسارعته الدائمة بالاستغفار الكثير. فما بال المخلطين المسرفين في المباحات لا يعبؤون؟! والغين يتراكم بالتدريج على قلوبهم. يقول ابن القيم رحمه الله: “المؤمن قوته من قلبه، وكلما قوي قلبه قوي بدنه، وأما الفاجر فإنه -وإن كان قوي البدن- فهو أضعف شيء عند الحاجة، فتخونه قوته أحوج ما يكون إلى نفسه، فتأمل قوة أبدان فارس والروم كيف خانتهم أحوج ما كانوا إليها، وقهرهم أهل الإيمان بقوة أبدانهم وقلوبهم”.
إن الإسراف في المباحات من المأكولات أو الكلام أو الملابس أو المساكن أو الأثاث أو الدواب أو النوم أو الترويح أو التنزه أو الأسفار أو الخلطة أو الزيارات أو السماع أو الأشغال أو الهوايات أو اللهو أو الزينة أو غيرها من المتاع.. كل ذلك مؤذن بشيء من فساد القلب زاد أو نقص! بل هناك صور حديثة تظهر كالمكث الطويل لتصفح وسائل التواصل الاجتماعي -وإن خلت من ظاهر المحرمات- إلا أنها صارت تغزو نقالات أهل الصلاح، فينسَلُّون خُفية في ركابها دون التفات إلى عواقبها.
ولتقريب مغبة ذلك النوع من الإسراف في المباحات، دعنا نتصور حال المسرف إذا أقبل على ربه في الصلاة هل يجد من خشوع القلب الحدَّ المجزئ من التدبر؟! وإن رأى أو سمع من المنكرات ما يستلزم على الأقل إنكار القلب، فهل يجد هذا التمعُّر من داخله؟! وإذا تُليت عليه آيات ربه أو تلاها فهل يجد نصيبا من الزجر مما تحمله من موعظة وحث على مرضات الله وترك مساخطه؟! فإذا كان في معرض أمر بمعروف أو نهي عن منكر فهل يواطئ قلبه لسانه في التذكير والوعظ؟! قُل مثل ذلك في الإقبال على الطاعات واجتناب المعاصي بعامة، والشوق للجنة، والفرار من النار، وتحصيل العلم النافع، والهم بقضايا المسلمين، والسعي في نصرة الدين..
إن الإسراف في المباحات سيؤدي حتما إلى الإخلال بالواجبات، وكل ذلك لأن القلب أصيب بالتشويش في مراقبة الجوارح. يقول ابن القيم رحمه الله: “فواجبات القلوب أشد وجوبا من واجبات الأبدان وآكد منها، وكأنها ليست من واجبات الدين عند كثير من الناس، بل هي من باب الفضائل والمستحبات! فتراه يتحرَّج من ترك واجب من واجبات الأبدان، وقد ترك ما هو أهمُّ واجبات القلوب وأفْرَضُها، ويتحرَّج من فعل أدنى المحرمات، وقد ارتكب من محرمات القلوب ما هو أشد تحريما وأعظم إثما”.
حُقَّ حينئذ لأهل الصلاح أن يسارعوا في الأوبة إلى ربهم. وأول مراحل الاستشفاءِ الاستعانةُ، وفيها روى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء”، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك”. [رواه مسلم]. إذن فهو الابتهال إلى الله بصلاح القلب.
ثم يعقب هذه الاستعانةُ من الطاعات الكثيرَ يتقدمها النية ذاتها وهي صلاح القلب، وهنا يبدو التأثير المُكمِّل وهو أثر أعمال الطاعات بالجوارح على أعمال القلب؛ فالجوارح هي منافذ القلب وثغوره. وهل في الإمكان استيعاب ما تورثه الصلاة من رضا وطمأنينة وخشوع وإنابة؟ أو ما يورثه الصوم من يقين وتوكل وإخلاص؟ أو ما يورثه الجهاد من محبة واستسلام وثبات؟.. وهكذا سائر الطاعات.
ومع انزياح الغَيْن تدريجيا يقوى العبد على مجاهدة آفاته، وتَحِلُّ لذة الإيمان محل اللذة المُتَوَهَّمَة من جرَّاء الإسراف. كل ذلك لا يحدث دفعة واحدة، وإنما هي رحلة يقطعها القلب لبلوغ مقامه الذي يليق به.. مقام المَلِك على الجوارح.. رحلة يقول عنها سبحانه: {ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها” [الشمس: ٧-١٠]، والغاية في آخر المطاف: {يوم لا ينفع مال ولا بنون * إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء: ٨٨، ٨٩].
الخلوات
يتراوح العبد في حياته بين خلطة وعزلة، واجتماع وخلوة، لا ينفكُّ عنهما. إلا أن حاله هو فيهما هو ما قد يختلف؛ ففي الخلطة هناك طَرَف حاضر متمثل في الناس، فيضعهم المرء في الحسبان وهو يقوم بأفعاله؛ فربما اعتنى أن يُظهر الجميل، وأن يُخفي القبيح. أما في الخلوة فلا رقابة عليه سوى من خالقه. ومن ثم كانت الخلوة مَحكّا حقيقيا يَزِن مقدار مراقبة العبد لربه؛ فإنْ هو وُفِّق لاغتنام العمل فيها في مرضات ربه، رزقه الله لذة إيمان يجد حلاوتها في جميع أحواله، وإنْ هو انتهك حرمات الله فيها، سلبه الله لذة الإيمان هذه، ووُكل إلى ما اقترفته نفسه، بل حُرِم استحضارَ رقابة الله عليه فضلا عن مخالفة أمره. فما السبيل إلى خلوة في طاعة؟ وما ثمارها؟ وما معوقاتها؟
إن إحاطة الله بخلقه عظيمة الشأن؛ فإنه سبحانه لا يشغله حال عن حال، وقد أحاط علمه وقدرته بظواهر الأشياء وبواطنها {ألا إنه بكل شيء محيط} [فصلت: ٥٤]، {هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} [فصلت: ٣]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليم وسلم قال: “… اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء…” [مسلم]. يقول ابن القيم رابطا بين هذه الأسماء الأربعة وبين صفة الإحاطة لله تعالى: “فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهي إحاطتان: زمانية ومكانية، فأحاطت أوَّليَّتُه وآخِريَّتُه بالقَبل والبَعد، فكل سابق انتهى إلى أوليَّته، وكل آخر انتهى إلى آخِريَّته، فأحاطت أوَّليَّته وآخريَّته بالأوائل والأواخر. وأحاطت ظاهريَّتُه وباطنيَّتُه بكل ظاهر وباطنٍ، فما مِن ظاهر إلا واللهُ فوقه، وما مِن باطن إلا والله دونه، وما مِن أوَّلٍ إلا واللهُ قبلَه، وما مِن آخرٍ إلا والله بعدَه”.
ثم يسترسل رحمه الله في توضيح معاني الأسماء الأربعة فيقول: “فالأولُ قِدَمُه، والآخر دوامه وبقاؤه، والظاهر عُلوُّه وعظمتُه، والباطن قربُه ودُنُوُّه، فسبَق كلَّ شيء بأوليَّته، وبقِيَ بعد كل شيء بآخريَّته، وعلا على كل شيء بظهوره، ودنا من كل شيء ببطونِه، فلا تُواري منه سماءٌ سماءً، ولا أرضٌ أرضا، ولا يَحجُبُ عنه ظاهرٌ باطنا، بل الباطنُ له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسرُّ عنده علانية، فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد، فهو الأول في آخريَّته، والآخر في أوَّليته، والظاهرُ في بطونه، والباطنُ في ظهوره، لم يزَل أولا وآخرا وظاهرا وباطنا”.
هذه الحقائق الغيبية عن رب العالمين تحتاج إلى وعاء صالح من القلب لتُحدِث فيه أثرها الطيب. وليس المقصود بـ(الصالح) الفارغ الخالي، فهذا مُحال على رَحَى القلب التي لابد أن تطحن ثمة شيء؛ بل هو الوعاء المناسب الذي يُحسن استقبال هذه الحقائق لما فيه من تعلق بربه وحب له ويقين به. مع تقليلِه من هَمّ الانشغال المفرط بالدنيا وأحداثها، فضلا عن التفريط بالآثام التي تُفسد المَحِلَّ القابل لهذه الحقائق. قال تعالى: {والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا} [الأعراف: ٥٨]، يقول القرطبي عن هذه الآية: “وقيل: هذا مَثَل للقلوب؛ فقَلْبٌ يقبل الوعظ والذكرى، وقلبٌ فاسقٌ ينبو عن ذلك”. وجاء في تفسير الظلال: “الله عز وجل شبَّه قلب الإنسان بالتربة الزراعية، حيث تنبت المشاعر والأحاسيس والنوايا والاتجاهات في قلبه. لذلك فالقلب الطيب يَنبُت فيه الخير، مثل الأرض الطيبة التي تُنبِت الثمار الناضجة، والقلب الخبيث يَنبُت فيه الشر، مثل الأرض الخبيثة التي لا تُنبِت إلا هشيما. فالقلب الطيب يهدي لله ويعمل بما جاء في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والقلب الخبيث كالأرض البور يصد عن ذكر الله، ولا يُخرج منه إلا نكدا على نفس صاحبه وعلى المحيطين به من البشر”.
إنَّ هناك قدرا من الخير في قلب العبد لو حفظه فإنه يحسن الاستفادة من هذه المعاني، فتَزيده خيرا، وإنْ فرَّط في هذه القدر فإنه يُحرم استحضار هذه الحقائق. وإذا وُفِّق العبد لاستحضار هذه الحقائق فكانت شاغله الشاغل الذي يزاحم به بواطن أفكاره وظواهر الأحداث في حياته، وفَّقه الله لمراقبته سرّا وعلانية. فالخلوة إذن ليست مبدأ المطاف بل هي منتهاه؛ فإنه يسبقها ما وقر في صدر العبد من مراقبته لربه عز وجل.. إنها ثمرة مزاحمة تقوى الله لمختلف ما يمر به العبد من فتن.
فليتتبع العبد إذن ما موقع مراقبته لربه خلال جميع وقته؟ فإن كان لسانه رطبا بذكر الله، وجوارحه وقَّافة عند حدود الله، وقلبه يتزود من العلم والتذكرة، والخير يفيض منه لمن حوله أمرا بمعروف ونهيا عن منكر وعونا لمحتاج وإجابة لسؤال… وغير ذلك من أعمال البر الظاهرة والباطنة، فليستبشر خيرا بما سيورثه الله تعالى حال خلوته، فلعله يصير أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله كما رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه” [متفق عليه]. ومحال أن يبكي العبد لربه وقلبه مشغول عنه! قال القرطبي: “وفيض العين بحسب حال الذاكر، وبحسب ما يُكشف له، ففي حال أوصاف الجلال يكون البكاء من خشية الله، وفي حال أوصاف الجمال يكون البكاء من الشوق إلى الله”.
وعلى الطرف الآخر، هناك من يتحيَّن وقت الخلوة ليستسرَّ بمعصية ربه. فمثل هذا لم تقف مصيبته عند حد الوقوع في الزلل فحسب، بل الأشد من ذلك حرمانه من استحضار معنى المراقبة لربه، وهذا الذي يجعله يكرر الزلل ولا يبالي. وقد وصف الله تعالى هؤلاء الذين يستخْفون بمعصيته بالخيانة {الذين يختانون أنفسهم} [النساء: ١٠٧]، فقال عنهم: {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا} [النساء: ١٠٨]، يقول عنها السعدي رحمه الله: “وهم مع ذلك قد بارزوا الله بالعظائم، ولم يبالوا بنظره واطلاعه عليهم. وهو معهم بالعلم في جميع أحوالهم، خصوصا في حال تبييتهم ما لا يرضيه من القول”. وكذا قوله تعالى: {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: ١٠]، يقول عنها الطبري: “والذي هو مستخفٍ بالليل في ظلمته بمعصية الله… وظاهر بالنهار في ضوئه، لا يخفى عليه شيء من ذلك. سواءٌ عنده سِرُّ خلقه وعلانيتهم، لأنه لا يُستسرّ عنده شيء ولا يخفى”.
وبين المستمتع بعبادة ربه في خلوته والمنتهك لحرمات الله فيها، هناك من يجاهد نفسه، فيتقي موطن الخلوة بصحبة لئلا تَزِلَّ نفسه فيها، أو يجتهد في إيجاد ما يشغله فيها إن اضطر إليها. وفي هذا خير، ولكن لا ينبغي الاكتفاء به؛ فهو دواء ناقص لم يكتمل، فلذة الإيمان الحقَّةُ في أعمال السر الخفية التي لا يراها سوى الله تعالى. فعلى العبد ألا يحرم نفسه من لذة إيمان تخفف عنه أعباء ما يلقاه من جرّاء التزامه بأوامر ربه في جاهلية الحياة. قال تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون} [فصلت: ٣٠]. ولذة الإيمان هذه هي المقصودة من كلام ابن القيم: “إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة”، وهي ما رُوي عن أحد السلف: “مساكين أهل الدنيا خرجوا منها وما ذاقوا أطيب ما فيها”، قيل: وما أطيب ما فيها؟ قال: “محبه الله تعالى ومعرفته وذكره والأنس به”.
وحتى وإن فرطت سقطات من العبد في رحلة المجاهدة فزَلَّ في خلوته، فلينهضْ مستعينا بربه ولا يهتكْ ستر الله عليه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإنَّ من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه، فيقول: يا فلان، عملتُ البارحة كذا وكذا؛ وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه” [متفق عليه]. ويتفق هذا الستر في الدنيا مع مغفرة الله تعالى لعبده يوم القيامة كما جاء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: “يُدنى المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه عليه، فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: رب أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطى صحيفة حسناته” [متفق عليه].
وما أجمل ما شبَّه به وهب بن منبه تلك العلاقة الوطيدة بين السر والعلن إذ يقول: “ولا تظن أن العلانية هي أنجح من السريرة، فإنَّ مَثَل العلانية مع السريرة كمَثَل ورق الشجر مع عرقها، العلانية ورقها، والسريرة عرقها. إن نُخِر العرق هلكت الشجرة كلها، ورقها وعودها، وإن صلحت صلحت الشجرة كلها، ثمرها وورقها. فلا يزال ما ظهر من الشجرة في خير ما كان عرقها مستخفيا لا يُرى منه شيء. كذلك الدين لا يزال صالحا ما كان له سريرة صالحة، يُصَدِّق الله بها علانيته؛ فإن العلانية تنفع مع السريرة الصالحة، كما ينفع عرقُ الشجرة صلاحَ فرعِها. وإنْ كان حياتها من قِبَل عرقها فإنَّ فرعها زينتها وجمالها، وإن كانت السريرة هي ملاك الدين فإنَّ العلانية معها تُزَيِّن الدين وتجمله إذا عملها مؤمن لا يريد بها إلا رضاءَ ربه”. ويقول ابن القيم في تفسيره لقوله تعالى: {يوم تُبلى السرائر} [الطارق: ٩]: “في التعبير عن الأعمال بالسر لطيفة: وهو أنَّ الأعمال نتائج السرائر الباطنة، فمن كانت سريرته صالحة كان عمله صالحا، فتبدو سريرته على وجهه نورا وإشراقا وحياء، ومن كانت سريرته فاسدة كان عمله تابعا لسريرته، لا اعتبارا بصورته، فتبدو سريرته على وجهه سوادا وظلمة وشينا. وإن كان الذي يبدو عليه في الدنيا إنما هو عمله لا سريرته، فيوم القيامة تبدو عليه سريرته، ويكون الحكم والظهور لها”.
التمثيل ونظرية البديل الإسلامي – 2
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه وسلم. أما بعد،
فقد عرضنا في المقالة السابقة لحكم التمثيل عند من يمنعونه، ونستكمل بيان هذا الموضوع – حكم التمثيل – في السطور التالية.
مذهب المبيحين
من أباح التمثيل رأى أنه لا يعدو أن يكون نوعا من الحكاية للواقع لا أنه إخبار عن الواقع بخلاف ما هو عليه؛ إذ الأصل إباحة الحكاية إذا لم تكن على وجه التنقص والازدراء، للبراءة الأصلية.
وممن أجاز التمثيل بشروط: محمد رشيد رضا، وابن جبرين، وابن حميد، وابن عثيمين، والقرضاوي، وفتوى دار الإفتاء المصرية.
وقد جاءت بعض الأدلة الشرعية المؤكدة لأصل إباحة المحاكاة؛ فمن ذلك ما تقدم عن ذكره ابن مسعود رضي الله عنه حيث قال: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: «اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون»، ففيه حكاية من النبي بفعله وقوله لما جرى من ذلك النبي عليه السلام وهو دال على جواز هذه المحاكاة.
وقد عدوا للتمثيل مصالح كثيرة، فهو أشد أثرا في النفوس وأرسخ في الأذهان إذا ما تعلق بحادثة تاريخية أو دعوة لفضيلة أو نحو ذلك؛ لا سيما مع سعة انتشاره ووصوله لكافة قطاعات المجتمع.
ولأدلة المبيحين التفصيلية نقاش لا يتسع له المقام، كاستدلالهم بتمثل الملائكة للبشر، وبعض أفعال الأنبياء [أحكام فن التمثيل في الفقه الإسلامي، لمحمد الدالي].
لكن القائلين بإباحة التمثيل من أهل العلم – وهم كثر – وضعوا له شروطا وضوابط لا بد من التزامها والانضباط بها، ومتى تخلفت هذه الضوابط والشروط، صار التمثيل محرما وعد مخالفة شرعية [التمثيل.. الحظر والإباحة، لعبد الله صالح العجيري، مجلة البيان].
والإحاطة بهذه الشروط والضوابط والعلم بها متعين على كل من أراد الدخول في عالم التمثيل واقتحام فضاءاته، خصوصا المربين الذين يقومون على تربية الشباب في مختلف المناشط الخيرية، في المراكز الصيفية والمخيمات الشبابية والأنشطة التوعوية، ممن قد يستعملون هذه الوسيلة في التأثير.
وتزداد الحاجة إلى معرفة هذه الضوابط مع اتساع رقعة التمثيل في العمل الإسلامي باتساع رقعة الفضاء الإعلامي، وقيام الدعوات لتقديم البدائل الإسلامية في مجال: الفن، والدراما، والمسلسلات، والأفلام.. وغيرها.
ومن المؤلم دخول كثير من الأخيار هذا المجال مريدين للخير ونشر الدعوة؛ ثم تجد منهم ألوانا من التساهل المذموم في التزام هذه الضوابط مع تعلقهم بأقوال من أباح التمثيل من أهل العلم، وكأن أولئك العلماء ما تكلموا في شروط وضوابط؛ وكأنهم قد أباحوا كافة صور التمثيل.
فالواجب على من أراد التعلق بكلام أهل العلم في هذه المسألة مراعاة ما وضعوه من الضوابط والشروط، لا الأخذ بطرف من كلامهم وبتر أطراف.
أما ضوابط وشروط التمثيل المباح – عند من أباحه – فأهمها ما يلي:
أولا: وجود الحاجة الداعية إليه شرعا، تحقيقا لمصلحة معتبرة أو دفعا لمفسدة معتبرة، وثمة في الواقع حاجة بل حاجات تدعو إلى الاستفادة من التمثيل كوسيلة للدعوة إلى الأخلاق الحميدة والأفكار السليمة ومزاحمة الشر بالترفيه المباح، مع التنبه إلى تأخر رتبة هذه الوسيلة بالمقارنة مع غيرها من وسائل الدعوة القائمة على تبليغ القرآن وتبليغ السنة ونشر فقههما، بالموعظة والتذكير، والمحاورة والتعليم، والاقتداء والتأسي؛ فلا ينبغي التوسع فيه حتى يصير غاية في نفسه، أو يتوهم أنه الوسيلة الأهم في باب الدعوة، أو يتشاغل به عما هو أولى منه… وهكذا.
ثانيا: ألا يقترن به محرم: كوجود آلات اللهو والمعازف، ومثلها الأناشيد المشتملة على الإيقاعات والمؤثرات التي هي في حكم الموسيقى، أو ظهور النساء للرجال ولو بحجاب، أو الاختلاط بين الجنسين وما قد يتبعه من مصافحة وضم وغيره، أو الإسفاف والابتذال، أو نشر الفجور وبث الرذيلة، أو وصل الشعر طلبا للتجمل؛ فإن خلا من قصد التجمل، فمحل تردد والأحوط تركه، أو السخرية والاستهزاء بمعين أو طائفة: كتمثيل أعرج أو أخرس أو أعمى أو جنسية أو لهجة قوم على وجه التنقص؛ فإن لم يكن على وجه التنقص فلا بأس به، وغير ذلك من عموم الذنوب والمعاصي.
ثالثا: عدم تمثيل من يحرم التشبه بهم، أو من يكون في تمثيلهم انتقاص من قدرهم، كالأنبياء والملائكة – قطعا – ومثلهم الصحابة، وكبار العلماء والصالحين على خلاف بين أهل العلم فيهم.
وأما من يحرم تمثيلهم لحرمة التشبه بهم؛ فتمثيل الرجال لأدوار النساء والعكس، وكذا التشبه بالحيوانات في حركاتها أو أصواتها إلا ما كان يسيرا على وجه مداعبة الأطفال خاصة، والأصل حرمة تمثيل أدوار الكفار والعصاة، وقد يستثنى من هذا الأصل ما كان فيه مصلحة راجحة بشرط أن لا يصدر من صاحبه قول أو فعل مكفر أو معصية حقيقية: كسجود لصنم، أو سب الله والدين، أو شرب الدخان، أو حلق اللحية أو غير ذلك، ومثله العاصي فيجوز تمثيله والتظاهر بفعل المعصية لا فعلها حقيقة، طلبا للتنفير منها في حال المصلحة الراجحة، خصوصا فيما شاع من المعاصي، أما ما لم ينتشر منها فالأولى عدم التنبيه إليها، خشية من إذاعتها ونشرها.
والأولى بكل حال اجتناب الخوض في هذا الاستثناء ما أمكن؛ إذ هو على خلاف الأصل، ومحل شبهة؛ ينبغي على من يعالج تربية الشباب الصالح أن يتجنبه ولا يتوسع فيه.
رابعا: عدم تمثيل عوالم الغيب: فلا يجوز تمثيل أدوار الملائكة ونحوهم، أو وقائع يوم القيامة: كالبعث والحشر وعرض صحائف الأعمال ومشهد الحوض والورود على الصراط.. وغير ذلك، وكذا أحوال الجنة والنار وسائر المغيبات؛ فإن في تمثيل هذه المشاهد قولا على الله – تعالى – بغير علم، وتوهينا من قدرها ومنزلتها.
خامسا: ألا يتضمن التمثيل دعوة لمحرم، من عقائد كفرية، أو بدع ردية، أو معاص وذنوب؛ إذ الدعوة للحرام حرام، بل قد يكون صاحبه أشد إثما ووزرا.
سادسا: أن لا يتضمن التمثيل كذبا وتزويرا للواقع والتاريخ، أو الأشخاص والطوائف، أو على الشرع والدين. فلا بد من تحري الصدق والأمانة.
سابعا: ألا يؤدي التمثيل إلى أمر محرم: كالصد عن ذكر الله، أو التشاغل عما هو أوجب منه، أو تضييع للأوقات والطاقات والأموال بما لا يفي بمصلحة التمثيل.
ثامنا: يجب أن يأتي التمثيل كوسيلة للدعوة إلى الله في مرتبة متأخرة عن الوسائل السنية الشريفة وهي الكتاب والسنة وهدي السلف.
ومما نؤكد عليه أن ما علق من الأحكام والضوابط على تحقق المصلحة الراجحة فالمقصود مراعاة المصلحة الشرعية المعتبرة التي يقدرها أهل العلم؛ فإن الفقه الحقيقي في معرفة محال هذه المصالح والمفاسد، وإدراك خير الخيرين وشر الشرين، والموازنة بين منازل المصالح والمفاسد، وهذه خاصية أهل العلم؛ فالأصل الرجوع إليهم في تحقيق هذه المسائل واستشارتهم بتصوير حقيقة النازلة من كافة جهاتها، وبيان ما يمكن أن يترتب عليها من المصالح والمفاسد، ويترك لهم الحكم بعد ذلك فيها، عملا بقول الله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} [النحل: 43].
وإذا أخذ من هذا الأسلوب ينبغي الأخذ بقدر؛ فإن في الإكثار من هذه الوسيلة تشاغلا عما هو أولى وأحرى، وهو مظنة الوقوع في شيء من المحظورات والتخفف من بعض الضوابط، والواقع شاهد بهذا.
ومهما قيل عن فوائد التمثيل والإنشاد ونحوهما، فينبغي التأكيد على أنه من الخطأ البالغ أن يبالغ المربون في صرف الشباب الصالح إلى مثل تلك المناشط التي تصدهم – غالبا – عما هو أنفع لهم في أمر دينهم؛ من التزود من العلم النافع، والعمل الصالح، وحفظ كتاب الله، والتفقه فيه، وتربية النفوس على التقوى والخشية والخوف من الله.
وأما عامة الناس ومخاطبتهم بلغة التمثيل فقد يكون لهم في هذا الباب فقه أوسع وأرحب من فقه من تقدم.
والمصالح المعتبرة في حقهم لا تساوي ضرورة المصالح المعتبرة في حق الشباب الصالح، وما يليق بهم وبأحوالهم قد يكون أوسع دائرة من اللائق بأحوال أهل الاستقامة.
نظرية “البديل الإسلامي”
لقد ظهرت قنوات فضائية ومؤسسات إعلامية تهدف إلى تقديم البديل الإسلامي، ومن ذلك الأعمال التمثيلية الإسلامية، هدفها بيان جوانب الإسلام من خلال هذا الفن سواء من الناحية العقدية أو الخلقية أو غيرها.
ومن تأمل الدور الذي يؤديه الممثل يتبين له أنه بات وسيلة مؤثرة في نشر الأفكار والمفاهيم والدعوة إليها حقا كانت أم باطلا. فهل من خلال هذا الدور يمكن النظر في إمكانية استخدام التمثيل كوسيلة في الدعوة إلى الله وبيان الحق ودحض الباطل الذي انتشر؟ وفي حال كان الجواب بالإيجاب، فما ضوابط ذلك؟ لا شك أننا أجبنا عن هذا فيما سبق بوجه.
لكن المتحمسين لفكرة البديل الإسلامي يدعمون توجها قويا في هذا العصر لإيجاد البدائل المرئية الهادفة، المشتملة على عناصر النجاح، القادرة على المنافسة في عالم أصبحت فيه الأسر والأطفال متابعين بشدة لشاشات التلفاز وأفلام الفيديو وصفحات الإنترنت.. بناء على أن إعداد مثل هذه المواد حاجة ماسة، ومصلحة راجحة، يغتفر في سبيلها ما دونها مما يصنف في خانة المخالفات الشرعية بالنظر الجزئي، وذلك لأمور، منها:
أولا: عموم البلوى بالنظر إلى الأفلام بأنواعها، ومن عامة طبقات المجتمع، ومعلوم أن أغلب ما يشاهد – إن لم يكن كله – مما لا يتفق وآداب الإسلام، بل هو خارج عن هديه خروجا كليا أو جزئيا. وليس من الحكمة ولا من النظر السديد أن يترك هؤلاء فريسة لهذه الأفلام الهدامة بحجة أن التصوير مثلا أو التمثيل حرام، في حين أنه تم استثناء بعض الأحوال كالتصوير للتوثيق، والتمثيل للتعليم.. ونحو ذلك. وما نحن بصدده أعظم خطرا في أثره وأولى بالاستثناء والاعتبار.
ثانيا: لا وجه لترك الناس ـ على جهة المعاقبة لهم على إدخال التلفاز أو الأطباق الفضائية ـ والتخلية بينهم وبين شياطين الإنس والجن، يعبثون بعقائدهم وأخلاقهم وأعراضهم، ونقف مكتوفي الأيدي، سلبيين، نكتفي بالنقد واللوم والتهديد بالعقاب وبالآثار السيئة، جزاء ما فعل الناس بأنفسهم. وهذا وإن كان ضروريا، فإنه غير كاف في حجز الناس عن الباطل.. بل لا بد من العمل الإيجابي ومواجهة الباطل بمثل سلاحه، وإيجاد البديل المقنع، جنبا إلى جنب مع الدعوة والبيان والتحذير، وإلا فإننا لم نستفرغ الوسع في النصح، ولم نتماش مع ما تمليه قواعد الشريعة ومقاصدها ؛ يبين ذلك الوجه الثالث.
ثالثا: مع التسليم بوجود بعض المحاذير الشرعية التي لا ينفك عنها مثل هذا النوع من العمل الإعلامي، فهو عامل مهم في تخفيف الشر ومزاحمته، وتخفيف الشر ما أمكن أمر اعتبره الشارع، إذ هو معنى ما تقرر من أن ارتكاب أخف الضررين، ودفع كبرى المفسدتين مصلحة شرعية. وقد جاء الشرع بتحصيل المصالح وتكميلها، ودفع المفاسد وتقليلها. ولو أمكن – عمليا – دفع مفاسد الأفلام بمجرد التحذير منها لم يجز عمل البديل لمجرد التسلية والمتعة، ولكن الواقع ينطق بغير ذلك.
رابعا: أن الأفلام الخالية من صور النساء المتبرجات ومن الموسيقى، ذات الأهداف الخيرة في مضامينها وإخراجها؛ كالتعليم وتصحيح المفاهيم المغلوطة، وذكر وقائع التاريخ والإشادة بأعلام الإسلام.. وما شابه ذلك من المعاني والمقاصد الصحيحة، هذه الأفلام تترك أثرا طيبا على النشء وعلى المشاهد عموما، في زمن اختفت فيه القدوة الصالحة من وسائل الإعلام إلا ما ندر فيه، وأصبح المهرجون والمغنون واللاعبون – ذكورا وإناثا – هم وجوه الناس ومثلهم العليا!
خامسا: أن إيجاد البديل المناسب جزء من إقامة الحجة على القائمين على القنوات الفضائية وأجهزة التلفاز، وأصحاب محلات الفيديو، من جهة، وعلى المشاهد والمستهلك من جهة أخرى.. الذين يجلبون إلى الناس وإلى بيوتهم الأفلام الماجنة، وإذا قيل لهم في ذلك، قالوا: هذا هو الموجود! ومع التسليم بخطأ هذا المنطق، إلا أنه – ومرة أخرى – لا يكفي أن يكون منطقهم هذا نقطة مفاصلة بيننا وبينهم، فالدمار والعقوبات الإلهية والفوضى والانحلال سوف يكتوي بنارها الجميع، كما أننا يجب أن نقف من الناس موقف الأطباء من المرضى، فنعمل على حجب أسباب المرض، ونؤخر ما أمكن أسباب الهلاك وموجبات العقوبة.
سادسا: أن واجب حماية المجتمعات الإسلامية من أسباب الانحلال والفساد هو واجب الحكام والحكومات بالدرجة الأولى، لأن بيدهم قرار المنع، وإليهم يرجع تشجيع البديل الأفضل وإحلاله. يلي ذلك العلماء وأهل الإصلاح في الدعوة وإقامة الحجة، والاجتهاد في حث الناس على مقاومة الفساد وأسبابه بالوسائل المناسبة، ومنها تشجيع القادرين من أهل المال والاختصاص بالتعاون والتفكير في إيجاد البدائل، وتذليل العقبات لهم، وفي مقدمتها: دراسة الأمر من وجوهه المختلفة، والنظر في المصالح العامة والمقاصد الشرعية، وتنزيل النصوص منازلها منها، وتشجيعهم وضبط مسيرتهم.
وإذا قصر هؤلاء وأولئك في أماناتهم وتخلوا عن مسؤولياتهم، فأي مصير مجهول ينتظر هذه المجتمعات المغلوبة على أمرها، التي فقدت النصح والتوجيه على كل المستويات؟
إن من غير المقبول أن نعجز عن حماية المجتمع الإسلامي من أسباب الرذيلة وطرق الانحراف، ثم يضيق أفقنا أو نتقاعس عن تيسير المخارج الأقل خطرا، من باب رفع الحرج عن الناس والتدرج في استصلاحهم.
سابعا: إن تغير وسائل التخاطب وأنماط الحياة وأساليب التأثير حقيقة ماثلة لا يمكن تجاهلها بعدم التعامل معها، أو تجاوزها واختزالها، ومطلوب منا نحن المسلمين أن نعيش عصرنا بالإسلام، وأن نجتهد لكل نازلة بما يتناسب وطبيعتها وظروفها، وأن نقر بشدةِ وطأة أعداء الإسلام الإعلامية والثقافية على بلاد المسلمين، وأن وسائل المسلمين في مقاومة هذا الغزو ضعيفة جدا، وأنها حرب غير متكافئة، وإذا كنا نسلم بجواز مصالحة العدو مرحليا في حال الضعف، حتى نتمكن من أسباب القوة والمقاومة، فإننا أمام حرب لا تجدي معها المهادنة، بل المطلوب هو التسليم المطلق وبدون شروط.
أفلا يكون إفساح المجال أمام الأفلام الهادفة ـ والحالة هذه ـ ضمن قيود تراعي خصوصيتنا الإسلامية، لتحقيق الكفاية أو مقاربتها، ألصق بالحكمة ومقاصد الشريعة من إغلاق الباب في وجوه أصحاب النوايا الحسنة الراغبين في سد هذا الثغر، لنصبح عيالا على البديل الأسوأ، بحجة أن هؤلاء كفار، دينهم ما تهواه نفوسهم، ونحن مسلمون، لنا موازيننا في القبول والرفض، فكيف سمحنا لهذه الموازين أن تختل في تلقي زبالة أفكارهم وقمامة رذائلهم! ولم نجتهد – وفق موازيننا – في إبداع الوسائل المقاومة لهم!
وإذا كنا نعذر أنفسنا في الأول بالعجز عن منع المنكر، فلا عذر لنا في الثاني بمقاومته بكل وسيلة هي أقل ضررا منه. هذا مقتضى العقل وعين مقاصد الشرع.
ولا بد أن نفرق بين من يدعو إلى التنازل عن الثوابت، واقتحام المحرمات لذاتها، مجاراة لأعداء الإسلام وتزينا أمامهم.. وبين من أفزعه الواقع المؤلم، ونهض لإيجاد البديل، مرتكبا أخف الضررين، دون توسع، مجتنبا الوقوع في المحرم لذاته، متذرعا بما وسع بعض المجتهدين من أهل العلم المعتبرين في التجوز فيه، فيما يتعلق بالمحرم لغيره، إذا دعت مصلحة راجحة لاستخدامه.
كما لا بد أن نفرق في الأمر المنكر الذي يشيع في الناس:
بين ما تكون الحكمة في الردع عنه تغليظ العقوبة فيه، كما فعل عمر رضي الله عنه في حد شارب الخمر، لما فشا في الناس شربها؛ حيث جعل الحد ثمانين جلدة، ووافقه الصحابة رضي الله عنهم في ذلك.
وبين ما تكون الحكمة حجز الناس عنه بالرفق واللين، وإعطاءهم بعض ما يحبون حتى ينكفوا عما وراءه مما هو أعظم منه، كما فعل عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه في حمل الناس على الأمر الأول، وقد بعدوا عنه بعض الشيء! فكان يعطيهم الحلوة من الدنيا رجاء أن يقبلوا معها ما يريده رضي الله عنه منهم من أمر الدين.
ولا شك أن ما نحن بصدده هو من جنس الأمر الثاني.
فلهذه الأسباب ونحوها فإن إنتاج وتصوير المسرحيات الهادفة، المنضبطة بالضوابط المذكورة سابقا أشبه بالصواب، تيسيرا على الناس، واستصلاحا لما أمكن، وتخفيفا للشر ومزاحمة له، وإقامة للحجة في ترك ما هو أعظم شرا منها، ومراعاة لاختلاف أحوال الناس في طرائق التعلم والتلقي، ومخاطبة الناس باللغة التي هي أكثر تأثيرا من غيرها، وأن ما يرتكب في سبيل ذلك مما لا بد منه من مخالفات، لا تبلغ ما ذكرنا من المحاذير التي لا يتأول في تجاوزها، فإنه مغتفر مغمور بالمصلحة الكبرى المرجوة، على أن يجتهد أهل العلم والمختصون بالبحث الدائم عن الوسائل التي تؤدي الغرض، وتكون أسلم وأبعد من المخالفات الشرعية حسب الإمكان. والله تعالى أعلم [الشبكة الإسلامية].
بين الارتجال والاحتراف
وهذا الإمام الشاطبي رحمه الله يعُد الإنشاد على وجه الصناعة والاحتراف ضربا من البدع، بالرغم من أن الصحابة (ربما أنشدوا الشعر في الأسفار الجهادية؛ تنشيطا لكِلالِ النفوس، وتنبيها للرواحل أن تنهض بأثقالها. وهذا حسن. لكن العرب لم يكن لها من تحسين النغمات، ما يجري مجرى ما الناس عليه اليوم؛ بل كانوا ينشدون الشعر مطلقا، من غير أن يتعلموا هذه الترجيعات التي حدثت بعدهم. بل كانوا يُرقِّقون الصوت ويُمططونه على وجه يليق بأمية العرب الذين لم يعرفوا صنائع الموسيقى – وذكر آثارا إلى أن قال – هذا وما أشبهه كان فعل القوم. وهم مع ذلك: لم يقتصروا في التنشيط للنفوس ولا الوعظ على مجرد الشعر؛ بل وعظوا أنفسهم بكل موعظة. ولا كانوا يستحضرون لذكر الأشعار المُغنين؛ إذ لم يكن ذلك من طَلِباتهم. ولا كان عندهم من الغناء المستعمل في أزماننا شيء. وإنما دخل في الإسلام بعدهم، حين خالط العجمُ المسلمين. – ثم نقل قول القرافي – : (إن الماضين من الصدر الأول، حجةٌ على مَن بعدهم. ولم يكونوا يُلحِّنون الأشعارَ، ولا ينغمونها بأحسن ما يكون من النغَم؛ إلا من وجه إرسالِ الشعر، واتصال القوافي. فإن كان صوتُ أحدهم أشجى من صاحبه؛ كان ذلك مردودا إلى أصل الخِلقة، لا يتصنعون ولا يتكلفون) – ثم أسهب الشاطبي في ذكر ذم السلف لذلك -) [الاعتصام، للشاطبي].
ولكل ما سبق فإننا نختم المقالة بالخلاصة الآتية.
إن التمثيل في الأصل وافد غريب على الهوية الإسلامية من تيارات اليونان وعباد الأوثان قديما، ونفثات الحضارة الغربية حديثا. وهو مجافٍ لآداب الإسلام وسمت أبنائه وهديهم، لا يمتهنه أصحاب المروءات والمعروفين بالشرف والفضل في مجتمعهم.
وإن حكاية النبي ﷺ لفعل أو قول مرة من المرات، أو إتيان ملك من الملائكة في صورة رجل، أو إنشاد الصحابة على وجه عارض، لا يصح أن تؤصل هذه الوقائع لانتهاج ألوان من صور اللهو أو الترفيه – ولو كان هادفا – هي غريبة ودخيلة على نسيج الأمة الإسلامية. ومن الجهة الأصولية فإن اعتياد بعض المباحات ينقلها – كما بين الشاطبي – من جهة الإباحة إلى جهة الكراهة أو التحريم، كما عد علماؤنا من عرف بالغناء والإنشاد أو المحاكاة ونحو هذه الأمور ساقط المروءة مردود الشهادة.
ولا ننكر أن من أهل العلم المعتبرين من جوز التمثيل بل وعده من وسائل الدعوة إلى الخير والفضيلة. لكن إذا نظرنا إلى الضوابط فسنجدها أشبه بالقيد الثقيل الذي وضعه الله تعالى في أول مرحلة لتحريم الخمر: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى}، لأنه من الجهة العملية كلما هم المرء بالفعل الجائز ظاهرا – كشرب الخمر – وجد نفسه مقبلا على صلاة من الصلوات!
فمن ذا الذي يلتزم بتلك الضوابط على الوجه المذكور؟ وما أسهل أن نقول “يجوز بشرطه”! كما ذكر ابن القيم في آفات الإفتاء والمفتين.
ولسنا ننكر أثر التمثيل في عقول الناس وأخلاقهم، وأهمية الاستفادة منه في تبليغ الخير ومزاحمة الشر خصوصا في هذا الزمان، الذي كثرت فيه وسائل الشر وطرائقه، وأعيد تشكيل عقول الناس ووعيهم.
كما لا ننكر أن بعض الأعمال الفنية اليوم هي مشروعات كبرى تدعمها دول تريد أن تنفض عنها غبار العلمانية والتغريب وتعيد أمجاد الإسلام ليتذكرها أجيال استحوذت عليهم الغفلة.
لكن التساهل في الحرام طلبا لتحصيل الخير لا شك في حرمته؛ إذ الغاية لا تبرر الوسيلة، وإرادة الخير لا تبرر الخطأ، وكم من مريد للخير لم يصبه، بل الواجب تحصيل المقاصد الحسنة بالوسائل الحسنة، وسلوك طريق الخير لتحصيل الخير. أما الحرام فليس طريقا للخير، ولم يجعل الله شفاء أمته فيما حرم عليها.
وقديما كان باب الفن والتمثيل مقصورا على أهل الفساد والنفاق فكان المسلمون في عافية لوضوح الوسيلة والغاية الخبيثتين الدخيليتين لا سيما عند كل ملتزم متمسك بدينه أو مثقف سوي الفطرة متمسك بأصوله وأخلاقه السوية. فلِم نفتح بابا للتخليط يكون حجة لمبتغي الفتنة لكي يأتيها متذرعا بواقع جديد سنرسخه وهو أن التمثيل كالشعر وكالغناء حسنه حسن وقبيحه قبيح!
ثم إن في ذلك إماتة تدريجية لأصول العلم الصالح والعمل النافع والدعوة إلى الله ومبدؤها {اقرأ}! ويكفي للاعتبار أن المثقفين لا يعدلون بقراءة القصص – سواء التاريخية أو الروائية – بديلا تمثيليا، نظرا لما يفقدونه كثيرا إذا ما شاهدوا المحاكاة المرئية للمكتوب.
إن ما ذكرناه من ضوابط وشروط ليست هي محل اتفاق بين أهل العلم – وإن كان جلها كذلك – بل منها ما يتسع فيه الخلاف ويسع فيه الاجتهاد. كما أنه لا يجوز الاتكاء على مجرد وجود الخلاف في المسألة لإباحة فعلها، أو الاستدلال باختلاف أهل العلم في ضابط للتفلت منه، بل الواجب النظر في دلالات الشريعة ومقتضيات الأدلة طلبا لحكم الله في المسائل؛ فمن وفق إلى بذل الجهد طلبا لمراد الله، فهو الموفق للأجر وإن أخطأ، وإلا كان مخطئا في فعله أصاب الحق في المسألة أو أخطأه.
وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما كثيرا
انتباهة قلب
ليست انتباهة القلب قاصرة على من اهتدى بعد ضلال، كمن اعتنق الإسلام بعدما كان عليه من باطل، أو مَن يُطلَق عليه “التزم” بعد غيٍّ وانحراف، فهؤلاء وأولئك قبل هدايتهم لم يكونوا يعيشون الإسلام الحق. وعن حالهم يقول تعالى: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} [الأنعام: ١٢٥]. وليس هذا محل تفصيل الحديث لا عن الكافرين ولا عن المنافقين؛ فحياة قلوبهم -إذا شاء الله لها الحياة- هي بدخولهم باب الإسلام {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} [المائدة: ١٦].
ولكن الكلام عن انتباهة قلب الظالم لنفسه من المؤمنين، والذي يخاطبه ربه تعالى بقوله: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم} [الحديد: ١٦]، وقد قال ابن مسعود: “ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين” [مسلم]، ويقول: “فجعل ينظر بعضنا إلى بعض ويقول: ما أحدثنا؟!” قال الحسن: “استبطأهم وهم أحب خلقه إليه”. وليس ما قاله الصحابة مقتضيا أنهم من أولئك الذين ذكرهم الله بهذه الآية، ولكنهم -وهم خير الخلق بعد الأنبياء- يخشون آفة القسوة حذرا وحيطة. فالخطاب إذن للمؤمنين وليس للضالين والمكذبين، والآفة هي قسوة القلب، وسببها طول الأمد، وعلاجها خشوع القلب لذكر الله. فما سبب هذه القسوة؟ وما علاجها؟
إنَّ الذي يسلك سبيل الحق ابتداءً، ثم لا يتعاهد نفسه بزيادة إيمان بالعلم النافع، والعمل الصالح، يعتاد مع مرور الزمن هذا القدر من الطاعة الذي داوم عليه ابتداءً. لذا كان أبو الدرداء يقول: “من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه”، وكان ابن مسعود يقول: “اللهم زدنا إيمانا ويقينا وفقها”. وقد علَّمَنا ربُّنا دعاء الراسخين في العلم إذ يقولون: {ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا} [آل عمران: ٨]، يقول عنها الطبري: “لا تُمِلْها فتصرفها عن هُدَاك بعد إذ هديتنا له”. وكان من دعاء النبي ﷺ كما رواه عمرو بن العاص رضي الله عنهما: “اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك” [مسلم].
فمن لم يتعاهد إيمانه بالزيادة يتسلل الذبول إلى عمله، فتنقص لذة الطاعة التي كان يعيشها في صفاء الابتداء. وإذا انتقصت لذة الإيمان برز التلذذ بالشهوات المحرمة والانشغال المفرط بالمتاع المباح؛ فهما لذتان لا تجتمعان في قلب واحد، يقول تعالى عن تزيين لذة الإيمان: {ولكنَّ الله حبَّب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم} [الحجرات: ٧]، ويقول عن تزيين لذة الشهوة: {زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث} [آل عمران: ١٤]. وفي ذلك يقول ابن تيمية رحمه الله: “فلو كانت اللذة الإيمانية الكاملة موجودة لما قدَّم عليها لذة تبغضها وتزيلها، ولهذا يجد العبد في قلبه إذا كان مخلصا لله واجدا لحلاوة العبادةِ والذكرِ المعرفةَ الصارفة لقلبه عن هذه المحرمات، فلا يلتفت إليها؛ كالمشغول بالجوهر إذا لاحت له قشور البصل. بخلاف ما إذا عُدم هذه الحلاوة الإيمانية، فإنه حينئذ يميل إلى شيء من المحرمات”.
إنَّ لقسوة قلب الظالم لنفسه مظاهر كثيرة من تثاقل عن الطاعة، واقتراف للمعصية، وتعلق بالدنيا، وضعف لتعظيم الله، وقلة تأثر بالقرآن… ويشعر صاحب هذا القلب في مبدأ الزيغ بانبعاث داخلي أولا تجاه ما لا يرضي ربه، رغم ما في المعصية من ألم وتنغيص. ثم تستحكم الشهوة في القلب مع اقترافها وتكرارها بلا توبة، ولكنه لا يقوى على التحرر منها. فيصير الحال كـ(الأَسر المذموم المحبوب) في ذات الوقت؛ أسرٌ لضعف القدرة على طرحه والخروج عنه، ومذمومٌ لأن أصل الفطرة والإيمان يمُجُّه ويلفظه، ومحبوبٌ لداعي الغريزة البشرية لخلق الإنسان من طين. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن/ ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن” [متفق عليه]. فهنا انتفى عنه الإيمان الواجب حال اقترافه الكبيرة؛ فهما لا يجتمعان في حال واحدة.
إن الارتباط وثيق بين مفسدات القلوب وبين استحضار العبد لما يؤمن به بالغيب؛ فكلما قَلَّ استحضار القلب لموعود الله بالغيب، زاد انبعاثه نحو ما يفسد قلبه، ثم تكتمل الحلقة النكدة بأنه كلما اقترف العبد من مفسدات القلب نقص استحضاره لما يؤمن به بالغيب. وعن مثل هذا القلب يقول ابن القيم رحمه الله: “قلب قد استنار بنور الإيمان وأُوقِد فيه مصباحه، لكن عليه ظلمة الشهوات وعواصف الأهوية، فللشيطان هنالك إقبالٌ وإدبارٌ، ومجالاتٌ ومطامع، فالحرب دُوَل وسِجال، وتختلف أحوال هذا الصِّنف بالقلَّة والكثرة، فمنهم مَن أوقات غلبته لعدوِّه أكثر، ومنهم مَن أوقات غلبة عدوه له أكثر، ومنهم مَن هو تارة وتارة”. ولا خروج من هذه الحلقة النكدة إلا بمجاهدة تُعيد التَذَوُّق للذة الإيمان حتى ينصرف العبد عن معصية ربه، ويقبل على الطاعة المتوهجة من جديد.
وأولى مراحل انتباهة القلب من غفلته هي مكثه في بيئة الطاعة؛ فسماعها، والخلطة بأهلها، والتواجد في أجوائها… كل ذلك لا يكلف العبدَ سوى القرار! لن يمكث في بيئة الفساد، ولكنه سيذهب بقدميه إلى بيئة الصلاح، ممتثلا لما رواه أبو سعيد رضي الله عنه عن النبي ﷺ فيما قاله العالِم لقاتل المائة نفس: “انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإنَّ بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك؛ فإنها أرض سوء” [مسلم]. ولا يظن العبد بذلك أنه حتما سيجد لذة الندم على اقتراف ما فرط منه! ربما نعم.. وربما لا، ولكنه حتما يكون بذلك قد دخل المشفى، وعرَّض قلبه للعلاج. فحتى وإن لم يشعر في العودة إلى الحق بلذته بادئ ذي بدء، ولكنه قد سلك السبيل الصحيح. هذه الخطوة تحمل من المجاهدة بهجر المنكر والإعراض عنه والإقبال على الطاعة من جديد ما يفتح الباب للتوفيق لما بعدها.
وهنا يبدأ الارتقاء بتيسير الله وتوفيقه لمزيد من المجاهدة والعمل، يقول تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: ١٧]، فينفسح صدر العبد للإتيان بطاعة جديدة، وهذه فرصته! فأعمال الخير كثيرة، وكلها -ما دامت وافقت الحق نيةً واتباعا- تؤتي أُكُلَها في طريق التزكية {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون} [المائدة: ٣٥]، يقول الطبري: “واطلبوا القربة إليه بالعمل بما يرضيه”. ولكن أقوى الطاعات أثرا هو: تلاوة القرآن في صلاة جوف الليل منفردا.. إنه الوحي ينزل على القلب المريض حال الوقوف بين يدي الملك الحق الذي يدنو في هذا الوقت من عباده، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: “ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟” [متفق عليه]، ويدفع الحديث إلى أمر آخر بجانب كلام الله المتلوّ.. إنه الدعاء.. لا سيما حال السجود ليلقى الدعاءُ ربا سميعا قريبا يبادر عبده بسؤاله وهو الغني عنه، وفيه يقول تعالى: {ادعوا ربكم تضرعا وخفية} {وادعوه خوفا وطمعا} [الأعراف: ٥٥، ٥٦]. إن المداومة على الاستعانة بالله تعالى بهذه الوسيلة كفيلة بأن تصلح ما فسد من القلب.
وليست المجاهدة بالرحلة التي تنجح في كل محطاتها؛ فقد يسقط العبد تارة، وينجح أخرى، ولكنَّ المُوَفَّق من يستعين بربه وينهض من كبوته فيكمل طريق المجاهدة. ومع المجاهدة يتذوق العبد حلاوة الإيمان من جديد، فيفرح بأنه صار يجد ما يغنيه عن اللذة المنغصة بالمفسدات؛ فإن الأنس والشكوى واللذة والتعلق صارت موجهة للملك سبحانه.. فأُشبعت هذه الحاجات على نحو نقي صافٍ بعدما كانت تقع في غير محلها من بشر أو آلة أو ما يزيد فساد قلب العبد، ولا يملك الطاقة للخروج عنه.. إنه الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب، فحق حينئذ أن يفرح العبد كما قال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} [يونس: ٥٨]، يقول عنها الطبري: “فإن الإسلام الذي دعاهم إليه، والقرآن الذي أنـزله عليهم، خيرٌ مما يجمعون من حُطام الدنيا وأموالها وكنوزها”.
ويأتي العلم مثبتا ومعمقا على طريق التزكية، فيزيد العبد رسوخا على سبيل الإيمان، كما قال تعالى: {لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين} [آل عمران: ١٦٤]، فجمع سبحانه بين التزكية والتعليم على هذا الترتيب كما قال تعالى: {واتقوا الله ويعلمكم الله} [البقرة: ٢٨٢]. ولا يصلح علم بغير تزكية ولا تزكية بغير علم؛ فإنه تعالى يقول في فاتحة كتابه عن دعاء أهل الحق: {اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين} [الفاتحة: ٦، ٧]، يقول ابن تيمية رحمه الله: “اليهود يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، ولا يتبعونه لما فيهم من الكِبْر والحسد الذي يوجب بغض الحق ومعاداته. والنصارى لهم عبادة، وفي قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها، لكن بلا علم، فهم ضُلَّال. هؤلاء لهم معرفة بلا قصد صحيح، وهؤلاء لهم قصد في الخير بلا معرفة له”.